موهبة الكتابة أسرار بداية الكُتّاب الكبار.. هل يولد الكاتب أم يُصنع بالمصادفة؟

إن عالم موهبة الكتابة غامض ومليء بالمفارقات، فهل الكاتب كائن يولد بقلمٍ في يده، أم هو شخص عادي دفعه شعور ما -كالإحباط أو الشغف بالقراءة- إلى اكتشاف عالم لم يكن يتوقعه؟ هل كل من يكتب يمتلك موهبة؟ وهل الموهبة شرط للكتابة أم تكفي الرغبة والمثابرة؟ تتنوع بدايات الكُتاب بين من قادتهم المصادفة لاكتشاف ذاتهم، وبين من عاشوا بوعي ذاتي منذ الطفولة بأن الكتابة قدرهم.

في هذا المقال، نستكشف طبيعة الموهبة الأدبية، وكيفية اكتشافها، والعلاقة الجدلية بين اليقين والشك، والدور الحاسم للمصادفة والانضباط في تحويل شرارة الموهبة إلى شعلة إبداع خالدة، مستعينين بشهادات عمالقة الأدب العالمي. ونقترب من تجارب عدد من الكُتاب العالميين لنفهم كيف تبرز الموهبة، ومتى يُعوَّل عليها، وما السر الحقيقي وراء استمرار الكاتب وتحوله إلى مبدع مؤثِّر، ونناقش العلاقة بين الإبداع والانضباط، وهل يمكن لمن يفتقر إلى الوهج الأول أن يُصبح كاتبًا؟

الإحباط والقراءة بوابات غير متوقعة للكتابة

تقول الروائية البريطانية دوريس ليسنغ: «الإحباط هو السبب الذي يدفـع كثيرين لأن يكـونوا كُـتابًا».

إن أغلب الكُتاب في البداية لم يكونوا على علم برغبتهم أو موهبتهم في الكتابة، إلا إنهم يلاحظون أنهم توَّاقون ليكونوا قارئين ممتازين فحسب؛ وذلك أنه قد ترسخ في أعماقهم أن ما كان يجب أن يُكتب فقد كُتب فعلًا، وعليه فإنهم لا يثقون في موهبتهم إلا عندما يتحققون أن ما كتبوه أول مرة لا وجود لما يماثله، ولا بد أن يحظوا بكامل متعتهم -هم أنفسهم- عند إعادة قراءته.

لذا فالكتابة -بوصفها مهنة- لم تكن يومًا تخطر في أذهان أعاظم الكُتاب، بل اكتشفوا موهبتهم بمحض المصادفة، ومن خلال ردود أفعال المحيطين ممن قرأوا لهم، فضلًا على انطباعهم هم أنفسهم عما كتبوه.

تقول الروائية جويس كارول أوتس: «لم يمر بخاطري يومًا أنني سأغدو كاتبة، لم أتصور أنني سأمضي حياتي كاتبة». وكذا يقول الأديب هاروكي موراكامى: «لم أكن أفكر أن أكون كاتبًا في يوم ما، إنما حصل هذا، وها أنذا اليوم كاتب».

هاروكي موراكامى

وأما عن الروائي بوريس باسترناك فيقول: «نجاحنا نحن في العشرينيات كان بعضه وليد الحظ والمصادفة». لكنهم عندما يسمعون في بداياتهم أن ما يكتبونه -هو فقط لأنفسهم- تبدو الفكرة مخيفة، ومخيبة لآمالهم لأن يصبحوا كُتابًا بارعين.

لكن الروائية توني موريسون تقول في هذا قولًا آخر: «إذا استطعت أن تقرأ أعمالك بمتعة -مع الحفــاظ علـى المسافة النقدية المطلوبة بينك وبينها- فإن هذا سيجعل منك كـاتبًا ومحررًا أفضل مع الوقت».

اكتشاف الذات.. حين يرى الكاتب موهبته في عيون الآخرين

وأكثر الكُتاب في بداياتهم لا يرون مواهبهم إلا بأعين الآخرين، ولا يفطنون إليها إلا في آرائهم، والذين يعلنون صراحة لهم عن ثقتهم بإمكاناتهم الكتابية، على الرغم من أن معايير المحيطين قد تكون مختلفة تمامًا عن معايير الكاتب الخاصة، إلى أن يدرك الكاتب في أحد أعماله -ومع كثرة الثناء- أن الكتابة باتت تمثل الانشغال الأكثر أهمية في حياته.

