ربما اعتدنا الاستماع إلى قصص النجاح الملهمة لرجال الأعمال والصناعة والمبتكرين في أوروبا وأمريكا وحتى في دول شرق آسيا، إلا أننا هذه المرة نلتفت إلى قصة نجاح عربية مليئة بالكفاح والمثابرة والنتائج، لصاحبها الملياردير ورجل الأعمال السوداني محمد إبراهيم، الشهير بمو إبراهيم السوداني.
سنتعرف على أهم المحطات التي مر بها منذ ولادته في السودان إلى أن أصبح ضمن أغنى 10 أشخاص في السودان، وفي قائمة المليارديرات والأشخاص الأكثر تأثيرًا في العالم.
المولد والنشأة
ولد محمد فتحي إبراهيم mo ebrahim يوم 3 مايو عام 1946 في مدينة حلفا في السودان، ولم تَطُلْ إقامته هناك، حيث غادرت عائلته إلى مصر بسبب عمل والده بالتجارة، وبالتالي نشأ محمد فتحي إبراهيم في مصر وتعلّم فيها، ومنها حصل على الثانوية العامة، وكان أحد المتفوقين في تلك السنة حتى إنَّه حصل على تكريم من الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.
التحق محمد إبراهيم بجامعة الإسكندرية وحصل على شهادة في الهندسة الكهربائية عام 1974، ثم قرر أن يكمل تعليمه في إنجلترا حيث التحق بجامعة برادفورد، ومنها حصل على شهادة الماجستير في الهندسة الكهربائية والإلكترونية. ولم يتوقف محمد إبراهيم عند ذلك، وإنما أكمل دراسته في جامعة برمنغهام وحصل على شهادة الدكتوراه في الاتصالات في البحث الذي أعدّه حول إعادة استخدام الترددات الراديوية.
عندما كان يدرس محمد إبراهيم في جامعة برمنغهام للحصول على درجة الدكتوراه، كان يعمل في التدريس في الجامعة نفسها قبل أن يحصل على درجة الأستاذية، وهو ما يعبر عن نبوغه وقدرته على التحصيل وطموحه الكبير الذي لا يتوقف في مجال التعليم والحصول على الشهادات العليا.

محمد إبراهيم البروفيسور وصاحب النجاحات العلمية
في هذا الجانب من حياة وشخصية الملياردير مو إبراهيم، توجد عدة نجاحات علمية. فقد عمل مدرسًا للاتصالات في جامعة Thames Polytechnic، والتي أصبح اسمها بعد ذلك جامعة Greenwich، قبل أن يترك مجال التدريس الجامعي عام 1983 ثم شغل منصب المدير التقني في شركة Greenwich، وكان المسؤول الأول في الشركة عن العمليات اللاسلكية.
ومن الجدير بالذكر أن هذه الشركة جزء من شركة الاتصالات البريطانية، وفي ذلك الوقت كانت إحدى أكبر الشركات في بريطانيا، وبالتالي كان منصبه ذا أهمية كبيرة.
وفي عام 1989، اضطر الدكتور محمد إبراهيم إلى ترك العمل في مجال الاتصالات بعد خبرةٍ طويلةٍ وعميقة اكتسبها من العمل في شركة الاتصالات البريطانية. وكانت هذه المرحلة من أصعب مراحل حياته، وقد قال عنها إنها تسببت في إحباطه حينما ترك العمل وفقد كل المميزات التي تصاحب ذلك العمل مثل السيارة والهاتف المحمول والسكرتيرة والمميزات المالية. إلا أن أمورًا أكثر أهمية كانت تنتظر ملياردير السودان.
ملياردير السودان رائد الأعمال
لم يستسلم محمد إبراهيم لحالة الإحباط التي أصابته بعد ترك العمل في شركة الاتصالات البريطانية ولم يحاول الالتحاق بشركة أخرى في المجال نفسه، وإنما قرر أن يؤسس شركته الخاصة. ورغم أن الظروف لم تكن في أفضل حالاتها، فإنه أعلن تأسيس شركته في منزله، والتي كانت تشغل مكان غرفة الطعام. وهي شركة للاستشارات والبرمجيات وتصميم شبكات الهواتف المحمولة، وأطلق عليها اسم «موبايل سيستمز إنترناشونال» Mobile Systems International.
