مهرجان ليفربول للفنون والثقافة العربية هو أقدم وأبرز مهرجان سنوي يُخصص للثقافة والفنون العربية في المملكة المتحدة. وقد انطلقت دورته الرابعة والعشرون في مدينة ليفربول بين 17 و26 يوليو 2026 تحت شعار «البيت/الوطن» من أجل استكشاف معاني الانتماء والاغتراب والذاكرة. وشملت أبرز فعالياته في هذه النسخة أمسية يمنية افتتاحية وعرضًا للفنون والثقافة السودانية، بجانب عروض مسرحية وسينمائية مختلفة.
وفي هذا المقال نلقي الضوء على مهرجان ليفربول للفنون العربية 2026، وأبرز فعالياته، وكيف ترجمت فعاليات المهرجان شعار هذا العام: البيت/الوطن، وكيف نجح مهرجان ليفربول في تحقيق توازن جغرافي بين المشرق والمغرب العربي.
ما أبرز المحطات التي مر بها مهرجان ليفربول للفنون العربية؟
مرّ مهرجان ليفربول للفنون والثقافة العربية بمحطات تاريخية مفصلية نقلته من كونه مبادرة محلية صغيرة إلى أن أصبح أكبر وأقدم منصة سنوية للفنون العربية في المملكة المتحدة. فمن أبرز هذه المحطات ما يلي:
- التأسيس والجذور: تأسس المهرجان في نواته الأولى عام 1998 وانطلق كمشروع تعاوني بين المركز العربي في ليفربول ومركز الفنون المعاصرة لتوفير منصة لعرض الممارسات الثقافية والفنية للجالية العربية في مدينة ليفربول.
- الدورة الأولى: بعد سنوات من التحضير، انطلقت الدورة الأولى رسميًا عام 2002، ومنذ ذلك العام استمر المهرجان في الانعقاد بشكل دوري كل صيف ليصبح موعدًا ثابتًا على الأجندة الثقافية والفنية البريطانية.
- التوسع المؤسسي: في عام 2008 شهد المهرجان دخول شركات كبرى لتتوسع المظلة وتشمل مسرح الوحدة ومؤسسة الفن والتكنولوجيا الإبداعية، وهي الفترة التي تزامنت مع اختيار ليفربول عاصمة للثقافة الأوروبية.
- الاعتراف والجوائز: في عام 2010 حصل المهرجان على جائزة الثقافة والمجتمع من المركز العربي البريطاني تقديرًا لمساهمته في تعزيز الفهم العام وتذوق الثقافة والحياة العربية.
- التحول الرقمي: في عام 2021 واجه المهرجان تحديًا كبيرًا مع انتشار جائحة كورونا، وهو ما أدى إلى الاستعانة بالبرامج والندوات الرقمية عبر الإنترنت للوصول إلى الجمهور العالمي داخل العالم العربي وخارجه لأول مرة.
- الدورة الـ24: في هذا العام وصل المهرجان إلى دورته الـ24 تحت شعار البيت ليؤكد تحوله من احتفالية عابرة إلى منظمة خيرية رسمية مسجلة مدعومة بشكل مستدام من المجلس الإنجليزي للفنون والمجلس المحلي لمدينة ليفربول.
ما أبرز فعاليات مهرجان ليفربول للفنون العربية 2026؟
- الأمسية اليمنية الافتتاحية: مع افتتاح المهرجان في قاعة الحفلات في (سانت جورج هول)، كان هناك حفل قدمته فرقة (الأوحدل) بقيادة الفنان ياسر الأوحدل.
- الفنون والثقافة السودانية: فعالية أخرى احتفظت بالمأكولات التقليدية والتاريخ الشفوي والروابط الأدبية التي تحفظ التراث السوداني.
- العروض المسرحية: تضمنت الفعاليات قراءة مسرحية لعمل «40 يومًا و40 ليلة» وعرضًا للفيلم الوثائقي «أبي والقذافي» الذي يروي قصة رحلة بحث ابنه عن والده المعارض السياسي في ليبيا.
- كتاب دمشق: تلك الفعالية الرائعة التي أقيمت بالتعاون مع دار (كوما بريس) واحتفت بالسرديات والحكايات الإنسانية من العاصمة السورية.
- يوم العائلة: تم اختتام الفعاليات في (بالم هاوس) بحديقة (سيفتون بارك) من خلال يوم مجاني للجمهور ضم عروضًا متنوعة وورش عمل للأطفال وفنون أداء وخط عربي.

