المنطق يقتضي أن المؤلف حين يكتب كتابًا فإن الغاية هي إفهام الناس ما يجهلونه، لكنَّ الواقع أن كثيرين يسعون لتأليف كتاب لا لنفع الناس، بل لإثبات الذات في الساحة المعرفية، وفي سبيل ذلك تجده يعقِّد ألفاظه ويحاول أن يستعرض عضلاته العلمية على القارئ المسكين؛ ولذلك تجده لا يهتم بالقارئ إن أعرض عن كتابه، بل يفتخر إذا هجر الناس كتابه لصعوبته؛ لأن ذلك دليلٌ على أنَّ أفكارَه كبيرة!
اقرأ أيضًا تجديد أحمد خالد توفيق في الأدب الحديث
انتشار ظاهرة إثبات الذات لدى الكتاب
هذه الظاهرة ليست جديدة، وانتشرت بصورة كبيرة بعد القرن السادس، وصارت ديدنًا لكثير من العلماء، فالسبكي مثلًا يذكر في مقدمة كتابه "رفع الحاجب" أن كتابه سيعجز الأقران عن فهمه! وقد أنكر الإمام أبو إسحاق الشاطبي هذا المنهج قائلًا: "وعلى هذا النحو مرَّ السلف الصالح في بث الشريعة للمؤالف والمخالف، ومن نظر في استدلالاتهم على إثبات الأحكام التكليفية؛ عَلِمَ أنهم قصدوا أيسر الطرائق وأقربها إلى عقول الطالبين".
لكن الظاهرة اليوم بدأت تستشري أكثر، وصار معيار المثقف المعتبر هو مدى صعوبة ألفاظه، فكلما صار المرء أكثر تعقيدًا كان أكثر عظمةً في أعين الناس، وأكثر دلالةً على عمق أفكاره! وهذه إشكالية كبيرة ستعانيها المعرفة، فهل ثمة شيء أخطر من أن تُعقِّد المعرفة على طالبيها؟ والعجيب أنَّ الكتابة الميسَّرة صارت عيبًا اليوم، فإذا كتبت بأسلوب ميسَّر ليفهم القراء دون عناء تجد من يعيب عليك هذا الأمر، ويعدُّه دليلًا على ضعفك العلمي، يعني إما أن تعقِّد ألفاظك أو سيُنظر لك على أنك غير عميق!
اقرأ أيضًا"موقع كاتب".. كتابة مقالات حصرية بالذكاء الاصطناعي
رسالة إلى كل مؤلف
وأنا أقول لكل مؤلف: اتق الله في نفسك، فأنتَ وقلمك راحلون من هذه الدنيا، وسيبقى للناس ما كتبتَ فقط، فإن عقَّدتَ ألفاظك ليمدحك الناس، فلن يفيدك مدحهم في قبرك، لن يفيدك سوى دعائهم لك إن كان قلمك معينًا لهم على فهم المعرفة، وستبوء بخسارةٍ وحسرة إن كنتَ أحد أسباب إعراضهم عن المعرفة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.