إن روح المسرح تكمن في قدرته على كسر المألوف وتحدي السائد، وهذا هو جوهر التجريب الفني، وفي قلب المسرح العربي الحديث، يمثل التجريب المسرحي العربي سعيًا دؤوبًا نحو هوية متجددة. وفي هذا السياق، يبرز مهرجانان كبيران كقلبين نابضين لهذه الحركة: مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، والمهرجان الوطني لمسرح التجريب بمدنين في تونس. هذه مقارنة بينهما، ودورهما المحوري في دفع وتطوير المسرح العربي.
ستكون مدينة مدنين «جنوب شرق تونس» في نهاية هذا الشهر على موعد جديد مع الدورة 28 «للمهرجان الوطني لمسرح التجريب» وهو ثاني أقدم مهرجان مسرحي عربي مختص في التجريب بعد «مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي». وهي مناسبة لتسليط الضوء على معنى التجريب في المسرح وللمقارنة بين هذين المهرجانين وإبراز دورهما في دفع الحركة المسرحية العربية وتطويرها.
تعريف المسرح التجريبي وماذا يعني في العالم العربي؟
التجريب في أعم معانيه هو التجديد الدائم والحفر العميق والسعي إلى الابتكار في محاولة لتجاوز السائد والبحث عن أنماط ومضامين غير تقليدية. ولا يبدو الأمر جديدًا في تاريخ المسرح العالمي؛ فقد كسر المسرح الأوروبي التقاليد المسرحية الصارمة وحول التجريب إلى بحث عن حداثته وما بعد حداثته بصورة مبكرة عبر تنصله من سلطة القواعد الأرسطية التي كانت تفرض وحدة الزمان والمكان والحدث، وسلطة المسرح الكلاسيكي مع رواد من أمثال الألماني «برتولد بريخت (Bertolt Brecht)» أو الفرنسي «أنطونان آرتو (Antonin Artaud)» أو الروماني الفرنسي «يوجين يونسكو (Eugène Ionesco)» أو الإيرلندي «صموئيل بيكيت (Samuel Beckett)».

لكن موضوع التجريب في المسرح العربي ظل محل تجاذبات كثيرة ورؤى نقدية متباينة، إذ يرى بعضنا أن المسرح بحكم أنه من الفنون الدخيلة علينا ظل «تجريبيًا» بالضرورة لأن الهاجس الذي يوجه وعينا على الدوام هو محاولة تأصيل هذا الفن الوافد في تربة عربية، ويرى هؤلاء أن حتى ما يسمى «تجريبًا» عندنا هو امتداد أو استعادة لتجارب غربية سبقتنا إلى التجريب نفسه، وفي ذلك يقول الناقد المغربي سعيد الناجي عند تناوله لأسئلة التجريب في المسرح العربي «إن المسرحيين العرب حاولوا البحث عن خصوصية وهوية المسرح العربي من خلال تجريب تأسيسي يراهن على تأصيل وتجذير الفرجة المسرحية في التربة الثقافية العربية».
وهذا يوضح الفرق بين مسرح التجريب والتأصيل، فالأول يسعى لكسر الأشكال القائمة، في حين الثاني يسعى لخلق شكل ذي هوية محلية، وكثيرًا ما يتداخلان في الممارسة العربية. وعمومًا فقد اقترن مفهوم التجريب في المسرح العربي باستكشاف جماليات جديدة في النص والممثل والسينوغرافيا الديكور والإضاءة والموسيقى والفضاء واللغة والعلاقة مع الجمهور، حتى أصبحت لدينا تجارب مسرحية ومدارس متنوعة مشرقًا ومغربًا، تستند إلى مرجعيات جمالية متباينة ورائدة يجمع بينها هاجس التجديد والتأصيل المسرحي في آن واحد.
لماذا يعد التجريب ضروريًا للمسرح؟
يعد التجريب ضروريًّا لأنه يمنع المسرح من التجمد والتحول إلى نمط فني متحفي، إنه البحث والتطوير في عالم المسرح، حيث يتم استكشاف لغات وأنماط تعبيرية جديدة تتوافق مع أسئلة العصر المتغيرة، ما يبقيه فنًا حيًا ومعاصرًا.
مهرجان القاهرة: كيف رسَّخ التجريب في المسرح العربي؟
رافق هذا المهرجان في دوراته الأخيرة جدلًا كثيرًا، لا سيما فيما يتعلق بالتسمية، إذ اقترح البعض إسقاط صفة «التجريب» عنه وتحويله إلى «مهرجان القاهرة الدولي أو العربي للمسرح». غير أن منظميه وكثيرًا من مناصريه تمسكوا بالتسمية الأصلية، مؤكدين أن التجريب ضروري للمسرح ليظل حيًا وقادرًا على التطور وتقديم أعمال مبتكرة ومتميزة.
كما تعللوا بأن المهرجان قد حافظ منذ انبعاثه سنة 1988 على خصوصيته وهويته الفنية بكونه يقدم مادة مسرحية عربية وعالمية يبحث أصحابها عن التجديد والابتكار، ويكفي أنه استقطب على سبيل المثال في دورته 32 الأخيرة عروضًا من مصر ومن دول عربية أخرى كتونس ولبنان والبحرين والسعودية والعراق، وانفتح على تجارب عالمية من إيطاليا ورومانيا وإسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية، ويكاد يُجمع كل المتابعين أن هذه العروض اشتركت كلها في «التجريب» والبحث عن أنواع فريدة في التعبير المسرحي.
