قراءة لرواية "مينوس غراندي"


سنحاول طرح قراءة للمنجز الأدبي "مينوس غراندي" بموضوعية واعتمادًا على بعض مداركنا المعرفية في الكتابة. 

لا بدَّ من الإشارة منذ البدء إلى أنّ جماليةَ نصِّ رواية «مينوس غراندي» وأهميتَه المعرفية لا يمكن أن يعكسها أيُّ نصّ نقديٍّ محتمَل، إذ لا تروي قصة ولا أحداثاً متسلسلة يمكن اختزالها في نص يكتب على هامشها، على غرار ما ترويه الرواية الكلاسيكية.

إن ما يشد القارئ إليها هو جاذبية إبداع أسلوبها ودقة وسمو معانيها، إذ عمد الكاتب إلى آلية اختزال الأفكار وتكثيفها لتصب في عمقها الدلالي(fiction)، وترَك للقارئ فسحةً واسعة للتخيّل والتحليل والاستيعاب، وذلك ضمن قالب أدبي فني بديع، جمع فيه كاتب الرواية بين جمالية الأسلوب وعمق المعنى، وتطور الخطاب الأدبي، بين جاذبية الأدب الروائي وتقنيات الكتابة المختزلة وتحريك ثابت إلى متغيّر، "التهكم" على تاريخ مصر بطريقة ذكية محاولاً تحريك التماثيل المحنط وفكرنا "الصنم".

لا يسَع قارئَ رواية إلاّ أنْ يجزم –في أولى ملاحظاته- بأن في قراءة الرواية، يجد من يحمل همَّ البحث عن المعرفة ضالته، ويجد من يتوق إلى جمالية الذوق الأدبي الرفيع حساً إبداعياً فنياً يشدّه بشغف كبير.

أهمية الرواية وكل خصائصها الجمالية تتجسد فيما أبدعه كاتبها من أساليب حوارية، تبدأ منذ الفصل الأول بتوضيح ملامح الشخصية الرئيسية على لسان الكاتب إنها تمتهن علم الآثار، ويزداد الحوار حضورًا وكثافة وعمقاً؛ ليهيمن كلياً على النص الروائي طيلة باقي الفصول.

يُعدّ هذا العمل الروائي بحقّ كتجربة أولى للكاتب "جابر عجلاني" إبداع متميِّز، إنّه رواية جديدة تعكس خصائص رواية ما بعد الحداثة، التي تمنح الكاتب حرية التصرف في شكل بناء الرواية وأسلوبها، إنها الخاصيات التي يحددها النقاد في تجاوز الكاتب الروائي لخيوط حياكة الرواية الكلاسيكية، إذ قامت هذه الأخيرة على ضرورة وجود وحدة الموضوع، أي قصَّة متسلسلة لها بداية ونهاية، وعقدة وبطلاً يصنع أو تصنعه أحداثها في إطار مراحل زمن تاريخي خَطّي.

الإبـــداع المعرفــي للروايــة:

إنّ عمقَ مضامين الرواية يعود إلى اعتماد كاتبها على الموضوعية المعرفية، إذ استلهم في قالب حواري جذاب من الفكر الصوفي، والفلسفي، والتاريخ القديم، وعلم التحليل النفسي.

هذا وإن كان الفكر الحداثي للكتابة يغلب على معاني الحوار، وكان الكاتب يستجلب منه مقولاته الإشراقية، فما ذلك إلا ليعيد مساءلتها بتقنيَّات الفلسفة المعاصرة، ونظريات التحليل النفسي، والظواهر الاجتماعية.

ولعلّ أهم الإشراقات التي نزع عنها ثوب القداسة الميتافيزيقية، وحددها ضمن قوالب متداخلة وعلمية معاصرة المقولاتُ التي تقول: بوحدة الوجود وبأنّ الفناءَ حلولٌ واتحاد، وتلك التي تعتبِر العشقَ أصلَ وجود الكون، وأصلَ معرفتِه، معرفةً تواكبُها حالاتُ الشطح والحيرة.

كما طرح الكاتب ضمن نفس القوالب السيكولوجية المعاصرة مسألة الوصال، أو الممارسة الجنسية بين الفصول والزمان... الدنيوي الإنساني، وهي محاولة تعكس إبداع الكاتب في خاصيتين من خاصيات روايته: تجاوزه للاجترار الفكري، وانتصاره لصالح الإنسان والعلم النسبي.

جاءت الرواية إذن لتحرر الفكر الثابت من قبضة معناه الثابت وتضفي عليه معناه الإنساني. المتناقضات: الحياة/والموت، الفناء/والخلود، الخير/والشر، الحب/والكره، القسوة/والتسامح.

إبــداع فــي شكــل الروايــة.

أحداث الرواية تجري في أماكن محددة.

جسَّد الكاتب الارتقاء بمستويات تحديد مفهوم الفيكسيون. 

عند وضع نقطة نهاية نصه الروائي يُنحّي الكاتب «جابر عجلاني» شخصيتَه وينهي دورَه لصالح القارئ. إذ يبدأ هذا الأخير في تأمّل ذاته وتَمَوْقُعِها بالنسبة إلى مراحل تطور فكرة البحث وتحريك الثابت في عقولنا الراكدة التي تحمل نظرة "سلفيّة" للمسلمات ولتاريخ.

تَبْرَع الرواية -بفضل دقة وفنية أسلوبها في العرض والوصف- في إثارة فضول القارئ ومساءلته لقناعاته منذ فقرتها الأولى، ويزداد الشغف بقراءتها حين تغوص في رحلة مع الدكتور الباحث.

إنّ قمةَ إبداع وجماليةِ رواية «مينوس غراندي» –شأنُها شأنَ الروايات المبدعة لفترة ما بعد الحداثة- تكمن في إشراك كاتبها جابر عجلاني للقارئ إشراكاً مُلهِماً يغريه بإعادة كتابة الرواية، روايتِه الشخصية وتجربته هو في العشق مستلهما مادّتَه من قراءته وتأويلِه، لِما تثيره الرواية من أسئلة وأجوبة معرفية دقيقة مُستفِزّة.

وهو ما يُعدّ بحقّ أسمى إبداعٍ لرواية ما بعد الحداثة، إذ يولِّد إبداعاً شخصياً جديداً لدى قارئها، لم أستطع التعمق في تحليل حتى أكشف أحداث رواية، لكن أدعو كل الذين تستهويهم المطالعة قراءة هذا النص.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب