مهرجان باب الكومة.. ذكريات العيد في المدينة المنورة

في ليلة العيد.. ينام الأطفال وهم في غاية من الفرح والسرور، كيف لا، وقد جُهزت ثيابهم السليطي المصبوغة بالأصباغ المختلفة حتى تعطيها أناقة وجمالًا. فألوانها الزاهية تعطيها شيئًا من التميز والانبهار.

ينهضون عند أول نداء، يرتدون ملابسهم الجديدة، ويذهبون مع والدهم وإخوانهم إلى المسجد النبوي الشريف لأداء صلاة الفجر، وبعده يؤدون صلاة العيد في بهجة وسرور.

يستقبلون الأهل والأرحام والأقرباء والجيران، وقد امتلأت نفوسهم بِشرًا وسرورًا، وهم يستقبلون منهم العيدية عبارة عن قرش واحد أو اثنين أو أكثر، ثم تطورت فأصبحت ربع ريال أو نصف ريال، وكان ذلك من الفضة، والريال في ذلك الوقت يساوي اثنين وعشرين قرشًا. وهذا مبلغ كبير وقتئذٍ.

مهرجان باب الكومة قلب الاحتفال

يخرج الأطفال ويتجهون إلى (باب الكومة)، موقع المهرجان الكبير (خلف مكتبة الملك عبدالعزيز الآن)، وهم في غاية البهجة والأناقة بلباسهم المتميز، وغترتهم (الشال) المنثور عليها شيء من الأوراق النباتية على هيئة الفل والياسمين، ومطرزة بالحرير، ومن فوقها عقال (قصب) زاهي الألوان، وذلك النعل الذي خُرز بالقصب الملون، وكل واحد حسب قدرة أهله، وإنما يجمعهم ذلك المهرجان في ذلك المكان الذي يمتد نزولًا من باب الكومة حتى حوش كرباش بالقرب من زقاق الطيار.

يمضون في لعبهم ومرحهم البريء من الصباح حتى قبيل صلاة الظهر، ومن بعد صلاة العصر حتى قبيل صلاة المغرب، حسب توجيهات الأهل لهم، بحيث يدخلون بيوتهم قبل حلول الظلام؛ فالشوارع والحارات والأحواش والأزقة لم تكن مضاءة بالكهرباء، لعدم وجودها، ولكنها كانت مضاءة بالفوانيس، وبعضها بالأتاريك التي توفرها البلدية.

يخرج الأطفال ويتجهون إلى (باب الكومة) موقع المهرجان الكبير وهم  في غاية البهجة والأناقة بلباسهم المتميز

والشوارع والطرقات لم تكن مزفتة ولكنها عبارة عن طرقات ترابية، وبعضها مفروشة بالرمل الخشن في الشوارع الرئيسة.

وقد تعهد أصحاب هذا المهرجان على أنفسهم بـأن همهم إدخال السرور والبهجة على الأطفال، بجانب الربح الذي يجمعونه، فهو يُعد موسمًا كبيرًا للأطفال، ومركزه: باب الكومة.

ففي المهرجان يشدك منظر البسطات الصغيرة المؤقتة التي تمتد من باب الكومة حتى زقاق الطيار، وقد تنوعت فيها العروض مثل العصائر، والآيس كريم، وألعاب الأطفال المختلفة التي يعشقها الصغار، كالسيارات، والطائرات، والبالونات، وغيرها مما يتهافت على شرائها جميع الأطفال، وهم فرحون بحيث يعودون إلى بيوتهم وقد امتلأت نفوسهم بهجة وسعادة، وانقلبت بيوتهم حركة وضجيجًا جراء أصوات تلك الألعاب المسلية لهم، والتي تسبب الإزعاج لأهاليهم.

مرجيحة المهرجان وجمال الحمير المزينة

في المهرجان تلك المرجيحة الكبيرة المثبتة على الأرض بإحكام، يتدلى من أعلاها حبلان بينهما خشبة للجلوس أو الوقوف عليها، يصعد عليها المتأرجح ويمسك الحبال، ويهز أمامًا وخلفًا، وسط تشجيع المتفرجين، لدرجة أن بعضهم يحبس أنفاسه وبعضهم يركز نظره، وتلتهب حناجر البعض الآخر من الصياح، وتحمرُّ الأكف من التصفيق لمن يقدم عرضًا جميلًا.

