موليير.. العبقري الذي منح اللغة الفرنسية هويةً عالمية

لم يكن جان باتيست بوكلان مجرد كاتب مسرحي مرَّ عابرًا في تاريخ الأدب الفرنسي، بل كان مشرطًا حادًا في يد جراح ماهر، تفنَّن في تفكيك عيوب المجتمع في القرن السابع عشر تحت قناع الكوميديا والهزل.

استطاع هذا العبقري، الذي خلَّده التاريخ باسم موليير، أن يحوِّل خشبة المسرح من منصة للتسلية البسيطة إلى مرآة صقيلة كشفت زيف البشر وتناقضاتهم؛ فجعل الملوك والفقراء على حد سواء يضحكون من أعماقهم على حماقاتهم الخاصة.

ومن رحلة شاقة بدأت بدراسة القانون وانتهت بوفاة درامية فوق خشبة المسرح، صاغ موليير للفرنسية كيانًا لغويًا وحضاريًا فريدًا، حتى غدت تُعرف عالميًا بـ«لغة موليير»؛ تقديرًا لثورته الأدبية التي جعلت من الضحك سلاحًا للإصلاح، ومن الكلمة إرثًا لا يغيب.

من هو موليير؟

موليير اسم الشهرة للكاتب الفرنسي جان باتيست بوكلان. ويعد موليير أحد أساتذة الهزليات في تاريخ الفن المسرحي الأوروبي، فهو شاعر وممثل ومحامٍ ومخرج مسرحي فرنسي.

موليير اسم الشهرة للكاتب الفرنسي جان باتيست بوكلان

ولد موليير عام 1622م في قلب فرنسا، وتوفي عام 1673م، وكما كان عصر إليزابيث يمتاز بالأدب الإنجليزي، لا سيما أدب شكسبير، ومارلو، وجونسن، فقد امتاز القرن السابع عشر في فرنسا بموليير، وكورنيه، وراسين.

النشأة والتكوين: بين القانون وعشق المسرح

كان في صباه، ثم في شبابه مولعًا بدراسة القانون، يتطلع إلى أن يكون من كبار المحامين، لكن عشقه للفن، لا سيما المسرح جعله يهجر المحاماة إلى التمثيل. 

توفيت أمه وهو في العاشرة من عمره فرباه والده جان بوكلين الذي كان يعمل خادمًا للملك ومورد سجاد، ثم تزوج والده بعد وفاة والدته.

كان دكان والده بالقرب من مكان تُقدم فيه عروض مسرحية بسيطة، وكان موليير يتابع هذه المسرحيات بشغف بصحبة جده من والدته.

تعلم موليير في كلية كليرمونت وتلقى في هذه الفترة مباديء الفلسفة كما تعلم اللغة اللاتينية، لذا فقد ساهمت تلك الفترة في تكوين شخصيته.

درس موليير الحقوق في أورليان، وأحب الشعر اللاتيني وبالذات للشاعر اللاتيني كيس، من ثم فقد ترجم له مجموعة أشعار ضاع أغلبها.

موليير وانجذابه للمسرح

تمرد موليير على رغبة والده بأن يكون خادمًا لصالح القصر الملكي، وقرر الاتجاه إلى المسرح وهو في الـ21 من عمره، وأحب موليير المسرح بسبب مشاهدته العروض المسرحية مع جده من والدته.

وكما كان التمثيل مهنة حقيرة عندنا إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية، فقد كان الناس في فرنسا كذلك، وبلغ من احتقارها أن منعوا إجراء مراسم الدفن المعتادة على الميت من الممثلين، فكان طبيعيًا أن يغضب أبو موليير حين رآه يهجر المحاماة إلى المسرح.

رحلة السجن والنجاح الصعب

ألف موليير فرقة مسرحية أطلق عليها اسم المسرح الباهر مع مجموعة من أصدقائه، ثم غير اسمه إلى موليير لكيلا يسبب إحراجًا لوالده، لكن سرعان ما منيت الفرقة بالفشل، بسبب أن جمهور المسرح في باريس في القرن الـ17 كان ضئيلاً، وتراكمت على موليير الديون، وعجز عن الدفع، فاتُّهم بالاحتيال، وألقي القبض عليه وأودع السجن.

ألف موليير فرقة مسرحية أطلق عليها اسم المسرح الباهر مع مجموعة من أصدقائه

ولم يجد والده بدًّا من إنقاذه، فسدد ديون الفرقة، وأطلق سراح ابنه ومعه عدد من أفراد الفرقة الفاشلة.

تركت الفرقة المسرحية باريس وذهبت إلى الأقاليم وقامت فرقته بتقديم عروض مسرحية في ريف فرنسا، وبدأ موليير بكتابة مسرحياته بنفسه، حتى قابل موليير أثناء تجواله فرقة مشابهة قائدها أكبر منه في السن والخبرة، فطلب منه دمج الفرقتين معًا وقد كان.

قدمت فرقة موليير عروضًا في أماكن مختلفة، في ليون ومونبييه وبيزيه، وساهمت هذه الجولات في حياة موليير الفنية، واكتسب منها خبرة في التعامل مع المؤلفين والممثلين والجمهور وتعزيز موهبته الفنية.