لكن ثمة آخرين -وهم قلة قليلة- يعتقدون أنهم لم يُجبلوا منذ البداية إلا لأن يصبحوا كُتابًا، بل ويجعلهم هذا الشعور أكثر إبداعية وعطاءً، ويطور أساليبهم الكتابية والفنية كثيرًا. ولكن شيئًا ما يفتقده الروائي حال اعتداده بنفسه بوصفه كاتبًا جيدًا، وهو أنه متى صرح بحقيقة عمله كاتبًا يصبح الناس الآخرون -بلا مناص من ذلك- معنيين بالأمر، وهو ما يفقد فعل الكتابة خصوصيته بل وقوته.

موهبة الكاتب

يقول لورانس دوريل: «إن تجسيم المواهب يجسم العيوب أيضًا». وقد يكون هذا ما دعا روائية مثل جويس كارول أوتس أن تصرح «أنا أكتب، لكني لا أريد أن أتصور نفسي كاتبة، أنا لا أميل إلى اعتبار نفسي كاتبة، ففي ذلك تعظيم مفرط للذات». ولكن شيئًا من هذا لا يعني امتلاك الموهبة من عدمه، وذلك كونها انطباعات تلقائية فردية، لا ترمي بالضرورة -وبمعايير علمية موثوقة- إلى كون هذه المشاعر تنبع من كل شخص ذي موهبة أصيلة، أو أنها محض أحاسيس عارضة يوافيها كثير من الناس، لذلك سواء كانت الموهبة ظاهرة أو مكنونة خلف ظواهر الأفعال، فإنها لا تبدي قدراتها إلا من خلال عمل أو أكثر يعبر عن وجـودها وبقوة.

الموهبة وحدها لا تكفي.. دور النقد والوعي الذاتي

لا يُعد إبداء ظهير محدود من الناس ثناءهم على الكتابات أنها نتاج موهبة حقيقية؛ فقد يكون في الأمر كثير من المجاملات وإرضاء الغير، إنما الأمر مرهون بمدى طغيان فعل الكتابة على ظاهر الأفعال اليومية، وآمال الفرد المستقبلية، وزِد على هذا أن تتعرض الكتابات أكثر من جهة ناقدة وحيادية موثوق في نزاهتها. وليس شرطًا أن يكون المُقيم ناقدًا بالمعنى الفني؛ فقد يكون من المحيطين بالكاتب والمُحبين كثيرًا للقراءة.

وأخيرًا أن يكون الكاتب نفسه لا يعتد كثيرًا بكتاباته؛ فهي لا يجب أن تحظى من جانبه بتمام الرضاء، كون هذا الرضاء التام إنما يعكس قصورًا في العمل الأدبي، بل ويعطي تلميحًا لعدم رغبة الكاتب في التعلم -وهو أمر شديد الضرورة- مهما امتلك من وسائل إبداعية، فضلًا على كونه الشر الأعظم في أمر امتلاك الشخص للموهبة.

بيد أن ثمة شرطين مهمين من أجل ممارسة الكتابة على نحو احترافي وإبداعي، أولهما بلا شك هو الموهبة، وثانيهما التدريب والمواظبة، وهو ما سنتناوله بإيجاز في مقال آخر.