يُذكر أن هذا المهرجان قدم عبر دوراته المتعاقبة دفعًا كبيرًا للمسرح العربي، ونجح في أن يتحوَّل إلى محطة مهمة في كتابة تاريخ هذا الفن وتطويره عبر تلاقح التجارب وتفاعل المدارس الفنية المشاركة في عروضه المختلفة. وهذا يوضح دور المسرح التجريبي في تطوير المسرح العربي تطويرًا عمليًّا.
ولا يكتفي هذا المهرجان بالعروض والمسابقات، وإنما يُعد لجمهوره وللقارئ العربي عامة ولنقاد المسرح خاصة في كل دورة قائمة من المنشورات المسرحية القيمة، من ذلك ما فعله في آخر دورة حين حرص على توفير مراجع أساسية للمشتغلين بالمسرح من باحثين وطلاب وممارسين.
ومن بين هذه المنشورات، على الذكر لا الحصر: «الميتاتياتر والتناص» تأليف مانفريد شميلنغ وترجمة محمد سيف، و«المخرج في المسرح المعاصر» و«صناعة المسرح الرقمي ومعناه» تأليف ناديا ماسورا وترجمة أحمد عبد الفتاح، و«الجمهور والكاتب المسرحي» و«التجريب في تدريب الممثل» من تأليف مدحت الكاشف.
مسرح مدنين: حاضنة تفاعلية للتجريب في تونس
يمثل هذا المهرجان الذي يعود تأسيسه إلى بدايات التسعينيات من القرن العشرين ويبلغ هذه السنة دورته 28 ثاني أبرز المهرجانات المسرحية المختصة في التجريب بعد مهرجان القاهرة من ناحية الأقدمية ومن ناحية القيمة، إذ تُعرض آخر ما تم إنتاجه من مسرحيات من تونس وخارجها، ما يجعله واجهة مهمة للمسرح التونسي المعاصر.
وإذا كان مهرجان القاهرة لا يكتفي بالعرض فقط وإنما يخصص مسابقة رسمية للمشاركات، فإن مهرجان التجريب بمدنين ـ تونس يكتفي بعرض الأعمال ومناقشتها، فقد رسخ تقليدًا لدى جمهوره منذ اللحظة الأولى وهو تنظيم حلقات نقاش بعد كل عرض تتحول إلى مساحات للتفاعل بين الجمهور من جهة، والمخرجين والممثلين والتقنيين والنقاد المسرحيين من جهة ثانية، بهدف نشر ثقافة الفرجة وخلق ذائقة فنية مسرحية هي من أهداف هذا المهرجان.
إضافة إلى ذلك ينظم المهرجان فعاليات ثقافية أخرى على هامشه كالتربصات المسرحية في الكتابة أو الرقص المسرحي أو تنفيذ الديكور. ويُقيم ندوات مختصة يدعو إليها كبار الكتاب والنقاد، والمخرجين، والممثلين المسرحيين، وأشهر الإعلاميين. وهو ما يثري النقد المسرحي العربي على نحو مباشر وفوري.
ويفتح فضاءاته الموازية لتوقيع آخر الإصدارات في مجال الكتب الإبداعية والنقدية أو لإقامة معارض الفن التشكيلي والتصوير الفوتوغرافي. وكل هذه المناشط تجعل المدينة تعيش على إيقاع المسرح والفن طيلة أسبوع كامل ليلًا ونهارًا. يُذكر أن هذه الدورة هي مهداة إلى روح أحد كبار مؤسسي هذا المهرجان، المرحوم أنور الشعافي الذي أفنى حياته في التجريب تمثيلًا وكتابة وإخراجًا وتنظيرًا.
ما الفرق الرئيسي بين مهرجان القاهرة ومهرجان مدنين؟
الفرق الجوهري يكمن في الفلسفة؛ مهرجان القاهرة مهرجان دولي تنافسي يمنح جوائز ويستقطب عروضًا عالمية واسعة. أما مهرجان مدنين، فهو مهرجان وطني ذو بعد عربي، يركز على العرض والنقاش التفاعلي المباشر مع الجمهور بعد كل مسرحية، بهدف بناء ثقافة مسرحية.
من أبرز رواد المسرح التجريبي في العالم العربي؟
من الصعب حصرهم، لكن يمكن اعتبار العديد من المخرجين والكتاب الذين شاركوا في الدورات الأولى لمهرجانات مثل القاهرة ومدنين هم من أسسوا لهذا التيار، ومنهم أسماء كبيرة في المسرح العربي مثل سعد الله ونوس في سوريا، والطيب الصديقي في المغرب، وجواد الأسدي في العراق، إضافة إلى جيل كامل من المخرجين التونسيين والمصريين الذين تبنوا التجريب كمنهج.
في نهاية المطاف، لا يمكن النظر إلى مهرجاني القاهرة ومدنين كمنافسين، بل كقطبين متكاملين يخدمان هدفًا واحدًا: إبقاء شعلة التجريب المسرحي العربي متقدة. القاهرة هي المنصة العالمية التي تضع المسرح العربي في حوار مع العالم، ومدنين هي الحاضنة التفاعلية التي تعمق علاقة المسرح بجمهوره المحلي. واستمرارهما معًا هو الضمانة الحقيقية لمستقبل متجدد ومؤصل لـ المسرح العربي الحديث.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.