بمرور الوقت تحسن أداء الممثلين واكتسبوا الخبرة والثقة في النفس، وحضر الكاتب بيير كورني إحدى المسرحيات التي قدمتها الفرقة، وكانت زيارة غير متوقعة هي بداية شهرة الفرقة.

بدأت شهرة موليير الحقيقية عندما وصلته دعوة من فيليب شقيق الملك لويس، في يوم 24 أكتوبر عام 1568م عند تقديمه عرضًا مسرحيًا أمام ملك فرنسا لويس الرابع عشر.

الحب والزواج في حياة موليير

أحب موليير إحدى ممثلات فرقته وهي مادلين بيجار والتي أقنعته بأن يؤجر مسرحًا لعرض المسرحيات، لكنه هجرها، حين أحس أنها تخذله وتخونه.

ومرت الأعوام، فإذا به يحب ابنة هذه الممثلة، كان يكبرها بربع قرن، ومع ذلك أحبته ورضيت به زوجًا، وأخلصت له، ورُزق منها بولدين.

ويدين المسرح الفرنسي في التراجيديا والكوميديا على السواء للبلاط الملكي، وللأرستوقراطية الفرنسية من الأمراء والنبلاء، وإلى جانبهم الكردينال ريشليو، ثم في عهد موليير الكردينال مازارين. 

أهم أعمال موليير

أشهر مسرحية لموليير هي مسرحية البخيل التي تناولت حياة البرجوازي الغني هاربجون ووصف بخله الشديد وكنز المال مع بخله على أسرته، ورفض تزويج ابنه وابنته بسبب البخل.

أهم أعمال موليير

من المسرحيات التي كونت شهرة موليير ورسخت قدمه بعدّه كاتبًا مسرحيًا كوميديًا (مدرسة الأزواج)، ثم (مدرسة الزوجات)، لكن من أشهر ما اقتبسه المسرح العربي، أو مثله في مصر مسرحيات (طرطوف) و(المريض بالوهم) و(المتصنعات الثقيلات).

لماذا تسمى اللغة الفرنسية لغة موليير؟

تُلقب اللغة الفرنسية بـ «لغة موليير» (La langue de Molière) تيمناً بجان باتيست بوكلان، المعروف باسمه المستعار موليير (Molière)، وفي ما يلي الأسباب الرئيسية:

1. صقل اللغة وتطويرها

يُعد موليير من أبرز الذين طوعوا اللغة الفرنسية وجعلوها لغةً مرنة تعبر عن كافة طبقات المجتمع. ففي الوقت الذي كانت فيه اللغة الأدبية محصورة في النخب، استطاع موليير دمج لغة الشارع والمجتمع بأسلوب فني رفيع، مما جعل الفرنسية لسانًا نابضًا بالحياة.

2. العالمية والانتشار

حققت مسرحيات موليير مثل «البخيل»، «طرطوف»، و«المريض بالوهم» انتشارًا عالميًا منقطع النظير. وبما أن موليير صار سفيرًا للأدب الفرنسي، ارتبط اسم اللغة باسمه، تمامًا كما تُسمى اللغة الإنجليزية «لغة شكسبير»، واللغة الإسبانية «لغة ثيربانتس».

3. تشريح المجتمع الفرنسي

لم يكتفِ موليير بالكتابة، بل قدم تحليلاً دقيقًا للشخصية الفرنسية وتناقضاتها في عصره. لقد جعل من اللغة أداة للنقد الاجتماعي والسخرية الهادفة، مما ثبت القواعد اللغوية في أذهان الناس من خلال الضحك والمتعة المسرحية.

المرض والرحيل: الوفاة فوق خشبة المسرح

من أعجب ما في موليير تكريسه كل جهده للمسرح وللكوميديا رغم كونه مريضًا، فعندما بدأت فرقته تمثل (مسرحية المريض بالوهم) لم يكتف بأنه كاتب المسرحية، وإنما أصر على أن يمثل أحد أدوارها.

وبعد ساعات قليلة من عرضها الرابع توفي موليير في السابع من شهر فبراير عام 1673م، ومع أن فرنسا كلها عاشت سخرية موليير، ونكاته، وشخصيات مسرحياته، فإن المجتمع والتقاليد قد بخلت عليه بمراسم الدفن المعتادة؛ لأنه ممثل.

لكن زوجته عرضت الأمر على الملك، فأصدر أمره إلى رئيس الأساقفة بالاحتفال بدفنه، فكان ما أراد الملك، وسجل التاريخ -ربما للمرة الأولى- في فرنسا تكريم الممثل والتمثيل.

ختامًا، يظل موليير الرمز الذي لم يكتفِ بتسلية الجمهور، بل أعاد صياغة الوعي الفرنسي. ويعد بقاء أعماله نابضة بالحياة حتى اليوم دليلاً قاطعًا على عبقرية لم تنل منها القرون، بل زادتها بريقًا.

لقد رحل موليير جسدًا، لكنه بقي لسانًا يتحدث به الملايين، ومنهجًا يقتدي به كل من أراد أن يجعل من الفن سلاحًا للإصلاح ومرآة للحقيقة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة