ذات صباح في يوم من أيام صيف أيار، فوجئ المارة وقائدو السيارات في ميدان الإسماعيلية بمنطقة مصر الجديدة بشاب نحيل يبدو عليه التعب والهزال، يرتدي بنطلون جينز متسخًا وقميصًا أزرقًا واسعًا مهترئًا، يترنح بين السيارات محاولًا عبور الطريق، عندما أتت سيارة مسرعة صدمته ثم اختفت في لمح البصر. تجمع الأهالي في الحال لتفقد الشاب، وجدوا الدم يسيل من رأسه ومن فمه، يلتقط أنفاسه بصعوبة، ظل يردد كلمة «محسن... محسن...» ثم فارق الحياة.
غطى الأهالي الجثة، وأبلغوا الشرطة والإسعاف، ونُقل الجثمان إلى المشرحة. سألت الشرطة شهود العيان الذين وصفوا الحادث، ولم يتمكن أحد من التقاط أرقام السيارة، ولا حتى نوعها، لم يعرفوا إلا لون السيارة فقط. أجمعوا على أنها سيارة سوداء، ثم ذكر أحدهم ما قاله القتيل قبل وفاته: كلمة «محسن... محسن...».
وجد المحققون بطاقة القتيل، وعنوانه مسجلٌ بها في شارع حسن أفلاطون، بالقرب من ميدان الإسماعيلية موقع الحادث. ذهبوا إلى هناك، فوجدوا عقارًا قديمًا يعود إلى زمن الستينيات، مكونًا من ثلاثة طوابق، مبنيًا على الطراز الأوروبي الحديث، محاطًا بحديقة كبيرة، يُعرف المكان بالحي الراقي أو الحي الهادئ.
استقبلهم صاحب العقار، الذي كان يجلس في شرفة شقته بالدور الأرضي، يقرأ صحيفة في يده، وأمامه فنجان من القهوة، يرتدي بدلة رمادية على قميص أبيض وربطة عنق تجمع بين اللون الأبيض والرمادي. تملأ وجهه الأبيض نقط بنية، شعره أبيض بالكامل لكنه غزير ومصفف بعناية، يبدو في الستينيات من عمره. تحدَّث إليه ضابط الشرطة بعد أن عرَّفه بنفسه.
قال: «معك الرائد عزيز، معاون مباحث قسم مصر الجديدة... حضرتك تسكن هنا؟»
قال: «نعم، أنا المهندس شاكر، صاحب العقار... تفضل، تفضل».
دخل الضابط من الحديقة، وصعد عدة درجات إلى الشرفة، وأخذ مجلسه أمام المهندس شاكر على أحد كراسي البامبو الخشبية، ثم راح يسأله مباشرةً:
«هل تعرف الشاب سمير عبد الحميد الذي يسكن هنا؟» قال الضابط.
«نعم... لكنه لم يعد يسكن هنا... لماذا؟ هل فعل شيئًا؟ كنت أعرف أنه سيقع في المتاعب، ولا بد»، أجاب صاحب العقار.
«لا... لا... لقد دهسته سيارة هذا الصباح وتوفي في الحال».
«صدقني، لقد استراح... لقد سبب لنا كثيرًا من المشكلات والإزعاج، أنا وجميع سكان العقار»، أجاب.
«كيف ذلك؟ هل كان يقيم بمفرده؟ ألم يكن له عائلة؟ هل كان له شقيق اسمه محسن؟» هكذا أمطر الضابط الرجل بعدة أسئلة متتالية.
تنهد صاحب العقار وهز رأسه، ثم قال: «لقد كان يسكن مع أمه وأخته سوزان بعد وفاة والده، لكن أمه توفيت منذ سنتين، وأخته تزوجت، ولم يبقَ في الشقة إلا هو. كان مدمنًا على المخدرات ولا يعمل، كان يعتمد على أمه التي كانت تنفق عليه حتى توفاها الله، ولم تترك له شيئًا إلا بعض المشغولات الذهبية وسيارتها الخاصة.
باع كل شيء لينفق على المخدرات وأصدقاء السوء... بالمناسبة، محسن هذا صديقه الذي لا يفارقه، كان مدمنًا مثله، ولكنه كان شيطانًا، دائمًا ما يأتي له بالمخدرات وأحيانًا بالفتيات الساقطات، لكني كنت أطردهم، وقد حررت له عدة محاضر في السابق، ولكنها حُفظت كلها».
«هل لدى محسن هذا سيارة سوداء؟» قال الضابط.
«أظن أنه يمتلك سيارة، ولكني لا أتذكر لونها»، أجاب الرجل.
«ثم ماذا حدث؟ لماذا ترك السكن هنا وأين ذهب؟» قال الضابط.
«هذه قصة طويلة»، أجاب صاحب العقار، ثم أكمل: «... بعد كثير من المشكلات، نفدت كل نقوده، فأوحى إليه صديقه محسن ببيع الشقة وشراء شقة أصغر في مكان آخر. أنت تعرف أن الشقة هنا تُقدَّر بمبلغ كبير، على الرغْم من أنها إيجار قديم».
قال الضابط: «نعم... نعم».
أكمل صاحب العقار: «أتاني هو وصديقه محسن ذات يوم، وعرضا عليَّ شراء الشقة، والحقيقة فرحت جدًّا بهذا لأتخلص منه ومن إزعاجه، لقد جعل البيت أشبه بوكر لتناول المخدرات. اشتريتها منه بمبلغ خمسمائة ألف جنيه، أخذ المبلغ وغادر العقار.
