موسيقى الشعر

موسيقى الشعر وفتنته

منذ ظهر الشعر على هذه الأرض انشغل الشعراء والباحثون بفكرة موسيقى الشعر نفسه، وقد تعددت الآراء فيها تعددا يصعب حصره. أما الشعراء أنفسهم فقد اتفقوا على أن موسيقى الشعر بالنسبة لهم إحساس، وهم يتتبعون إحساسهم في هذه الموسيقى حين ينشئون شعرهم. ولذلك فقد تميز الشعراء بعضهم من بعض في هذا الإحساس، فمنهم من ترتفع لديه درجة الإحساس بموسيقى شعره حتى يوشك أن يكون موسيقيا يعزف على أوتار كلماته حين يقول ما يقول من شعر.

ومن هؤلاء في التراث العربي الأعشى الذي وصف بأنه صناجة العرب، حيث تميز شعره بارتفاع هذا الحس الموسيقي. ومنهم حرص على إبراز هذا الإحساس باستخدام العلاقة بين حروف الكلمات وأصواتها، فجاءوا في ذلك بأبيات تعد علامات في هذا المجال. ومنها بيت امرئ القيس المعروف: 

مكر مفر مقبل مدبر معا .. كجلمود صخر حطه السيل من عل

وهو بيت يعد مثالا على تنوع الموسيقى، فالشطر الأول من البيت تبدو موسيقاه متدافعة، وكلماته متراكبة، بينما يعد الشطر الثاني بطيئا في موسيقاه، وكلماته تتراصف تراصفا هينا. وقد درس الباحثون سبب هذا الاختلاف في الإحساس بموسيقى البيت، وأفضل ما قالوه في ذلك أن الشطر الأول من البيت (وهو من الطويل) اعتمد في كل تفعيلاته الأربعة على استخدام الزحاف، أي استخدام كل الإمكانيات الصوتية التي تسمح حسب قواعد الشعر، بحذف أصوات تؤدي إلى تقصير طول الحركة الصوتية، وبالتالي يتم الإحساس بسرعة الموسيقى في البيت. بينما استخدم الشطر الثاني أصوات التفعيلات كاملة، فأدى هذا إلى الإحساس بطول الحركة، أي بطء الموسيقى في البيت.

وهذا ينقلنا إلى الحديث عن علاقة بحور الشعر بموسيقاه. ونحن لدينا في التراث العربي تعريفان متنافسان في تعريف هذه الموسيقى من باب تعريف الشعر نفسه، الأول هو التعريف الأشهر لقدامة بن جعفر في كتابه الشعر والشعراء؛ التعريف الذي يقول: الشعر كلام موزون مقفى. وهذا معناه أن مصدر موسيقى الشعر نفسه يأتي من اتباع قواعد العروض نفسه في تنظيم العلاقة بين تفعيلات الشعر. وتفعيلات الشعر هي الوحدات الصوتية / الإيقاعية التي تنظم هذه العلاقة.

أما التعريف الثاني، وهو تعريف أقل شهرة، فهو التعريف الذي أورده ابن خلدون في مقدمته: الشعر هو الكلام المبني على الاستعارة والأوصاف على طريقة العرب المخصوصة. ومعنى كلام ابن خلدون أن موسيقى الشعر تنبثق من العلاقة بين التركيب اللغوي للصورة الشعرية والتركيب الصوتي للتراكيب اللغوية نفسها.

وهذا يلفتنا وينقلنا إلى جانب آخر في هذه الموسيقى، أي العلاقة بين اللغة وأصواتها، وقد أشار إلى هذه العلاقة من القدماء ابن جني في كتابه المعروف: الخصائص. وقد تناول في هذا الكتاب العلاقة بين أصوات الكلمة الواحدة وأثر ذلك على معناها، وأورد أمثلة لطيفة، منها مثلا قضم وقصم. وأوضح أن الفرق بين هذه الكلمات يأتي من خلال تغيير حرف واحد، وجعل كل ذلك تحت عنوان: باب تصاقب الحروف لتصاقب المعاني، أي تقاربها.

