حين نتحدث عن مهرجان سينمائي، فإن السؤال الأسهل هو ماذا عُرض فيه ومن فاز بجوائزه، لكن السؤال الأهم ربما يكون ماذا يترك المهرجان وراءه بعد أن تنطفئ شاشاته، وهل يضيف شيئًا حقيقيًا إلى حركة السينما في البلد الذي يستضيفه وإلى المشهد السينمائي العربي الأوسع، ومن هذه الزاوية تبدو الدورة الحادية عشرة من مهرجان الأردن الدولي للأفلام مناسبة لطرح سؤال يتجاوز أخبار الافتتاح والتكريمات، وهو: ماذا يمكن لمهرجان كهذا أن يقدم للسينما العربية؟
المهرجان الذي انطلقت دورته الحادية عشرة في العاصمة عمَّان خلال المدة من 20 إلى 24 سبتمبر 2026، هو امتداد لمهرجان الفيلم الأردني الذي تأسس عام 2013، قبل أن يأخذ الصفة الدولية عام 2016، ومع مرور السنوات أصبح إحدى المساحات التي تحاول من خلالها السينما الأردنية أن تخرج من نطاقها المحلي إلى فضاء أوسع من العلاقات والتجارب السينمائية العربية والدولية.
وهي مهمة لا تتعلق فقط بعرض الأفلام، وإنما بتكوين بيئة تسمح للمخرجين والكتاب والنقاد والطلاب والجمهور بأن يلتقوا حول السينما بوصفها صناعة وفنًا ولغة للحوار في الوقت نفسه.
2099 فيلمًا.. الرقم الذي يكشف حجم المنافسة
ربما يكون الرقم الأكثر لفتًا في الدورة الحالية هو استقبال المهرجان 2099 فيلمًا من مختلف دول العالم، وهي أفلام خضعت للمشاهدة والتقييم من لجان متخصصة قبل اختيار ثمانية أفلام للمشاركة في المسابقة الرسمية، إلى جانب ستة أفلام من إنتاج وزارة الثقافة الأردنية وستة أفلام من إبداعات طلبة الجامعات الأردنية، وهذه الأرقام لا تعني أن 2099 فيلمًا عُرضت أمام الجمهور، وإنما تعكس حجم الأعمال التي تقدمت إلى المهرجان ودخلت عملية الاختيار والتقييم.
أهمية هذا الرقم لا تكمن في حجمه وحده، وإنما في دلالته بالنسبة إلى موقع المهرجان، فكلما اتسعت دائرة الأفلام المتقدمة أصبحت عملية الاختيار نفسها نافذة على اتجاهات متعددة في السينما المعاصرة، من ناحية الموضوعات وأساليب السرد واللغة البصرية، والمهرجان في هذا الإطار لا يعمل فقط بوصفه منصة تعرض ما اختير، وإنما بوصفه نقطة تلاقٍ بين تجارب سينمائية مختلفة، يستطيع صانع الفيلم الأردني من خلالها أن يرى كيف يفكر آخرون في الصورة والحكاية والشخصية والمكان.
السينما الأردنية تبحث عن موقعها
المسألة الأساسية بالنسبة إلى مهرجان الأردن ليست أن ينافس المهرجانات العربية الكبرى في الحجم أو عدد الضيوف أو الميزانيات، وإنما أن يؤدي وظيفة تتصل مباشرة بحاجة السينما الأردنية نفسها، وهي بناء حركة سينمائية قادرة على الاستمرار، وهو ما تنص عليه أهداف المهرجان الرسمية من تطوير صناعة الفيلم الأردني، ورفدها بمخرجين يمتلكون قدرًا من الحرفية، وتطوير القدرات الفنية والتقنية لدى الشباب، ونشر الوعي السينمائي لدى الجمهور الأردني، وفتح الطريق أمام الأفلام الأردنية للمشاركة في المحافل الدولية.
