ذهبت إلى القبور أزور الموتى وأترحم عليهم، فوجدت قبرًا مكتوبًا عليه: الحرية، فتخيلتها شاخصة أمامي جثة تتكلم، تحدثت معها حديثًا طويلًا لكشف أسرار الموت وبيان أغوار الدفن..
فقلت لها: هل ماتت الحرية؟!
قالت: نعم.
قلت: وهل تموت الحرية؟!
فقالت: ولمَ لا؟
قلت لها منكرًا متعجبًا: كيف تموتين؟ كيف تكون الحرية محبوسة مغلولة مقيدة؟! فإذا ماتت الحرية فكل الناس عبيد.
فأجابت: تعبت من التجوال والانتقال وفعل كل ما في البال.
اقرأ أيضا أجمل ما قيل من عبارات عن الحرية
قلت: وهل متِّ فجأة أم مرضتِ؟!
قالت: ظللت أتحمل أهواء الأحرار وجرائم الفجار واعتداءات البشر، فلما رأيت المذابح والإبادة في العباد والحروب في البلاد مت كمدًا ولسان حالي يقول: أهذه الحرية التي يتمتع بها الإنسان؟! ليته كان كسائر المخلوقات على الفطرة؛ فلما أتلف الكون وبقي على حاله نظيفًا طاهرًا، ولما ظهر الفساد في البر والبحر.
فسألتها عن حالها فإذا هي تشتكي. فقلت: ممن تشتكين؟
قالت: من ابن آدم، يا له من جاحد، أكل رزق الله ومنع شكره، يفعل الأفاعيل ثم يتعلل بقوله أنا حر، يلوثون الحرية بأقوالهم ويدنسونها بأفعالهم، وأنا بريئة من أقوالهم الكاذبة وأفعالهم الطائشة، يظلمون الحرية ويبخسونها حقها، ويدعون عليها ويقذفونها وينتهكون عرضها ويطعنون في شرفها.
اقرأ أيضًا خاطرة "مفهوم الحرية".. خواطر اجتماعية
وهل الحرية إلا هواء نقي يُستنشق؟! وهل الحرية إلا ماء عذب فرات سائغ يُشرب؟! فهل يملك أحد أن يلوث الهواء النقي؟! وهل يقدر أحد على تكدير الماء الزكي الصفي، ثم يزعم أن الهواء والماء ملوثان أصلًا؟
فهذه المخلوقات من نعم الله من ماء وهواء وأرض وجبال وبحار وأنهار خُلقت على الفطرة، وإن كان الإنسان نكس هذه الفطرة بارتكابه الجرائم برًّا وبحرًا وجوًّا، فإذا تلوث بعض الهواء فليس كل الهواء ملوثًا، وإذا تكدر بعض الماء فليس كل الماء عكرًا، وليس العيب في الهواء ولا الماء، وإنما العيب فيمن لوثهما وأساء استخدامهما، والعيب ليس في الحرية وإنما العيب فيمن تجاوز في حقها ومن أساء استخدامها.
نعم ماتت الحرية حين سُفكت الدماء، وانتُهكت الأعراض، واستحلت الحرمات، واعتدى الأخ على أخيه، والابن على أبيه، وسادت المادية وانتشرت وتفشت، وانزوت الروحانية وتقلصت وتلاشت.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.