مهرجان الجونة بين السينما والعري
انطلق منذ أيام مهرجان الجونة السينمائي الدولي حيث يعد حاليا واحد من أهم المهرجانات العربية السينمائية والذي يحاكي المهرجانات العالمية بعد ما اتفق أن يتولاه نخبة من الإداريين الذين أخرجوا لنا المهرجان في نسخه السابقة في صورة رائعة على المستوى التنظيمي والبصري أيضا, ولا يخفينا عزيزي المتابع أن المهرجان في نسخه جميعا تقوم عليه إدارة تخضع لقوانين رجال الأعمال التي لا تنفك عن مفاجئتنا من آن لآخر لتبرهن على قدرتها على تقديم ما لا تستطيع أن تقدمه الإدارات الخاضعة للحكومات والتي تعج بالفساد المهني والمحسوبية وقلة الخبرة والرؤية التي تستلزم عين فنية تضيف إلى المهرجان ليخرج بالصورة الملائمة له.
وكما نعلم أن كل مهرجانات العالم المرموقة, من كان إلى الجولدن جلوب إلى فينسيا والأوسكار, تهتم بحضور النجوم وبتوفير أفضل الإمكانات لحشد لا حصر له من المصورين لالتقاط صور النجوم على السجادة الحمراء, حيث يتم التركيز على ملابس النجوم عادة وإلقاء الضوء على الموضة السائدة للفت النظر ووضع المقارنات في إطار تشويقي يضيف إلى المهرجان, وهو بمثابة طريقة تسويقية للمهرجان, جزء من كل, شيء جانبي وفرعي من ضمن بضعة أشياء, لكن الصحافة الرصينة عادة لا يكون اهتمامها مقتصرا على الملابس وفضائح المشاهير التي عادة تكون من اهتمام الصحافة الشعبية الرخيصة.
الصحافة الجادة كما تهتم بملابس النجوم تهتم أيضا بنقد أفلام المهرجان لإضافة روحا ورؤية حقيقية لما يقدمه المهرجان من أفلام تمثل الفن العربي ككل أمام العالم أجمع, كما تهتم باللقاءات الصحفية مع الفنانين الذين لهم دورا رائدا لخوض مناقشات ثرية من أجل إثراء ثقافة الجمهور حيث نعلم جميعا أن الفن مرآة الشعوب والفنانين هم مرآة هذا الفن ولكني اصطدمت في الحقيقة بما رأيت خلال الأيام القليلة الماضية حيث اقتصر دور المهرجان على الموضة التي لا يمكن وصفها إلا بالرديئة الفاضحة التي تتسابق فيها النجمات للفت الأنظار, كلما كان الفستان فاضحا كلما كان الحضور بارزا, وتناولت اللقاءات التلفزيونية عرض الأجساد العارية للفنانات بشكل مقزز وتركزت الرؤية على الأفخاذ والمؤخرات دون الانتباه أو حتى الاهتمام بما يقدمه المهرجان فعلا, تغافل واضح وصارخ عما يقدمه المهرجان من مواد أقيم في الأساس من أجلها ومن أجل تسويق منتجه.
الصحافة المصرية والعربية
كما تناولت المحطات والصحافة المصرية خاصة وبعض العربية فستان الفنانة فلانة وسيارة الفنان فلان وعلاقة الفنانة فلانة المستحدثة مع رجل الأعمال الفلاني ثم بعد ذلك يسخرون من المهرجان وكأنه ابتدع شيئا لم يكن موجودا في أي مهرجان آخر, ابتعدوا تمام البعد عن الغاية الأساسية من إقامة المهرجانات وهي إثراء الفكر والاحتكاك الفني من خلال مشاهدة الأفلام ومناقشتها ونقدها وتقديم التحاليل والرؤى الفنية لها وإقامة اللقاءات الحية من أجل إسعاد الجمهور الذي أسس المهرجان خصيصا من أجله إن أسقطنا من ذهننا ما يعانيه العالم في ظل أزمة كورونا.
