موت بقيد الحياة


لا نزال نبذلُ أنفسَنا في أثَرِ ما رغبنا ولم نَنَلْ، وما أنِفنَاها حربًا، ولا زهدناها حُلُمًا –وإن كنا في أحلامنا لمن الزاهدين– ولكنك تُذابُ في الأشغال، ويُلهيكَ المِطال، وتَمَلَّكُكَ الدُنَى كما تُحْتَنَكُ بالعُقُلِ الجِمالُ؛ فتألو السعيَ ولا تَجِدُّ، فلا تَجِدُ مما تلقَّفَهُ خيالُك طَيفًا ولا لَمَحاتٍ قِصارًا، ولا تنفق على علَّةِ ابتداعِكَ من العُدْمِ مثلما تنفق على سبيلك إليه من جهد ووقت وأمل، حتى تسلو أنما جِيء بك في جَليل، ويأخذك الأملُ الطويلُ والأمانيُّ إلى التسويف والتأجيل، ثم السلوانِ، وضعف الإيمانِ، ثم التزيين وتَعَلُّقِ الحياة؛ حتى إذا عُلِّقتَها فكأنك وحشٌ في فلاة، لا أنت راضٍ بسرابٍ تلقاه، ولا أنت لاقٍ غير ما لا ترضاه. 

ولكنها –صاحِ– ملحَمةٌ بلا هُدَن، ونحن فيها لا نملك خيارًا بأن نستكينَ ولا أن نَدَع، وإنَّ أحدَنا إنْ هو أحسنَ مرةً فلقد أساء عشراتِ المِرار، ولَأنَّ نموت على الطريق الوعِرَةِ متعثرينَ –فيكفينا شرفًا أنَّا لم نَنِ محاولةً ولم نَضِنَّ بجهدٍ أو نُسْلِمْ إلى بُطْلٍ أو أَيَس– خيرٌ لنا من أن نعيش بلا حياة، ونَسلكَ الصراط بقلوب تنبض بالموت، وأرواحٍ تلفظ زفراتُها زَنَخَ القنوط، وعقلٍ عشَّشَهُ عَفَنُ العطالةِ، ورجرجته زلازلُ الصراعاتِ، حتى هَرَّ فَاندَمَل، وساحت فيه براكينُ الخيبةِ، وفروغِ الحِيَل. 

ألا إن امْرَأً يحيا على مبدءٍ يُخَلِّدُ فيه الجَلَدَ خلودَ زوالِهِ المحتوم، ويُبقي في صدره نَظرَةَ قدَرِهِ المعلوم: لهو خيرٌ من سِكِّيرٍ بالأوهام، ومُغترٍّ بالإنعام، سرعان ما ترهقه الأحمالُ وتُتعِبُهُ الأيام؛ فلا يكابد، ولا يختار، ولا يملك من أمره القرار، ولا رفاهيةَ أن ينهار، فيقنطَ وليس الموت بيمينه فيُدنيهِ، أو يزِلَّ؛ فيُذلَّ قلبَه الران، وهو عن شمالِهِ مُصاقِبٌ دَانٍ -ألا فخاب عبدٌ أقنطه الشقيُّ من الرحمة! ثم ألا.. خسر عبدٌ استعبدته الهواية بدعوى الخلاص من العبودية! فإنَّ عبدَ الغايةِ سعيد، وإنْ عبدُ الغوايةِ لمُعْدَمٌ بكل ما يؤتاهُ؛ عُدْمَ الوليد بما يؤتى على ضعف، ويُرزَقُ على فقر، ويُكفى على حاجة، ولوما يد الله– على العصيان– ترعاه، لما كان إلا ما ألقى إليه بنفسه لِيصلاه، ولَسوف–إن ظلَّ– يصلاه.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Jan 28, 2022 - صفاء ديب
Jan 28, 2022 - الواثقه بالله
Jan 28, 2022 - ريتاج جمال الجبور
Jan 27, 2022 - رنيم سرحان
Jan 27, 2022 - نهله فارس
Jan 26, 2022 - آية حسام مراد
نبذة عن الكاتب