مهارة الطلب (Mand) هي القدرة على التعبير عن الاحتياجات والرغبات للتواصل مع الآخرين، وتُعد حجر الأساس في تحليل السلوك التطبيقي (ABA). ويهدف تدريب الطفل على الطلب إلى منحه وسيلة فعالة للتواصل (سواء بالكلام، أو نظام تبادل الصور PECS، أو أجهزة التواصل AAC) كبديل للصراخ والبكاء، لا سيما في حالات تأخر الكلام عند الأطفال والتوحد غير الناطق. ويُعد الطلب المحفز الأول لمراكز الكلام في الدماغ وبداية استقلالية الطفل.
في هذا المقال، ونجاحًا في الإجابة عن تساؤل: كيف أعلم طفلي التعبير عن احتياجاته؟ سنكتشف سويًا كيفية تدريب الطفل على الطلب للتعبير عن احتياجاته بدلًا من الصراخ أو البكاء، والخطوات الفعالة في التخلص من صراخ الطفل غير الناطق.
هل تخيلت يومًا أن تكون جائعًا أو عطشانًا ولا يمكنك نطق كلمة «أريد أن آكل» أو «أريد أن أشرب»؟! هذا بالضبط ما يعانيه بعض أطفالنا ممن يفتقدون القدرة على الكلام لطلب ما يريدون، فيلجؤون إلى الصراخ أو البكاء أو السلوكيات التكرارية.
ما هو الـ Mand وكيف يعمل؟
مهارة الطلب عند الأطفال تعني أن الطفل لديه دافعية للتواصل سواء بالكلام أو الإشارات أو الصور للحصول على الشيء الذي يريده بمساعدة الكبار المحيطين به.

تُعد مهارة الطلب (Mand) المكون الأول والأهم لتعليم اللغة، لا سيما عند تطبيق استراتيجيات التدريب المبنية على أسس علمية. فالطفل في هذه الحالة لا يكتفي بتسمية الشيء الذي يرغب في الحصول عليه، فهو يعرف أن هذه «لعبة» على سبيل المثال، لكنه لن يطلبها إلا إذا كانت لديه رغبة ملحة في اللعب بها.
وحينئذ تبرز أهمية مهارة الطلب (Mand) في تحليل السلوك التطبيقي ABA، فنعتمد على استغلال هذه الرغبة (الدافعية) لتعليمه كيفية طلبها بشكل صحيح.
أشكال الطلب «Mand» ليست كلمات فقط
قد يعاني الطفل من تأخر الكلام عند الأطفال؛ لذا قد يلجأ إلى أحد أشكال الطلب التالية التي تندرج تحت طرق التواصل البديلة:
-
التواصل اللفظي «الكلام»: الطفل يرى الكرة ويرغب في اللعب بها، فينطق «كرة» أو جزءًا منها «كو» للتعبير عن رغبته في الحصول عليها واللعب بها.
-
لغة الإشارة: أحيانًا، يعجز الطفل عن النطق، كحالات التوحد غير الناطق، وفي هذه الحالة نلجأ إلى البديل، ألا وهو لغة الإشارة التي تفيد جدًا في التواصل كمرحلة أولية لتقليل الإحباط لدى الطفل.
-
نظام تبادل الصور (PECS): الوسيلة الثالثة للتواصل هي تبادل الصور (Picture Exchange Communication System) التي يتم تدريب الطفل على إحضار صورة الشيء الذي يرغب في الحصول عليه إلى الأب والأم، ليُعطيه الوالد الشيء الذي أحضر صورته، ويُسمِّيه له مع التعزيز أو المكافأة بشيء محبب للطفل.
يُعد هذا النظام من أهم برامج التدخل المعتمدة عالميًا لدى الجمعية الأمريكية للنطق واللغة والسمع.
-
أجهزة التواصل (AAC): استخدام الأجهزة اللوحية لنطق الطلب (Augmentative and Alternative Communication) يُعد الشكل الرابع من أشكال الطلب التي يلجأ إليها الطفل كونها إحدى الوسائل البديلة للتواصل مع الآخرين لتعويض العجز اللفظي.
لماذا الطلب «Mand» هو الأهم في رحلة طفلك؟
هل تعلم، عزيزي المربي، أن تدريب الطفل على مهارة الطلب هو الأهم على الإطلاق في رحلة تأهيل الطفل وتدريبه أو تعليمه الكلام (وهو جوهر علم تحليل السلوك التطبيقي (ABA))؟ وذلك للمبررات التالية:
-
الطلب بديل للسلوكيات الصعبة: عندما يتعلم الطفل أن التعبير بالكلام أو الصور يحقق الهدف أو الغاية التي يصبو إليها بشكل أسرع من البكاء أو الصراخ، عندها سيتوقف عن الصراخ؛ لأنه لا يؤدي إلى النتيجة المرجوة.
-
الطلب يبني الاستقلالية لدى الطفل: عندما يصبح الطفل قادرًا على طلب ما يريد دون الحاجة إلى البكاء أو الصراخ، فهو بذلك يصبح «قائدًا» لاحتياجاته وليس «تابعًا» لها.
-
مهارة الطلب تحفز مراكز الكلام: في الوقت الذي يقول فيه البعض إن تدريب الطفل على مهارة الطلب بالإشارة أو الصور يؤخر الكلام، تثبت نتائج البحوث والدراسات العلمية أنها تحفز مراكز الكلام في الدماغ، فالطلب هو أقوى محفز للدماغ للنطق والكلام لأن نتيجته «فورية ومحببة»، وهذا هو سر نجاح خطوات تدريب أطفال التوحد على الكلام.