كيف ترجمت فعاليات مهرجان ليفربول شعار هذا العام (Home/البيت)؟
ترجمت فعاليات المهرجان شعار (البيت) عبر زوايا متعددة، محولة المفهوم من مجرد جدران فيزيائية إلى مساحة شعورية تبحث في الذاكرة المشتركة، والاقتراب، والانتماء، والهوية، وهو ما يمكن توضيحه كالتالي:
- البيت كملاذ ومفهوم للهوية: قدم المهرجان العديد من المعارض البارزة التي ركزت على الصور الفوتوغرافية المعاصرة لفنانين بريطانيين من أصول عربية عانوا من النزوح، والذين عكسوا من خلال عدساتهم كيف يُعاد تعريف مفهوم البيت والعروبة في بلاد المهجر.
- البحث عن البيت المفقود: عدة أفلام تناولت هذا المعنى، ومنها فيلم «أبي والقذافي» الذي قدم الشعار من منظور سياسي وإنساني قاسٍ، وركز على رحلة الابنة وهي تبحث عن تفاصيل اختفاء والدها المعارض في وطن غامض وموحش بسبب غياب الأحباء بفعل الديكتاتورية.
- الجغرافية المتشابكة: من خلال مسرحية «40 يومًا و40 ليلة» ناقشت القراءة المسرحية فكرة البيت المتنقل عبر قصة حقيقية لعائلة يمنية تركت منزلها في بلدة إنجليزية لتعود إلى صنعاء، ليطرح العمل تساؤلًا عميقًا حول البيت: هل هو المكان الذي نعيش فيه أم المكان الذي تنتمي إليه جذورنا؟
- الروائح والمذاقات كبيت بديل: أما فعالية الثقافة والطهي السوداني، فقد تناولت البيت من منظور آخر، حيث أوضحت أنه يمكن استحضاره عبر الحواس من خلال الاحتفاء بالمأكولات السودانية التقليدية والحفاظ على الوصفات المتوارثة لصون الوطن داخل الغربة وحمايته من التلاشي.
- المدن المتألّمة وصمود الجدران: منظور آخر تم طرحه من خلال أمسية كتاب دمشق، وهي فعالية ناقشت كيف صمدت العاصمة السورية أمام التحوّلات العنيفة، وترجمت القراءات مفهوم البيت المشروخ الذي يحمله المتعبون في حقائب شتاتهم، بينما تظل أرواحهم معلّقة في الوطن.
كيف نجح مهرجان ليفربول في تحقيق التوازن بين المشرق والمغرب العربي؟
نجح المهرجان فعلًا في تحقيق توازن جغرافي بين المشرق والمغرب العربي من خلال تبني استراتيجيات فنية ومؤسسية واعية على مدار دوراته، خاصة في نسخة 2026، وهو ما يمكن تفصيله في النقاط التالية:
- الإدارة والتقييم الفني المتنوع: يعتمد المهرجان على منتجين ومقيمين فنيين يمتلكون دراية واسعة بالامتداد الجغرافي العربي، وهو ما يضمن للمهرجان صياغة برامج لا تنحصر في مناحٍ ثقافية تقليدية، وإنما تمتد لتشمل جميع الدول العربية.
- التوزيع الجغرافي للفعاليات: هناك أيضًا تناوب في توزيع منصات العرض وانفتاح بين مبدعين من المشرق والمغرب والمناطق الانتقالية، فقد تم تخصيص ليلة الافتتاح للبلدة اليمنية بجانب ندوة كتاب دمشق، ثم جاء الفيلم الوثائقي الليبي ليمثل سينما شمال إفريقيا والمغرب العربي.
- كسر النمطية: من خلال المعارض الجماعية التي شارك فيها فنانون بريطانيون من مختلف الأصول العربية سواء من المشرق أو المغرب، تم تقديم رؤية بصرية موحدة حول مفهوم العروبة، وقدم المهرجان الفنون التي تمثل جسرًا يربط المشرق والمغرب والعمق الإفريقي.
- دعم لغة الشتات المشتركة: كان هناك أيضًا تركيز على فنانين من الجيل الثاني والثالث للعرب في بريطانيا، وهم الفنانون الذين يتجاوزون بطبيعتهم الحدود الإقليمية الضيقة سواء في المشرق أو المغرب، وينتجون فنًا يعبر عن هوية عربية جامعة.

كيف يتفاعل المجتمع المحلي في ليفربول مع المهرجان؟
كان تفاعل الجمهور المحلي مع المهرجان حيويًا ومستمرًا، ومدفوعًا بالتاريخ الفريد للمدينة التي تحتضن أقدم وأعرق الجاليات العربية في المملكة المتحدة، وهو ما ظهر في المحاور التالية:
- انخراط الجالية العربية: شاركت العائلات العربية المحلية في صياغة المحتوى الثقافي للمهرجان، وساهمت الأمهات والشباب في تقديم المأكولات التقليدية والمشغولات اليدوية، بالإضافة إلى رواية القصص المتوارثة في الفعاليات المفتوحة.