وعلمت بعدها أنه استأجر غرفة في بنسيون قريب من هنا... لم أعرف عنه شيئًا بعد ذلك». هكذا أنهى صاحب العقار كلامه.
قال الضابط: «هل تعرف أين يعيش صديقه محسن هذا؟»
«لا... ولكنه موجود بصفة دائمة في نادي الشباب والفروسية».
سأل الضابط: «وأين تعيش أخته؟ هل لديك عنوان لها؟»
«لا، في الحقيقة، ولكني أحتفظ برقم هاتفها»، أجاب صاحب العقار، وأخرج هاتفه من جيب البدلة، وراح يبحث عن الرقم... «ها هو»، ثم أملاه للضابط عزيز، الذي شكره في النهاية وانصرف في سيارة الشرطة.
اتصل الضابط عزيز بسوزان، أخت القتيل، وأبلغها الخبر، الذي تلقَّته بفتور وغضب.
طلب منها الرائد عزيز الحضور للقسم لإنهاء إجراءات استلام الجثمان وتصريح الدفن والتحدث قليلًا.
قالت: «سوف أحضر في الحال مع زوجي».
حضرت سوزان، امرأة في الثلاثينيات من عمرها، بيضاء، ترتدي نظارة سوداء كبيرة، وعباءة سوداء، وغطاء أسود للرأس، مع زوج ملتحٍ حليق الرأس، يرتدي قميصًا أبيض وبنطلونًا زيتيًّا من الكتان. لم يحضر معهم أي شخص آخر.
أنهى الضابط عزيز إجراءات تسليم الجثمان وتصريح الدفن، وطلب من سوزان، بأدب جم، أن تأتي إلى القسم في اليوم التالي، بعد انتهاء مراسم الدفن، لسؤالها عن عدة أشياء كي يُغلق المحضر.
لم يحضر مراسم الدفن في مقابر العائلة بمصر الجديدة سوى ثلاثة أشخاص: سوزان، وزوجها، وأحد أشقاء زوجها.
في اليوم التالي ذهبت سوزان بصحبة زوجها إلى قسم الشرطة، التقت بالضابط عزيز، كانت متوترة وغاضبة، فحاول الضابط عزيز أن يهدئ من عصبيتها. قال لها: «لن أطيل عليكِ، أنا مُقدِّر للظروف، فقط إن كنتِ تريدين أن تُحدثيني عن المرحوم، وعن حياته وأصدقائه».
«لا أريد أن أتحدث عنه، حضرتك أكيد سمعت عنه كل شيء»، ثم أكملت: «كل هذا بسبب أصدقاء السوء في النادي الزفت»، هكذا قالت بعصبية، ثم أردفت: «خصوصًا محسن الضائع، لقد بحّ صوتي وصوت أمي لكي يبتعد عنه، ولكنه كان مثل الشيطان يلازمه في كل مكان. سمير كان شابًا جميلًا طيبًا، لكنه كان ضعيف الشخصية، منذ أن تعلم تعاطي المخدرات على يد هذا المجرم، تحول إلى شخص آخر. أخفق في الجامعة ولم يُكمل دراسته، كانت حياته كلها نوم في النهار وسهر بالليل. لقد كان سبب انهيار أمي وتدهور صحتها قبل أن تتوفى، رحمها الله. تنازلت له عن حقي في الشقة والسيارة، باع كل شيء، حتى أثاث المنزل، وضيع كل هذا على المخدرات والسكن في البنسيونات والسهر. حاولت مساعدته كثيرًا، لكن مع الأسف لم يوجد أمل في إصلاحه».
أنهى الضابط عزيز حديثه، وشكر سوزان وزوجها، الذي لم ينطق بكلمة في أثناء الحديث، فقط كان يُظهر الشفقة على زوجته ويحاول مواساتها.
البحث عن حسن
ذهب الضابط عزيز إلى نادي الشباب والفروسية بملابس مدنية، جلس في كافتيريا النادي، سأل النادل عن شخص معروف في النادي اسمه محسن، فنظر النادل إليه نظرة ازدراء، وقال: «إنه يأتي كل يوم، سوف تتعرف عليه عندما يأتي، فليس له مكان آخر يذهب إليه»، ثم تركه وانصرف.
لم يمضِ كثيرٌ من الوقت حتى ظهر شاب طويل ونحيل، يرتدي قميصًا مشجرًا على بنطلون برتقالي واسع من الجبردين، يمشي مكبًّا على وجهه، يهز كتفيه يمينًا ويسارًا، ويضع يده على رأسه من حين إلى آخر، يتحسس شعره الكثيف المجعد. راح يُسلِّم على كل العمال في النادي، ثم جلس إلى طاولة بالقرب من الضابط عزيز، وحيَّاه دون سابق معرفة، فردَّ عليه الضابط عزيز التحية بابتسامة ضيقة.
بعد ذلك قدم شاب آخر، حيَّا الشاب الأول، وقال له: «أبو محسن صباح الفل»، سلَّم عليه، وجلس بجانبه إلى الطاولة. عرف الضابط عزيز أنه الشخص المقصود، خصوصًا بعد ما أتى النادل إلى طاولته، وقال له بسخرية مبطَّنة: «تشرب إيه يا محسن بيه؟»
بعد عدة لقاءات وتحريات، وبعد أن تردد الضابط عزيز على النادي عدة مرات تعرَّف فيها على محسن أكثر، اكتشف أنه يوزِّع مخدر الهيروين على الشباب في النادي، وأنه يمتلك فعلًا سيارة سوداء فاخرة يُخزن بها كمية من المخدر.
انتهى الأمر بالقبض على محسن، وحُكم عليه بالسجن 25 عامًا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.