وقد انتبه الباحثون المعاصرون لهذه العلاقة وأعادوا دراستها في باب العلاقة بين الدلالة والمعاني والتركيب الصوتي للكلمة، ومنهم تمام حسان في كتابه: اللغة العربية معناها ومبناها، ومنهم محمد حماسة عبداللطيف في كتابه: في بناء الجملة العربية.

وأهم ما أورده هذان العالمان الجليلان - رحمة الله عليهما - هما وغيرهما من الباحثين، أن العلاقة بين الكلمات ودلالاتها هي علاقة خلافية، ويقصدون بذلك أن تغيير صوت واحد من الكلمة (الصوت الواحد يساوي حرفا خاليا من الحركات، أي التشكيل وهو ما نسميه الحرف الساكن، أو مضافا إليه واحدا من حركات التشكيل المعروفة: الفتح والضم والكسر). 

لكن أيضا من أهم ما توصل إليه الباحثون في هذه الدراسات المعمقة (وتفاصيلها طويلة وتمتلئ بالمصطلحات التي يصعب إيرادها في مقالة كهذه) أن اللغة نفسها تمتلئ بعشرات الإمكانيات لصناعة الموسيقى. ومنها علاقة التصاقب التي وقف عندها ابن جني وسماها البلاغيون فيما بعد: الجناس والسجع بظواهرهما المختلفة، وأدخلوهما معا إلى جانب ظواهر التكرار في علم البديع.

ومنها أيضا العلاقة الصرفية بين الكلمات، وهي العلاقة التي تجعل كلمتين متجاورتين أو أكثر ترتبطان بعلاقة موسيقية شكلها؛ مصدرها البناء الصرفي للكلمة، كالعلاقة مثلا بين الكلمات: جواب، ضباب، ذهاب، غياب . هذا بالإضافة إلى العلاقة الأساسية بين الكلمات حين ترتبط بتكرار حرف أو حرفين، وقد أشرت قبل قليل إلى بيت امرئ القيس: مكر مفر مقبل مدبر معا، حيث يتكرر صوتا الراء والباء، بالأضافة إلى التكرار الصوتي بين البناء الصرفي في كلمات البيت.

والخلاصة في ذلك، أن موسيقى الكلام تنشأ من مصدرين أساسيين: التكرار، وتنظيم العلاقة بين ظواهر التكرار نفسه، سواء أكان هذا التكرار مبنيا على تكرار حرف واحد أو عدة أحرف، أو كان مبنيا على تكرار البنية الصرفية للكلمة. ومعظمنا يذكر مثالا لهذا التكرار حين درسنا في صغرنا خطبة قس بن ساعدة الجاهلي التي يقول في صدارتها: أيها الناس: اسمعوا وعوا، ما فات مات، وكل ما هو آت إت.

أما الشعر العربي، فقد استغل هذه الخاصية الفريدة للتكرار، ونظمها من خلال التفعيلات التي تنبني عليها بحور الشعر العربي، فالتفعيلات في حقيقة الأمر هي وحدات صوتية، تتكرر بنظام معين، وكل بحر له نظام خاص به في تفعيلاته وفي تنظيم العلاقة بينها. لكن الحديث عن التفعيلات حديث طويل، وأتمنى أن أعود إليه في حديث قادم.

أما هنا، فسأكتفي بالإشارة إلى المبدأ الأساسي الذي تعتمد عليه موسيقى الشعر، أي التكرار. أما صور التكرار نفسها فهي تكاد لا تحصى، بتعدد إمكانيات اللغة نفسها. وهذا التعدد هو الذي نشأ عنه أنواع لا تنتهي من الشعر، في القديم وفي الحديث، ولذلك فنحن بحاجة إلى وقفة أخرى أمام أنواع الشعر وعلاقتها بموسيقاه، وهذا ما سوف نقف أمامه في مناسبة أخرى إن شاء الله تعالى.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.