وفي المهرجان يشدك منظر تلك الحمير (الرائعة) التي اعتنى بها أصحابها استعدادًا لهذه الأيام البهيجة، بحيث يثير منظرها إعجاب الجميع، فقد تغيرت ملامحها، وكستها الحناء لونا جميلًا، وتلك العصابة المزركشة التي لُفت على رؤوسها، وذلك الخرز الملون الذي نُظم على جبينها، وتلك الأجراس التي تتدلى من رقبتها، والتي تحدث شنًا ورنًا عند مشيتها، وحتى حوافرها قد كُسيت (بحدوة) صنعها لها حداد ماهر، تحدث لمشيتها صوتًا متناغمًا مع تلك الأجراس.

صورة تظهر المراجيح وملاهي العيد قديمًا  في المدينة المنورة وتزاحم الأطفال للاحتفال واللعب

أما بردعتها فقد زينت بمفرش جميل وأنيق يلفت الأنظار، ناهيك عن منظر الحناء المحناة به ما بين فخذيها ورجليها، ما أضفى على الحمير أناقة وجمالًا.

وهذا الحمار الأنيق أُجرته من باب الكومة إلى باب العوالي أربعة قروش أو أكثر بقليل، ذهابًا وإيابًا، أما الحمير التي تقل عنه أناقة فأجرتها أقل من ذلك.

عربات النقل وسيارات اللوندي وسائل الترفيه المتنوعة

وفي المهرجان عربات النقل المصندقة التي يجرها حصان أو بغل أو حمار، وهي عبارة عن عربة بها صندوق يغطيها، وفيها مقعدان كبيران متقابلان، تتسع لعشرة ركاب أو أكثر، حسب شطارة صاحبها، ومثل هذه العربة تكون مخصصة ومعدة للفتيات الصغيرات بما يتناسب مع الحشمة والوقار.

إن منظر العربة يشدك، فقد اعتنى بها صاحبها، وزين البهيمة بما يليق بها، ووضع على الصندوق الستائر الزاهية التي تتدلى منها الدناديش، وأجرة هذه العربة قرشان للفرد ذهابًا وإيابًا من باب الكومة إلى باب العوالي والعودة، يركب فيها الفتيات وهن في غاية الفرح والسرور، ويعبرن عن سرورهن بالأناشيد الجميلة في الذهاب والعودة مثل:

خلي العجلة تمشي بالعشرة... 

هيا نروح ونرجع بالعجلة...

وتنطلق أيضًا من باب الكومة إلى باب العوالي والعودة منه، وينشد ركابها الأناشيد المختلفة ومنها:

باب العوالي بقرشين *** رحنا وجينا سالمين

شربة من زمزم وسقاني *** شربة من زمزم ورواني

ويبدو أن السر في الانطلاق من باب الكومة إلى باب العوالي وتحديد اتجاه هذا السير للحمير وعربات النقل والفرش هو أن هذه الجهات عامرة بالمارة؛ فهم يخترقون شارع المناخة، ثم مرورًا بالخالدية، واللاسلكي، والطاحونة، ودرب الجنايز، وهذه جهات عامرة بالحركة حتى باب العوالي، حيث يتوافر فيها الأمن والأمان بمشاهدة هذه العروض الجميلة.

وفي المهرجان أخذت الشهرة سيارة (اللوندي) وهي عبارة عن (لوري) مسقوف وبداخله مقاعد خشبية على الجانبين، وفي الوسط باتجاهين موديلها (1946م) فورد، وتقف أمام حوش كرباش، وتحمل الركاب من الأطفال والشباب وحتى الكبار، ومسيرها من باب الكومة إلى باب العوالي والأجرة قرشان، لأن حمولتها تفوق المائة، وسائقها هو العم شحات لوندي، صاحب الأخلاق الفاضلة، والنفس السمحة القانعة، والحلم والأناة، وبساطة المعاملة، وجميع الأطفال يركبون هذه السيارة العجيبة مع سائقهم المحبب إلى نفوسهم.

عربات النقل المصندقة التي يجرها حصان أو بغل أو حمار وهي عربة بها صندوق يغطيها وفيها مقعدان كبيران متقابلان

وفي المهرجان عناية خاصة بالشباب والكبار الذين يرغبون في التسلية البريئة، فقد خصصت السيارات ذات الموديلات (1942-1944-1946-1948م) من ماركة فورد، وعنتر ناش، وشفروليه، وأبو رفزة، وغيرها، والتي كانت تقف مقابل باب الكومة من جهة سوق البرسيم والحماطة، ويعلن عن رحلاتها أصحاب السيارات أو بواسطة معاونيهم ويحددون سير كل سيارة إلى جهة، مثل سيد الشهداء، عروة، قباء، وتجد رغبة كبيرة من قبل الشباب، وأُجرتها تختلف من ربع ريال إلى نصف ريال ذهابًا وإيابًا، وقد يمكثون في تلك المتنزهات مدة من الزمن. ثم فُتح خط جديد لسير هذه السيارات وهو بئر عثمان (بئر رومة) حيث محطة الأبحاث الزراعية، وفيها كثير من الحيوانات والدواجن.

والشباب ينشدون هذه الأناشيد وهم فرحون:

يا لي يا لا لا يالي يا لا لا *** يا لي يا لا لا يا لي يا لا لا 

يا رب تنصر تنصر ملكنا *** يا رب تنصر تنصر ملكنا

تنصر ولي عهده تنصر وطننا *** تنصر ولي عهده تنصر وطننا

وبعض الشباب ينشدون هذه أيضًا:

الله يجازيك يا سواق *** غربتني عن بلادي 

وأنا بلادي بعيدة *** ممشى سنة وأربعة أشهر 

بين المناخة وحوش منصور *** جنب التاجوري وحوش محمود

وبعض الشباب ينشدون هذه الأناشيد أيضًا:

والليل يا سنبلا 

يا سنبلا يا سبولو

والليل يا سنبلا

هذه بلادي سعيدة

والليل يا سنبلا

وغيرها من الأناشيد وسط الإيقاع الذي يشبه إيقاع (المزمار) على كبوت السيارة أو على برميل أو دف، مع التصفيق الجماعي والصوت الطروب.

وعند الغروب يغادرون المهرجان، هذا العالم الغريب الذي امتزج فيه الحب والألفة والمشاعر الجياشة التي كونت تلك النفوس السعيدة التي نعمت بالترويح البرئ.

يواصلون أيام العيد السعيد على هذا المنوال، كل ما يحصلون عليه من عيدية ينفقونه على مرحهم وأنسهم، حتى إذا ما انقضت أيام العيد الأربعة علق في نفوسهم شيء من الأسى والحزن والشجن، لسرعة انقضاء هذه الفرحة وتلك المتعة التي لا يجود الزمان بمثلها على اختلاف الأيام والليالي، عدا مرة في كل عام في عيد الفطر المبارك.

أما في عيد الأضحى المبارك فتقل هذه الاحتفالات، لانشغال الناس بالذبح والسلخ والطهي والشوي، فهو عيد البطون.

في النهاية، تقدم لنا هذه الذكريات لوحة حية لعيدٍ كانت بهجته تكمن في بساطته، وفي التفاصيل الصغيرة التي تصنع فرحًا كبيرًا. إن مهرجان (باب الكومة) لم يكن مكان للتسلية، بل كان فضاءً اجتماعيًا ينبض بالحياة، ويظهر روح التكافل والمودة التي سادت بين أهل المدينة المنورة. وعلى الرغم من أن هذه المظاهر قد اندثرت مع الزمن، فإن الحفاظ على قصصها وروايتها يمثل حفاظًا على جزء ثمين من التراث الثقافي، وتذكيرًا بأن الفرح الحقيقي لا يحتاج إلى الكثير من الإمكانيات، بل إلى قلوب عامرة بالرضا والمحبة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.