نجمات ونجوم
أكثر ما أثار حفيظتي خلال المهرجان هي الأحاديث الصحفية على هامش المهرجان مع الفنانين والفنانات والتي تعكس بدورها الثقافة الحقيقية لهم, فقد أكدت الفنانة ياسمين صبري حينما سؤلت عن كورونا وعن إقامة المهرجان في ظل هذه الظروف الصعبة أجابت: "إللي ياخده ياخده والبقاء للأقوى", رد سافر وغريب ولا ينم إلا عن ثقافة هشة مدعية لا تعي خطورة الوضع, كما تناوبت الإعلامية لميس الحديدي في لقاءاتها على الفنانات والفنانين بأسئلة تافهة على طريقة المصاطب في جلسة حريمي جدا, "رائعة هذه الأقراط, البدلة تجنن, كنت مسرح شعرك لورا في فيلم كذا" وتجاهلت تماما الغرض الأساسي من المهرجان, فهو ليس ديفلييه خاص بالأزياء وإنما مهرجان سينمائي, ولا نستطيع أن ننسى الحضور التونسي حيث لفت نظري الفنانة "سارة الحناشي", التي ظهرت لنا بسيقانها العارية وصدرها المكشوف لتخطف الأبصار دون قيمة فنية حقيقية تضيفها إلى بلدها العريق تونس.
أسئلة ومنعطفات
برزت ثقافة بعض النجوم وخصوصا الذين يتصدرون شاشاتنا العربية من خلال إجاباتهم على الأسئلة المتكررة التي لم تهتم فعلا بالهدف الحقيقي للمهرجان, جاءت الإجابات وكأنهم تحت تأثير السكر أو السطل, دون وعي ينم عن صناعة حقيقية لفنان يعي تماما سر مهنته وبأن كل كلمة تخرج منه بمثابة شرارة قد يحرق بها أجيالا كاملة تتابعهم عن كثب ويرون فيهم القدوة والمثل, فعلى سبيل الذكر قالت الفنانة ياسمين صبري بأنها أحيانا.. أحيانا تشاهد بعض الأفلام وكأن ذلك مثلا لا سمح الله سيؤخرها عن عملها الحقيقي الذي لا يعرفه إلا الله كما أكدت أنها تدافع عن المرأة ولكنها لا تعرف ما هي القضية ونست بأنها فنانة من الأساس, كما خرجت علينا الفنانة القديرة ليلى علوي لتؤكد على نظرية علمية صارخة وتقول: "أن المرأة والأنثى أكثر من عدد الرجل", بنفس النص دون تغيير لكلمة واحدة في لقاء صحفي آخر, كما أضافت الفنانة رانيا يوسف مبررة إقامة المهرجان في ظل أزمة كورونا, "كنا نحارب الديناصورات, مش هنحارب يعني الكورونا؟!".
وماذا بعد؟!
عزيزي القاريء, هكذا خرج علينا مهرجان يتابعه العالم أجمع, هكذا هي الصورة التي ننقلها إلى العالم عن أنفسنا وفننا, لا نهتم سوى بالمؤخرات والأفخاذ والموضة, بالسطحي دون العمق, بالتبجيل والإجلال دون النقد, بصنع آلهة فنية لا قيمة ولا ثقافة لها ولا مضمون حقيقي يؤهلها سوى ضربة حظ أو القانون المزيف الذي يدعيه المنتجون والقائمون على الصناعة, هذا ما يطلبه المشاهدون؟! دائما ما يكون المشاهد هو المتهم!, الجمهور عايز كده, جملة رديئة ومهلكة دفعتنا دفعا إلى القاع, وكأن القائمون على الصناعة نسوا أن الفن خلق للارتقاء بالوضع والثقافة والذوق العام فأضحى لدينا فنانون بلا ثقافة ومهرجانات بلا أفلام, وسينما بلا سينما.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.