ورغم الصعوبات الكبيرة التي واجهت محمد إبراهيم في البداية، فإنه كان عازمًا على التقدم وعدم التراجع والاستسلام. ومع التطور الكبير الذي حدث في مجال الاتصالات اللاسلكية في التسعينيات من القرن الماضي، وجد محمد إبراهيم أن قارة إفريقيا تعاني من نقص شديد في مجال الاتصالات اللاسلكية، وهو ما دفعه إلى الاتجاه نحو القارة السمراء لتلبية احتياجاتها.
ورغم أن زملاءه وأصدقاءه من المتخصصين حذروه من العمل في إفريقيا، فإنه أسس شركته بالفعل تحت عنوان «MSI Cellular Investments»، والتي أطلق عليها بعد ذلك اسم «Celtel».
واختلف العمل في شركته الجديدة عن الشركة الأولى، فقد كانت متخصصة في تقديم الخدمة وليس في الاستشارات والتصميم. كما توسع محمد إبراهيم في أعمال الشركة وافتتح لها فروعًا في عدة دول.
فبعد أن كانت البداية في أوغندا فقط، أصبح لها وجود في الكونغو ومالاوي وسيراليون والغابون. وهي المرحلة التي يتحدث عنها محمد إبراهيم قائلاً: «لقد حذرني الكثيرون من عدم العمل في قارة إفريقيا بسبب الانقلابات والثورات والفساد والرشاوى وبسبب الفقر الذي يعاني منه الناس هناك، كيف يمكنهم أن يشتروا هاتفًا محمولًا؟ إلا أنني قررت أن أعمل وسط هذه الظروف، وبالفعل حققت نجاحًا كبيرًا وانتشرت أعمالي في 12 بلدًا إفريقيًا».
ولكي نفهم ونقدر حجم النجاح الذي حققه رائد الأعمال السوداني محمد إبراهيم في إفريقيا في تلك المرحلة، فإن الأرقام تشير إلى أن عدد مستخدمي الهواتف المحمولة في القارة السمراء، والذي كان لا يتجاوز 7 ملايين مشترك في نهاية التسعينيات من القرن الماضي، وصل إلى أكثر من 76 مليونًا من المشتركين في بداية عام 2004، وهو الأمر الذي شارك فيه محمد إبراهيم من خلال شركته وفروعها المنتشرة في عدة بلدان إفريقية.
وعن تلك المرحلة، قال محمد إبراهيم في إحدى المقابلات الصحفية: «إن صناعة المحمول غيرت الكثير في إفريقيا، رغم العقبات الكبيرة المستفحلة في القارة السوداء مثل الرشاوى والفساد». كما أكد محمد إبراهيم أنه رفض منذ اليوم الأول في عمله في إفريقيا قبول الرشاوى أو دفعها، واستطاع مع الوقت أن يفرض شروطه على كل من يتعامل معه، وهو ما كان سببًا في النجاح فيما بعد.
مو إبراهيم الملياردير الشهير
بعد أن حقق محمد إبراهيم في حياته نجاحات علمية كبرى وحصل على درجة الدكتوراه والأستاذية، درّس في جامعات كبرى في إنجلترا. ثم حقق نجاحات إدارية كبيرة بالعمل في كبرى شركات الاتصالات في إنجلترا، وذاق طعم النجاح في ريادة الأعمال. وحققت شركاته المتخصصة في تقديم خدمات المحمول في إفريقيا نجاحًا باهرًا، وأصبح من كبار رواد الأعمال في القارة السمراء.
إلا أن هناك نجاحًا آخر كان ينتظر محمد إبراهيم، وهو النجاح المالي. ففي عام 2000، قرر محمد إبراهيم بيع شركته الأولى التي أنشأها إبان إقامته في إنجلترا، والتي بدأت من داخل منزله، وأصبحت بعد ذلك من أكبر الشركات العاملة في مجالات الاستشارات والتصاميم الخاصة بالاتصالات، وهي شركة «Mobile Systems International».
