بالأمس القريب انتهيت من قراءة السيرة الذاتية لمارك توين، ترجمة سعيد رضوان حران، وبمروري على هذه السيرة تأكد لي سر إبداع مفرداته، وقدراته التعبيرية والتصويرية الفذة، الأديب الأمريكي الساخر من القلائل الَّذين لا يمل القارئ أثناء القراءة له، بل يتصور للمرء أنه قادر على رؤية المكان الموصوف بعد أن تمكن من إرهاف السمع للطبيعة المكتوبة وشم رائحة العبق الَّذي يتحدَّث عنه!
أذكر كيف تعرفت عليه في أول مرة من خلال أحد أقواله الشهيرة، وبانتسابها إليه بحثت عنه لأجد أنه يعبر بشكل كبير عن أفكار تبزغ وتغرب في عقلي، أو أفكار أؤمن بها في صمت، أو أفكار لا يجوز إلا الاعتقاد بها مثل قوله: وقتما تجد نفسك في صف الأغلبية فقد حان وقت التغيير، وقوله كثيرون يؤمنون بالحقيقة وقليلون ينطقون بها، ومثال ذلك أيضًا تعبيره القائل: القلق يشبه سداد دين لست مديناً به!
في الحقيقة أؤمن بشدة أننا كبشر نتقاطع في الأفكار والمشاعر، ونتشابه ونتوازى ونختلف، بغض النظر عن انتماءاتنا وهويتنا وموقعنا الجغرافي، فالنفس البشرية، واحدة، والخالق، واحد!
عودة إلى سيرة صموئيل كليمنس، أعجبت بحديثه عن والدته، تفاصيل وصفها، وكيف كان يعتبرها ملاذًا لا شبيه له، تركتني سيرته الذاتية متسائلة في بعض المراحل، هل هناك علاقة بين كثرة الترحال والتنقل وبين الإبداع؟ هل الانتقال بين المدن والدول وتغيير المنازل بين المستأجر والملك، والصاخب وسط الأحياء والهادئ في الضاحية يُولد قلمًا مختلفًا؟ قلمًا ساخرًا يلامس الأفئدة، يضع على الجرح بلسمًا، ويفتق الجراح القديمة الَّتي لا زالت بحاجة لترياق؟
أعلم يقينًا أن الآلام أكبر نبع للإبداع، وأن الأحزان مداد لا ينبض وحبر نادر، وهذا ما وجدته في سيرة مارك! توالت عليه مصائب الفقد وتداعى قلمه بإبداع منهمر!
لم تتضح لي علاقته بزوجته وبناته، شعرت بشكل ما أنه يخفي الكثير من الجمال في تلك العلاقة، أو يتحاشى الكتابة عنها وهو الَّذي يستعد بعد كل فقد لفقد جديد! وكأن الأحزان سكنته وصعب على الفرح أن يزحزح له مكانًا في قلب توين!
عالم الكتابة والعمل والتأرجح بين القبول والرفض، والحاجة والمقدرة كان جليا في سرده، كرفض كتابته الأولى، حاجته لثلاث دولارات، بيع الكلب الَّذي لا يملكه!
ورغم معاناته الاقتصادية إلا أنني أشعر أن الأحزان كانت رافدًا عظيمًا لقلم مارك توين! وهذا ما يجعلني أفكر من جديد في مفهوم استثمار الحزن!
يستحيل أن يعيش على هذه البسيطة بشر لا يتذوق الحزن أو الفرح، ولا يمكن لأحد منا إلا أن يستسلم لألوان من الأقدار الَّتي تتنزل عليه، وهي في مجملها متنوعة بين الموت والحياة والصحة، والمرض، والوفرة، والندرة! لكننا نختلف في اكتشاف مفاتيح تمكننا من استثمار تلك المشاعر والخطوب! فبعضنا يعيشها ويغرق بها ولا ينقذ نفسه ولا ينقذه أحد، وبعضنا يمرُّ عليها ولا يسكنها ويحسن تجاوزها لكن دون استثمارها، وبعضنا يهرب منها ولا يقبلها وينكرها موقعًا نفسه في بئر مظلم يصعب الخروج منه، وبعضنا يستثمرها ليفجر الطاقة الكامنة بها فكل شعور هو عبارة عن طاقة متوهجة سواء كان ذلك الشعور إيجابيًا أم سلبيًا!
إن استثمار الطاقة الشعورية في مهارات أو ملكات أو أنشطة تميل لها النفس لهو أمر عظيم يضيف لعمر المرء الكثير! وشواهد الحياة في السير الذاتية لا تنتهي وهنا مارك توين بآلامه وسخريته يتألق بقلم ساخر.
مقال جميل جدا. بالفعل الحزن من أهم مصادر الجمال...أتمنى لو يتاح لي فرصة إنتاج طبعة ثانية من هذا الكتاب حتى أعيد صياغة عدد من العبارات، أو على الأقل بعض الكلمات، لأن مارك توين يستحق أن تعرض كتاباته في أجمل حلة لغوية ممكنة. طبعًا الكتاب عبارة عن سيرة مختصرة، أما السيرة الكاملة للرجل فتقع في مجلد كبير. شكرًا لك على هذا العرض والتحليل الجميل.
سعيد حران/ المترجم
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.