وهذه الوظيفة مهمة في أي سينما لا تزال تعمل على توسيع بنيتها الإنتاجية، لأن الصناعة لا تبدأ من شركات الإنتاج وحدها، وإنما من تراكم الخبرات، ومن وجود فرص للمخرج الشاب كي يصنع فيلمه الأول والثاني، ومن وجود جمهور يشاهد الأفلام المختلفة، ومن وجود نقاد ومبرمجين ومهرجانات يستطيعون وضع هذه التجارب في سياق أوسع، وعلى هذا الأساس يصبح المهرجان جزءًا من منظومة إنتاج المعرفة والخبرة حول السينما، وليس مجرد موعد سنوي للعروض.
الفيلم القصير.. مساحة لا غنى عنها
وتبدو عناية المهرجان بالشباب أكثر وضوحًا في مشاركة أفلام من إنتاج طلبة الجامعات، فالفيلم القصير بالنسبة إلى كثير من السينمائيين ليس مجرد تجربة صغيرة تسبق الفيلم الطويل، وإنما هو مختبر حقيقي لتعلم الكتابة والإخراج وإدارة الممثلين والتصوير والمونتاج وبناء الإيقاع، وفي كثير من التجارب السينمائية يبدأ المخرج من مساحة قصيرة يستطيع فيها اختبار أدواته قبل الانتقال إلى مشروعات أكثر تعقيدًا.
ولهذا فإن وجود أفلام طلابية داخل مهرجان رسمي له قيمة تتجاوز أصحاب هذه الأفلام أنفسهم، لأنه يمنح الطالب للمرة الأولى تقريبًا فرصة أن يرى عمله في سياق مختلف عن قاعة الدراسة، وأن يتلقى ردود فعل من جمهور ومخرجين ونقاد، وأن يدرك أن الفيلم الذي صنعه يمكن أن يدخل دورة حياة حقيقية خارج الجامعة، وهذه الخطوة الصغيرة قد تكون أهم من الجائزة نفسها بالنسبة إلى مخرج في بداية الطريق.
من العرض إلى التدريب
ولا يتوقف البرنامج عند عرض الأفلام، فالدورة الحالية تتضمن أيضًا ورشة متخصصة حول كتابة الفيلم الروائي القصير باستخدام الذكاء الاصطناعي، وتتناول العلاقة بين الكتابة السينمائية التقليدية والأدوات الجديدة، وكيف يمكن استخدام التكنولوجيا في تطوير الفكرة وبناء الشخصيات والحبكة والوصول إلى نص متماسك، مع التأكيد على استمرار الدور الإبداعي للكاتب.
وبذلك يدخل المهرجان مباشرة في قلب سؤال يشغل السينما العالمية كلها، فالذكاء الاصطناعي لم يعد موضوعًا بعيدًا عن الكتابة والإنتاج والتصوير وما بعد الإنتاج، لكن القيمة الحقيقية لأي ورشة من هذا النوع لا تكمن في تعليم استخدام أداة تقنية جديدة فحسب، وإنما في مناقشة الحدود التي ينبغي أن تبقى فيها التكنولوجيا أداة، ولا تتحول إلى بديل عن الرؤية الفنية وصاحبها، ولذلك فإن إدخال هذا النقاش إلى مهرجان سينمائي عربي يمثل استجابة لتحول حقيقي في طريقة صناعة الصورة وكتابتها.
عدنان مدانات.. تكريم الذاكرة السينمائية
ومن اللافت في الدورة الحالية اختيار الفنان والمخرج والناقد السينمائي عدنان مدانات شخصية المهرجان، إلى جانب تكريم الفنانين محمد العبادي وعبدالكريم القواسمي والمخرجين صلاح أبو هنود وأحمد دعيبس، وهو اختيار يربط بين الحاضر السينمائي والذاكرة التي ساهمت في تشكيل المشهد الأردني.
تكريم أصحاب التجارب السابقة لا ينبغي أن يُفهم بوصفه فقرة احتفالية فقط، فكل سينما تحتاج إلى ذاكرة تعرف من أين جاءت، وما التجارب التي سبقتها، وما الأفكار التي حاول أصحابها تطويرها، وما العقبات التي واجهوها، وفي بلد يعمل على بناء صناعة سينمائية أكثر رسوخًا تصبح الذاكرة المهنية جزءًا من عملية التعلم، لأن الجيل الجديد لا يبدأ من الصفر، حتى عندما يظن أنه يفعل.

ماذا يقدم المهرجان للعربي خارج الأردن؟
وعند هذه النقطة تتسع المسألة من السينما الأردنية إلى السينما العربية، فالقيمة المحتملة لأي مهرجان إقليمي لا تقاس فقط بعدد الأفلام العربية التي تعرض فيه، وإنما بقدرته على خلق تواصل بين هذه الأفلام وأصحابها، فالفيلم العربي كثيرا ما يظل أسير حدود البلد الذي أنتج فيه، في حين يحتاج المخرج إلى مساحات أخرى يلتقي فيها بجمهور جديد ونقاد ومبرمجين وصناع أفلام.
وفي هذا السياق يستطيع مهرجان الأردن الدولي للأفلام أن يؤدي وظيفة مختلفة عن وظيفة السوق التجارية، فهو لا يطلب من الفيلم أن يثبت قدرته على تحقيق الإيرادات، وإنما يضعه في سياق ثقافي وفني يسمح باكتشافه ومناقشته، وهذه المساحة ضرورية خصوصا للأفلام القصيرة والأعمال الأولى والتجارب التي لا تجد طريقها بسهولة إلى التوزيع التجاري.
السينما العربية لا تعاني فقط من نقص الأفلام، وإنما تعاني أحيانا من ضعف انتقال الأفلام بين البلدان العربية، ولذلك فإن أي مهرجان يستطيع أن يفتح طريقا إضافيا أمام فيلم عربي كي يصل إلى جمهور عربي آخر يضيف شيئا إلى هذا التواصل، حتى لو كان العدد محدودا، لأن الصناعة الثقافية لا تبنى دائما بالقفزات الكبيرة، وإنما بتراكم اللقاءات والعروض والعلاقات.
الأردن حلقة وصل
وجود مهرجان دولي للأفلام في عمان يمنح الأردن موقعا يمكن أن يتجاوز كونه بلدا منتجا للأفلام إلى كونه مكانا للقاء السينمائيين، وهذا الدور لا يحدث تلقائيا بمجرد إطلاق الصفة الدولية على المهرجان، وإنما يحتاج إلى استمرار وتنوع في المشاركة وتراكم في العلاقات، لكن البداية الأساسية موجودة في فتح المجال أمام أفلام وتجارب تأتي من خارج الحدود.
والأردن يمتلك في الوقت نفسه تقاليد ثقافية وفنية تسمح للسينما بأن تتحرك داخل بيئة أوسع من الصناعة وحدها، فالمراكز الثقافية والمؤسسات الفنية والجامعات والمهرجانات يمكن أن تتكامل إذا تحولت الفعاليات المنفصلة إلى شبكة واحدة، وعندها يصبح مهرجان الأردن الدولي للأفلام محطة في مسار طويل يبدأ بالتعليم والتدريب، ويمر بالإنتاج، ثم العرض والنقد والتوزيع، وينتهي بإعادة اكتشاف الأفلام في سياقات جديدة.
المهرجان لا يصنع صناعة وحده
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي ألا نحمل مهرجان الأردن الدولي للأفلام أكثر مما يستطيع، فالمهرجان مهما اتسعت برامجه لا يستطيع وحده أن يصنع صناعة سينمائية كاملة، لأن الصناعة تحتاج إلى إنتاج وتمويل وتوزيع وقاعات وجمهور ومنصات عرض وتشريعات ومؤسسات تعليمية ومهنية، كما تحتاج إلى سوق تستطيع الأفلام أن تعيش فيه بعد انتهاء المهرجان.
لكن وظيفة مهرجان الأردن الدولي للأفلام هي أن يكون جزءا من هذه المنظومة، وأن يوفر الحلقة التي يصعب توفيرها في الحياة السينمائية اليومية، وهي اللقاء، فالمخرج الذي يأتي بفيلمه يلتقي بمخرج آخر، والطالب يشاهد تجربة مختلفة، والناقد يكتب عن فيلم لم يكن ليصل إليه بسهولة، والجمهور يكتشف لغة سينمائية جديدة، ومن هذه العلاقات الصغيرة يمكن أن تنشأ مشروعات أكبر في المستقبل.
السؤال الحقيقي: ماذا يبقى بعد انتهاء الدورة؟
ربما يكون هذا هو المقياس الأكثر أهمية لأي مهرجان سينمائي: ماذا يبقى بعد انتهاء أيامه الخمسة؟ هل خرج مخرج شاب بخبرة جديدة؟ هل اكتشف الجمهور أفلاما لم يكن يعرفها؟ هل نشأت علاقة إنتاجية أو فنية بين صناع أفلام من بلدان مختلفة؟ هل وجد فيلم قصير طريقا إلى مهرجان آخر؟ هل تحولت الورشة إلى معرفة قابلة للاستخدام، وهل أصبح النقاش حول السينما أكثر حضورا لدى الجمهور المحلي؟
إذا تحققت بعض هذه النتائج، يصبح المهرجان أكثر من برنامج سنوي للعروض، ويصبح مؤسسة ثقافية تسهم في بناء البيئة التي تحتاج إليها السينما لكي تنمو.
من مهرجان أردني إلى مساحة عربية
ربما لا يحتاج مهرجان الأردن الدولي للأفلام إلى أن يحاول أن يكون نسخة أخرى من مهرجان عربي أكبر، فلكل مهرجان شخصيته وظروفه وجمهوره، والقيمة الحقيقية يمكن أن تأتي من تحديد الدور الذي يستطيع القيام به بوضوح: دعم السينما الأردنية، واكتشاف المواهب الجديدة، والاهتمام بالفيلم القصير، وفتح المجال أمام التجارب العربية والدولية، وربط الشباب بالمحترفين، وتحويل عمان إلى نقطة لقاء إضافية على خريطة السينما.
وعلى هذا الأساس يمكن النظر إلى الدورة الحادية عشرة بوصفها حلقة في مسار أطول، لا بوصفها حدثا منفصلا، فاستقبال 2099 فيلمًا يدل على اتساع دائرة الاهتمام بالمشاركة، واختيار ثمانية أفلام للمسابقة الرسمية يوضح أن مهرجان الأردن الدولي للأفلام يعمل من خلال عملية انتقاء، وإشراك أفلام من إنتاج وزارة الثقافة وأعمال طلبة الجامعات يكشف عن محاولة الجمع بين الإنتاج المحلي والجيل الجديد، في حين يضيف برنامج التدريب مساحة أخرى تتعلق بمستقبل الكتابة السينمائية.
السينما العربية تحتاج إلى مساحات أكثر
في النهاية، لا تحتاج السينما العربية إلى مهرجان واحد يتولى كل شيء، وإنما تحتاج إلى شبكة من المهرجانات والمنصات والورش والبرامج التي تسمح للفيلم بأن ينتقل من بلد إلى آخر، وللمخرج بأن يلتقي بمخرجين آخرين، وللجمهور بأن يكتشف أن السينما العربية ليست مجموعة صناعات منفصلة، وإنما مشهد واسع تتقاطع فيه التجارب والموضوعات والأساليب.
ومن هذه الزاوية تحديدا يمكن قراءة مهرجان الأردن الدولي للأفلام، فالقيمة التي يقدمها للسينما العربية لا تختزل في عدد الأفلام أو أسماء المكرمين أو عدد الجوائز، وإنما في المساحة التي يوفرها للفيلم كي يرى، ولصانعه كي يسمع، وللمواهب الجديدة كي تدخل المشهد، وللأفكار السينمائية كي تنتقل من بلد إلى آخر، وهذه الوظيفة قد تبدو بسيطة على الورق، لكنها في واقع صناعة ثقافية تحتاج إلى التواصل المستمر تمثل واحدا من الشروط الأساسية لكي تبقى السينما العربية حية وقابلة للتجدد.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.