وفي الوقت الذي قرر فيه بيع الشركة، كانت تضم نحو 17 شركة فرعية تابعة لها بإجمالي 800 موظف في جميع فروعها، وكان الموظفون شركاء في الشركة بنحو 30%، وبلغت قيمة الصفقة في ذلك الوقت نحو 900 مليون دولار.
كما باع محمد إبراهيم شركته الأخرى «Celtel»، صاحبة النجاحات الكبيرة في تقديم خدمات الهواتف المحمولة في عدد من البلدان الإفريقية. ورغم أن محمد إبراهيم لم يكن يرغب في بيع الشركة التي تحقق كل يوم نجاحات جديدة، فإن المساهمين في الشركة ضغطوا بشدة لإتمام إجراءات البيع. وبالتالي، باعها لصالح شركة الاتصالات الكويتية بمبلغ ضخم وصل إلى 3.4 مليار دولار أمريكي، وهي الصفقة التي جعلت منه مو إبراهيم الملياردير، الذي دخل نادي المليارديرات وأصبح أحد أغنى رجال الأعمال في السودان، ومن أغنياء العالم، وتتجاوز ثروته ملياريْن ونصف المليار دولار أمريكي.
محمد إبراهيم رائد الأعمال الخيرية والاجتماعية
من الجوانب الرائعة في شخصية الملياردير ورائد الأعمال السوداني الشهير محمد إبراهيم هو الجانب الاجتماعي والخيري، والذي ظهر جليًا حينما قرر عام 2006 إنشاء مؤسسته الخيرية: مؤسسة محمد إبراهيم «MO Ibrahim Foundation»، والتي اختار أن يجعلها تعمل لخدمة التنمية في القارة السمراء، رغم أن مقرها في لندن.
وفي عام 2007، وضمن أعمال المؤسسة، أطلق محمد إبراهيم جائزة بعنوان «جائزة الحكم الرشيد»، والتي يتم منحها لرؤساء الدول والحكومات في القارة السمراء، والذين يمثلون نموذجًا للحكم الرشيد بما يحقق التنمية والعدالة والديمقراطية. ولكي تكون الجائزة ذات قيمة كبيرة، رصد لها محمد إبراهيم خمسة ملايين دولار وراتبًا شهريًا بقيمة 200 ألف دولار مدى الحياة لمن يحصل عليها.
وعن هذه الجائزة التي تعد الأكبر من نوعها في العالم، يقول محمد إبراهيم إن الحكم الرشيد هو وسيلتها لحل مشاكل القارة الإفريقية. وقال إن القارة الإفريقية تتلقى مساعدة تتجاوز 70 مليار دولار في السنة، الذي يُضاف إليها الدخل القومي لمعظم دول القارة.
ورغم ذلك، لا تستطيع تلك الدول المضيَّ قدمًا، رغم أنها قارة غنية بالموارد وقليلة السكان. وبالتالي، يتساءل محمد إبراهيم: لماذا ما زلنا فقراء وقد غادر الاستعمار القارة منذ سنوات؟ الإجابة هي في الحكم الرشيد، وفي إشاعة الديمقراطية، والقضاء على الفساد.
ومنذ إطلاق الجائزة التي أطلق عليها «جائزة إبراهيم للإنجاز في القيادة» عام 2007، حصل عليها 6 رؤساء أفارقة هم:
- رئيس النيجر محمدو إيسوفو عام 2020.
- رئيسة ليبيريا إيلين جونسون سيرليف عام 2017.
- رئيس ناميبيا هيفيكيبوني بوهامبا عام 2014.
- رئيس جمهورية الرأس الأخضر بيدرو بيريس عام 2011.
- رئيس بوتسوانا فيستوس موجاي عام 2008.
- رئيس موزمبيق جواكيم تشيسانو عام 2007.
كما منحت الجائزة بشكل فخري للرئيس نيلسون مانديلا في العام الذي أُطلقت فيه الجائزة عام 2007.
