نادي التقدم الفكري الثقافي....مدرسة تخرج منها الرجال

بدأ نادي التقدم الفكري الثقافي كأي فكرة مصيرها مجهول، قد تنجح بالإصرار وقد تفشل بالتكاسل.

ولدت فكرة إنشاء نادي التقدم الفكري الثقافي من رحم اتحاد عقول آمنت بالعمل الثقافي كأداة فعالة في معالجة جميع القضايا المتعلقة بالمجتمع الموريتاني الشنقيطي عموماً والتمبدغاوي بشكل خاص.

كانت الفكرة ميلاد وعي في شرق موريتانيا وخصوصاً مقاطعة تمبدغة في ولاية الحوض الشرقي على بعد 1200كم من العاصمة السياسية لموريتانيا: نواكشوط،، حيث كانت المقاطعة تفتقد في فترة ميلاد الفكرة الأماسي الثقافية والأعمال التطوعية في ظل غياب تام للمفهومين المذكورين آنفا في حياة شباب المقاطعة.

مع العلم أن مقاطعة تمبدغة منذ ميلادها كانت صرحا ثقافيا ومركزا للأدب والفن على مر حقب ماضية، حيث أنجبت المدينة أشهر الأدباء والشعراء الموريتانيين كالأديب الشيخ محمد الأمين سيدي محمد وقاضي الأدباء سيداتي ولد حمادي ومختاري ولد سيدي عالي وغيرهم كثر ومعروفين في الوسط الأدبي الشنقيطي.

16 إبريل 2012...تاريخ من نوع آخر

كان 16 إبريل 2012 يوم الاجتماع التأسيسي لنادي التقدم الفكري الثقافي وكان يوم توحيد أفكار تختلف في الأسلوب وتتفق على الهدف، وكان التشاور سيد الموقف في ذلك الاجتماع، وخرج الجميع بنتيجة مرضية، مفادها أن المسؤولية تقع على عواتق الجميع ولا يسمح لأي شخص الاتكال على غيره في تنفيذ المهام المسندة إليه، وكانت الرسالة التي يحملها الجميع آنذاك:

هلموا لنرفع بند العلا              بعزم وشمل يشتت شمل التعب

صراخ البلاد شكا ضعفها         فأدوا الحقوق ولبوا الطلب

أتغدوا البلاد لنا تشتكي            ونحن سكوت فيا للعجب

فنحن شباب بعيد الطموح           رزين العقول عزيز النسب

وكان تكاتف الجهود فيما بين أعضاء النادي رغم قلتهم آنذاك، دليلا على صدق نيتهم وعزمهم على المضي قدما في تحقيق هدفهم المتمثل في بث ثقافة العمل الاجتماعي في صدور الأجيال الصاعدة.

 صعوبات ونكبات

كانت محاولتنا في إقناع السلطات الإدارية بترخيص الأماسي التوعوية في المقاطعة لا تقل شأنا عن إقناع المجنون بجنونه، فأحيانا تماطل في منحنا الترخيص وأحيانا تسخر منا في محاولة يائسة منها في إجهاض فكرتنا التي آلينا على أنفسنا في نادي التقدم الفكري الثقافي أن لا نتراجع عنها مهما اعترضنا من النكبات.

ولا نخفي ما اكتنفنا من الصعوبات الجمة التي واجهتنا خلال كل الفترات الماضية، واجهناها بالجد والمثابرة والإخلاص في القول والعمل، بل وفي النية أولا وقبل كل شيء.

كان بعض الأهالي والأساتذة معارضون لفكرتنا ويعتبرون أنها ستكون سببا في توقفنا عن التسلسل في النظام المدرسي، بينما كنا نعتبر النادي منبرا للتدريب على الخطابة وتصحيح الأخطاء اللفظية والتعود على التحدث أمام الجماهير، سعيا منا في مواكبة صرحنا الثقافي العتيد للمتطلبات الأساسية للشخص النموذجي المقتدر.