حجم الموهبة مقابل الانضباط معادلة الإبداع

  • حدود الموهبة: أما عن الموهبة، فلا بد أن تتوافر الحدود الدنيا منها -على أقل تقدير الموهبة القرائية والكتابية- وهو أمر لا غِناء عنه، ولا إرادة للإنسان فيه، فقد يولد موهوبًا، أو تكسبه البيئة الحاضنة والمؤثرات الخارجية تلك الموهبة، كأن يولد الإنسان لعائلة أو لوالدين يعشقان القراءة أو الكتابة على حد سواء، ويمارسونها باستمرار، أو أن يتعرض الإنسان لموجات من الأحداث المؤلمة خلال حياته، فتثير داخله البراكين الحادة التي تزيل الغبار عن الرغبات المكنونة لفعل الكتابة، والمتجهة كليًا وجزئيًا ودون إرادة واعية نحوه.
  • حجم الموهبة لا يحدد حجم الإبداع: أما عن حجـم الموهبـة فهي لم تعبر يومًا ما عن حجـم الإبداع الذي يمكنـها أن تقدمه، فكم من مواهب عظيمة إلا إنها كانت شحيحة الإنتاج المبدع، والعكس صحيح. يقول لورانس دوريل عن نفسه «أنا موهبة من الدرجة الثانية، وهذا شيء محتوم على الإنسان أن يواجهه، لكن الواقع أنه لا يهم أن تكون من الدرجة الأولى أو الثانية أو الثالثة، وإنما الأهمية البالغة هي أن يجد الماء مستواه الخاص، وأن تبذل أقصى ما يتسع له ذرعك مستعينًا بالقوى التي وُهبت لك، فمن العبث أن تكافح من أجل أشياء خارجة عن متناولك، كما أن من السفه أن تتوانى عن استغلال السجايا والملكات المهيأة لك». 
  • عوامل مؤثرة في الإبداع: أضِف لذلك أن حجم الموهبة يختلف من مبدع لآخر، وربما كان هذا راجعًا للاختلاف في حجم ثقافة الفرد، وكذا نوعية الاستقبال ونوعية الإرسال ودرجة الانفعال والاستجابة. لكنه لا يمكن مقارنة حجم موهبة أحدهم بالأخرى، وكما لا يعبر حجم الموهبة عن فيض الإبداع الذي ينتج عنها -كما سبق وأشرنا- فلا يجب أيضًا الاعتداد بحجم الموهبة بوصفه معيارًا لمدى جدوى الأعمال التي سيقدمها الكاتب، أو حتى قدمها مسبقًا، فالأمر نسبي شيئًا ما.

ففي تاريخ الأدب مَن كانوا أقل موهبة من غيرهم، وقدموا أعمالًا خلَّدت ذكرهم عن عظماء أجيالهم، ومنهم من قدم عملًا واحدًا في مسيرته الكتابية، والأمثلة كثيرة. وذلك أن الأمر ربما يخضع لظروف أخرى، كالظروف التي أحاطت بالرواية، ومدى انفعال الكاتب في أثناء تأليفها، ما يؤثر مباشرة في أسلوبه وطريقة كتابته وتفرد تجربته، وكذا ظروف البيئة المحيطة وقوة تأثيرها، ومدى استجابة الكاتب للحظات الإشراق اللحوحة التي توافيه تباعًا، وهي بمكان من الأهمية يفوق حماسته للكتابة والشروع فيها، كونها وقود العملية الإبداعية، ويتوقف عليها مدى استعداده للكتابة الأصيلة - الابتكارية المتفردة.

فأول ما يتولد عنها الشغف والرغبة الجامحة اللذان بدورهما يغمران الكاتب بوهج من الخيال والإبداعية تبحران في دفقات من العبقرية، ربما تكون في حالات خاصة منقطعة النظير، بل وتهبانه شذرات من تجربة يمكن بها أن يبدأ في الدراسات الخاصة بروايته.

يقول أوسكار وايلد: «الكتابة تسهم في 10% من العبقرية، في حين يتكفل الانضباط بالـ 90% الباقية منها».

أوسكار وايلد

الكتابة ليست حكرًا على من يمتلكون الموهبة الفطرية فحسب، بل كثيرًا ما تتجلى لدى أولئك الذين يتبعون إشارات داخلية خفية، أو تُوقظهم المصادفة، أو يُلهمهم النقد. وبين هذا وذاك، لا قيمة للموهبة دون التمرين والانضباط. ولا يُمكن للكاتب أن يحكم على نفسه، فالنص هو الحكم الحقيقي، وشغف الاستمرار هو ما يصنع الفارق.

في النهاية، تبدو موهبة الكتابة رحلة جدلية ومعقدة، تبدأ غالبًا من الشعور بالنقص أو الإحباط، وتكتشف بالمصادفة، وتُصقل بالشك والقلق، وتُغذى بالثناء الخارجي. إنها ليست يقينًا مطلقًا يولد مع الكاتب، بل هي إمكانية كامنة تحتاج إلى ظروف خاصة لتظهر، وتحتاج إلى نقد ذاتي لتنمو، والأهم من ذلك كله، تحتاج إلى انضباط حديدي وممارسة دؤوبة لتحويلها من موهبة إلى إبداع حقيقي يترك أثره في العالم. وكما تعلمنا من عمالقة الأدب، فإن الشرارة الأولى قد تكون هبة، لكن بناء النار التي تضيء للأجيال هو فعل إرادة وعمل شاق.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.