- الحضور الجماهيري الضخم: العديد من الفعاليات شهدت حضورًا ضخمًا، خاصة يوم العائلة الذي أقيم في مكان مفتوح يرتاده سكان المدينة، وبما أنه يوم مجاني فقد استقطب آلاف الزوار من البريطانيين غير العرب.
- الشراكات مع المؤسسات: من ناحية أخرى، فإن المهرجان لا ينغلق على نفسه، وإنما يتغلغل في بنية المدينة الثقافية من خلال شراكات مع مؤسسات ثقافية وتعليمية كبيرة في المدينة، وهو ما يتيح لجمهور ليفربول المحب للفنون ارتياد الفعاليات كجزء من الأجندة الثقافية الصيفية.
- التفاعل مع ورش العمل: الجميل في المهرجان أنه ينظم ورش عمل فنية مخصصة للأطفال من مختلف الخلفيات في ليفربول حيث يتعلم الأطفال المحليون صناعة الحرف اليدوية العربية، وهو ما يساهم في تعزيز التماسك الاجتماعي ومحاربة العنصرية منذ الصغر.
- الدور الاقتصادي والسياحي: هناك أيضًا دور كبير للمهرجان كمحرك اقتصادي وسياحي محلي في مدينة ليفربول، حيث يجذب زوارًا من المدن البريطانية المجاورة المهتمين بالثقافة العربية، وهو ما يؤدي إلى انتعاش الأعمال وتفاعل أصحاب المتاجر والمطاعم المحلية في ليفربول بشكل إيجابي.
متى تأسس مهرجان ليفربول للفنون العربية؟
تأسس في نواته الأولى عام 1998 كمبادرة ثقافية، بينما انطلقت دورته الرسمية الأولى عام 2002 واستمر انعقاده سنويًا منذ ذلك الحين.
أين تقام فعاليات مهرجان ليفربول للفنون العربية؟
تقام الفعاليات في مواقع ومؤسسات ثقافية متعددة داخل مدينة ليفربول، مثل قاعة سانت جورج، ومسرح البلو كوت، ومسرح الوحدة، وحديقة بالم هاوس في سيفتون بارك، ومعارض الفنون بالمدينة.
هل دخول فعاليات مهرجان ليفربول مجاني؟
يجمع المهرجان بين الفعاليات المجانية المفتوحة للجمهور مثل «يوم العائلة» والمعارض الفنية، والفعاليات المدفوعة ذات التذاكر المحدودة كالعروض المسرحية والحفلات الموسيقية الخاصة.
ما الدور الاقتصادي والسياحي لمهرجان ليفربول للفنون العربية؟
ينشط المهرجان الحركة السياحية في ليفربول بجذب الزوار والمشترين المهتمين بالفنون من مختلف المدن البريطانية، مما يحفز قطاعات الضيافة والفنادق والمتاجر والمطاعم المحلية.
كيف يساهم مهرجان ليفربول في محاربة العنصرية وتعزيز التماسك الاجتماعي؟
يساهم عبر تقديم ورش عمل تفاعلية للأطفال والشباب، وعرض الهوية الثقافية العربية في أماكن عامة مفتوحة، مما يكسر الصورة النمطية ويبني جسور الفهم والتسامح بين مختلف مكونات المجتمع.
ما هي الجهات الداعمة لمهرجان ليفربول للفنون العربية؟
يحظى بدعم رسمي ومستدام من مجلس الفنون الإنجليزي (Arts Council England)، والمجلس المحلي لمدينة ليفربول (Culture Liverpool)، بجانب شراكات متعددة مع المؤسسات الثقافية والجمعيات المحلية بالمدينة.
في الختام، يثبت مهرجان ليفربول للفنون العربية عامًا بعد عام أنه ليس مجرد احتفالية ثقافية عابرة، بل هو جسر إنساني عابر للحدود يعيد نسج روابط الانتماء وينقل صوت الإنسان العربي بعمق وإبداع إلى العالم. لقد استطاع شعار «البيت/الوطن» هذا العام أن يحول خشبات المسارح ومعارض الصور إلى ملاذات دافئة تجمع بين حنين الشتات وصمود الذاكرة.
شاركونا رأيكم: لو أتيحت لك الفرصة لزيارة مهرجان ليفربول للفنون العربية، ما الفعالية الثقافية أو الفنية التي تستهويك لمتابعتها أولًا؟ شاركونا انطباعاتكم وآراءكم في التعليقات، ولا تنسوا مشاركة المقال لتعم الفائدة الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.