وبالإضافة إلى مؤشر الحوكمة والجائزة التي تقدمها مؤسسة الدكتور محمد إبراهيم، فإنها ترعى الكثير من المبادرات والبرامج البحثية التي تتعلق بالقارة الإفريقية والتنمية في مجالات عدة مثل الرياضة والشباب والمناخ والطاقة والبيانات والمال. كما تقدم المؤسسة تحليلات دقيقة لمستويات أداء القارة وتعمل على مناقشة الحلول بجدية عن طريق استضافة الخبراء والشباب من داخل وخارج القارة.
كما تنظم مؤسسة مو إبراهيم مؤتمرها السنوي الذي يجمع القيادات الإفريقية في كل القطاعات لتقريب وجهات النظر والعمل على مواجهة التحديات، بالإضافة إلى توفير برامج للزمالة وتخصيص منح للدراسة في التخصصات التي تخدم قارة إفريقيا.
جوائز وتكريمات محمد إبراهيم
يعد محمد إبراهيم من النماذج القليلة التي نجحت بطرق مختلفة، وتوجت نجاحها بالعمل الخيري والاجتماعي. وقد حصل الملياردير السوداني ورجل الأعمال الشهير على العديد من الجوائز والتكريمات، ولعل أبرزها ما يلي:
- درجة الدكتوراه الشرفية في الاقتصاد من جامعة كلية لندن للدراسات الإفريقية والشرقية.
- جائزة رئيس جمعية GSM الفخرية لعام 2007.
- جائزة BNP للأعمال الخيرية لعام 2008.
- جائزة كلينتون المواطن العالمي لعام 2010.
- الدكتوراه الشرفية في القانون من جامعة بنسلفانيا الأمريكية عام 2011.
- جائزة أفريقيا كير للقيادة عام 2011.
- جائزة معهد كيل للاقتصاد العالمي عام 2011.
- جائزة الألفية للتميز عام 2012.
- جائزة ديفيد روكفلر للقيادة الجسورة عام 2012.
- ميدالية أيزنهاور في القيادة.
- ميدالية رابطة السياسة الخارجية.
من هو أغنى رجل أعمال في السودان 2026؟
حسب رؤتي ومتابعتي فإن أغنى رجل في السودان حاليًا هو أحد الخمسة التالية أسماؤهم:
- أسامة داؤود عبد اللطيف: رئيس مجموعة DAL، ويُعد أحد أعمدة الاقتصاد السوداني.
- محمد إبراهيم (مو إبراهيم): رجل الأعمال البارز في قطاع الاتصالات ومؤسس شركة Celtel وناشط الحوكمة.
- معاوية البرير: صاحب مجموعة شركات كبرى تعمل في المجالات الزراعية والصناعية والتجارية.
- صلاح إدريس: المعروف بلقب الأخطبوط، وله استثمارات واسعة في الصناعة، النقل، والمصارف.
- أشرف الكاردينال: رجل أعمال ينشط في مجالات البناء، التشييد، التجارة، والاستيراد.

كم تبلغ ثروة مو إبراهيم؟
تبلغ ثروة ملياردير السودان محمد إبراهيم -الذي يعده كثيرون أغنى رجل سوداني- نحو 1.3 مليار دولار أمريكي حسب مصادر مختصة.
وفي نهاية حديثنا عن الملياردير ورجل الأعمال الخيري السوداني محمد إبراهيم، فإننا نبرز كلام مجلة «جون أفريك» المتخصصة في شؤون القارة الإفريقية، والتي قالت فيه: «محمد إبراهيم ثري مناضل يعمل من أجل الحكم الرشيد في إفريقيا، وهو صديق الأقوياء في القارة، إلا أنه في الوقت نفسه وأحد أشدّ من يوجّه إليهم النقد ويحاسبهم على أخطائهم».
كما نذكر أن محمد إبراهيم كان قد تعهد بالتبرع بنصف ثروته للأعمال الخيرية، وألزم نفسه بشكل أخلاقي كما يفعل كثير من الأثرياء حول العالم، وهو ما يجعلنا نتمنى أن يكون بيننا أكثر من محمد إبراهيم كي يصلح الواقع العربي والإفريقي.
وفي نهاية هذا المقال، نأمل أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، كما يسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات وأن تشارك المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.