بفضل عملي ومتابعتي الحثيثة لسلوكيات الأطفال وصعوبات التواصل، أؤكد لكل أب وأم أن صراخ الطفل المتواصل، أو رميه للأشياء، أو حتى إيذاء نفسه، ليس بالضرورة سوء سلوك أو عنادًا متعمدًا. إنه لغة العاجز عن إيصال صوته، عندما لا يجد الطفل الكلمات، يستخدم سلوكه ليتحدث؛ لذلك فإن احتواء غضب الطفل وعدم معاقبته على صراخه، ثم تدريبه الموجه على مهارة الطلب، هو طوق النجاة الذي سينقل طفلك من سجن الإحباط إلى رحابة التواصل والتفاعل.
خطوات عملية للتدريب (خطة عمل للأهل)
عزيزي المربي، دعني الآن أقدم لك خطوات عملية لتدريب طفلك من البيت على مهارة الطلب خطوة خطوة:
-
اقتنص اللحظة (الدافعية): من الخطأ أن تطلب من طفلك شيئًا لا يريده في الحال، كأن تطلب منه قول «مية» وهو يشعر بالشبع؛ أو تطلب منه لعبة وهو يشعر بالملل، والصواب أن تنتظر حتى يتملكه العطش أو الرغبة في اللعب لتكون «الدافعية» في أوجها.
-
التلقين (Prompting): عزيزي المربي، يجب أن تعرف أن شيئين لا غنى عنهما في تدريب الطفل على مهارة الطلب، الأول المساعدة (سواء مساعدة جسدية كلية، أو إيماءة، أو تلقين لفظي)، والثاني المكافأة أو التعزيز.
-
التعزيز الفوري: التعزيز الفوري لاستجابة الطفل أمر غاية في الأهمية لتدريبه على أي مهارة بسرعة، فبمجرد أن يحاول الطفل النطق أو تقديم بطاقة (PECS)، أعطه ما طلب فورًا ليبني الرابط المنطقي بين الطلب والاستجابة.
-
التلاشي (Fading): نصل إلى الخطوة الأخيرة التي نسحب فيها المساعدة (التلقين) بالتدريج بمرور الوقت، حتى يتمكن الطفل من الطلب وحده دون مساعدة من أحد.
كيف أعلم طفل التوحد الطلب؟
يبدأ تعليم طفل التوحد عبر استغلال "الدافعية". راقب الأشياء أو الأطعمة التي يحبها بشدة وضعها أمامه ولكن بعيدًا عن متناول يده. عندما يحاول الوصول إليها، لقنه (إما بنطق الكلمة أمامه ليقلدك، أو بمساعدته لإعطائك بطاقة الصورة PECS). حين المحاولة، كافئه فورًا بإعطائه الشيء الذي طلبه.
كيف أدرب طفلي على مهارة الطلب؟
يعتمد التدريب على أربع قواعد: تحديد المحفزات القوية للطفل، انتظار الوقت الذي يكون فيه محتاجًا بشدة لهذا المحفز، تقديم المساعدة (التلقين) لينطق أو يشير، وأخيرًا تقديم التعزيز الفوري لربط عملية الطلب بالحصول على المكافأة.
ما طريقة بيكس (PECS) للتواصل؟
هو نظام تبادل الصور (Picture Exchange Communication System). يُستخدم مع الأطفال الذين يعانون من ضعف شديد في النطق. يعتمد على تدريب الطفل على التقاط صورة للشيء الذي يريده، والتوجه بها إلى المربي وإعطائه إياها، ليحصل الطفل في المقابل على الشيء الفعلي. وهي طريقة تبني أساسيات التواصل التبادلي.

كيف أتعامل مع بكاء وصراخ الطفل غير الناطق؟
أولًا: يجب ألا تستسلم لطلبه وهو يصرخ حتى لا يتعلم أن الصراخ وسيلة فعالة.
ثانيًا: حافظ على هدوئك وانتظر حتى يهدأ قليلًا، ثم وجهه أو ساعده (بالإشارة أو بنطق الكلمة) ليطلب ما يريد بطريقة صحيحة، وحين يطلب بالأسلوب الصحيح، لبِّ احتياجه فورًا.
هل لغة الإشارة أو استخدام الصور يؤخر الكلام عند الأطفال؟
هذه من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعًا، تؤكد الدراسات في علم تحليل السلوك التطبيقي أن طرق التواصل البديلة مثل الصور (PECS) أو الإشارة أو أجهزة (AAC) تُخفف من ضغط وإحباط الطفل، وتُحفز مراكز اللغة في الدماغ، ما يسرع من عملية النطق والكلام لاحقًا بدلًا من تأخيره.
عزيزي المربي، إن تدريب الطفل على الطلب، وإتقانه إياها هو الجسر الذي يعبِّر به الطفل من الغضب والانعزال إلى التواصل مع الآخرين والاعتماد على النفس. مهارة الطلب عند الأطفال هي الأداة التي تمنحهم الشعور بالتقدير للذات وللآخرين. سواء كنت تستخدم الكلام أو نظام تبادل الصور (PECS)، تذكر أن الصبر والتعزيز الفوري هما مفتاح النجاح في تحليل السلوك التطبيقي (ABA).
والآن، عزيزي المربي، حان دورك لكي تشاركنا رأيك في التعليقات وتكتب لنا الشيء الذي يحبه طفلك بشدة ويمثل دافعية قوية له، لنقترح عليك طريقة لبدء تدريبه من اليوم!
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.