 كنا نحن التغيير الذي نريده للعالم

استطعنا في نادي التقدم الفكري الثقافي أن نصنع الفارق في حياتنا في أنفسنا دون أن يصنعه أحد آخر ولم نستجب لمماطلة النفس التي تتخذها حين يسلك الشخص طريق الإصلاح، فاتخذنا لأنفسنا من النادي مدرسة تكوينية في مجال الإدارة، فكنا نعمل بشكل إداري سعيا منا في التعود على العمل المؤسساتي الإداري، كما كونا أنفسنا في مجال الإعلام فكنا نصحح أخطاء بعضنا البعض ونعمل على إنشاء تقارير للأنشطة التي يقوم بها النادي، سعيا منا في حفظ الأعمال الجمعوية التي نقوم بها والتمكن من مفتاح الإعلام الأساسي الذي هو تحرير النصوص الإخبارية والتقارير الميدانية.

كما كان لنادي التقدم الفكري الثقافي الفضل الكبير في تكويننا في فن المسرح، الذي طالما بلغنا من خلاله رسائل بالغة الأهمية يتعلق جوهرها أساسا بحلول المشاكل التي يعيشها المواطن البسيط، بالإضافة إلى النقد الساخر من المشاكل الأسرية والعقبات الطريفة التي يتعرض الإنسان بشكل عام والمواطن التمبدغاوي بشكل أخص.

من السهل أن تتخذ قرار المضي قدما في فكرة معينة، لكن الصعب هو ترجمة ذلك القرار إلى واقع ملموس ونحن في نادي التقدم لم نبخل في ترجمة قرارنا إلى الواقع المعاش.

كنا نعلم أن التكاسل عن تطبيق القرارات تعود إلى سببين رئيسين:

سبب داخلي: المماطلة والتردد

سبب خارجي: الأشخاص الذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون ويثبطون الأفكار

لكن إيماننا بالنجاح كان قويا وكنا نتذكر دائما أن زرع جميلا سيحصده وأنه:

وما ضر الورود وما عليها      إذا المزكوم شذاها

مشيناها خطى كتبت علينا       ومن كتبت عليه خطى مشاها

فكانت خطانا ثابتة ومتواصلة إلى الأمام، لا ننصت إلى أصوات المثبطين ولا نلتفت إليهم، فقد اتخذنا من سخريتهم قوة وسلاحاً نتسلح به أمام النكبات والعقبات التي لا شك أنها متواصلة ما تواصلنا في تحقيق هدفنا النبيل.

 استيعاب....وتثمين للهود

بعد سنوات من ممارسة الأنشطة التوعوية التي كانت الإستفادة الأكبر فيها عائدة لنا، بدأ المجتمع التمبدغاوي بدءاً بفئة الشباب يستوعب فكرة العمل الجمعوي، وبدأ الشباب ينخرط في المجال مثنى وثلاثاً وفرادى في نادي التقدم الفكري الثقافي، مما جعل المسؤولية تزداد على الأعضاء المؤسسين للنادي، فهم مسؤولون الآن عن تكوين جيل جديد والتركيز عليه جيدا، فهو في الأخير من سيخلفهم في هذا المجال، ومن العار أن تبقى الساحة الثقافية خالية على عروشها بعد أن كانت معمرة.

ورغم صعوبة تكوين جيل جاء لأجل الاستمتاع والتفرج على المسرحيات الساخرة عن قرب، فقد أبلى أعضاء النادي بلاء حسنا في تكوين أولئك الشباب، حتى بدأوا يعلنون ولاءهم وانتماءهم للنادي شيئا فشيئا ثم ألقوا على عاتقهم حملا من المسؤوليات أصبحت تقيدهم عن الأفعال المشينة التي اشتهر بها يعضهم.

ثم بدأ الأساتذة والمدرسون والجهات الرسمية يولون انتبها لأنشطتنا مما زاد الشباب حماسا ورغبة في المواصلة بعد أن كاد تزيغ قلوب فريق منهم ويطمس على عقله ويلقى على بصره غشاوة، ثم بدأ الاهتمام يزداد وبدأت الأمور تأخذ مجرى آخر والطريق تعتدل بعد أن كانت كثيرة الحفر، لكنها طريق لا تؤتمن ومهما اعتدلت فسيبقى احتمال أن يكون فيها حفر في الأمام، ثم إنها بداية الاعتدال فقط وليس وسطه حتى.

وثمن الأساتذة الذين اعترف بعضهم بعد معارضة الفكرة حقبة من الزمن أن النادي استطاع أن يكون أشخاصاً عجزت المدرسة عن تكوينهم.

وهنا نستخلص أن الإيمان بالفكرة وطرحها في زاوية أنها لا تموت وليس لها عمر افتراضي هو أمر يحفز على المواصلة واستكشاف كل ما هو جميل في الحياة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.