من واقعي

عاد فرحاً إلى المنزل، بعد أن حصل على علامة تامة في إحدى مواده الدراسية، كان طوال الطريق يفكر في ردة فعل أمه ويقول: ستكون فخورة بي، لن أغضِبها ثانيةً، لن أدع الحزن يمسّ عينيها فهي أمي، ستقول لخالاتي وعماتي عني، ستفخر بي، أجل، ستتوقف عن مقارنتي بهم فأنا أفضل منهم.

دخل المنزل يحمل البشارة لأمه، دخل عليها المطبخ وقال: أمي، انظري لقد أحرز........، قاطعته وشرار الغضب يتطاير من عينيها:

- اصعد لغرفتك ولا تكلمني، فلا ينقصني إلا أنت بعد والدك ومشاكله.

- أمي، انظري حصلت على علامة تامة، ألم تفرحي؟ ألا تفتخرين بي؟

- لا، لست فخورة بك، ولن أكون كذلك، كما أنها علامة واحدة من أصل العديد من المواد، ينقصك الكثير لتصل وتصبح متفوقاً، ولا أرى هذا فيك، لن تصل لشيء، ولن تحقق ما تريد، أنت من أسوء الأبناء.

أيتها الأم نقدر أنك غاضبة، لكن ارأفي بقلب هذا الصغير..

ردد خلفها:

- أنا من أسوء الأبناء.

امتلأت عيناه بالدموع وصعد لغرفته، أغلق الباب بقوة وصرخ وبكى.

ناداها قائلاً:

- لماذا لا تحبيني يا أمي؟ ما ذنبي أنا بغضبك؟

أمسك ورقة وقلبها بيديه الصغيرتين وبالقليل من الأحرف التي استطاع تجميعها كتب لأمه: "أكرهك يا أمي، لن أحبك بعد اليوم، أنا من أسوأ الأبناء، لن تكوني فخورة بي يا أمي مهما فعلت، يا أمي أعتذر إن كنت أنا أحد أسباب غضبك، لكنني طفل لا أحسن التصرف، لذا أعدك يا أمي أن هذا آخر يوم سترينني فيه".

وكتب في آخر الرسالة: "ليتك معنا يا أبي، أكرهك أيضاً".

وضع الورقة على سريره وخرج، وكطفل في الثامنة من عمره بالتأكيد لا يعرف وجهته، ولا يعرف كيفية التصرف الصحيح، وبعد ساعات طويلة من التجول في الشوارع دون هدف، اصطدم بطفل آخر لم يكن قد تجاوز الرابعة عشر من عمره أيضاً، لكن كانت تصرفاته غريبة وكأنه لم ينم منذ دهر، قال للصغير:

- ما بالك تبكي؟

أخبره بفعلة أمه، قال له:

- أيضربك والدك؟

قال:

- لا، فوالدي لا نراه، معظم وقته في العمل أو مع أصدقائه، ولا يأتينا إلا ليلاً.

رد عليه:

- هكذا أفضل، فوالدي لم يترك طريقة إلا وضربني بها، لقد تفنن في تعذيبي حتى على أتفه الأسباب، ولا أخفيك سراً أحيانا أبقى أياماً دون طعام وأضرب دون سبب.

سأله الصغير:

- وأين أمك؟

- أمي ماتت منذ زمن بعيد.

- أعيناك هكذا من قلة النوم؟

- ههه لا، إنها من حبوب أبي، أها، نسيت أن أخبرك، فأبي يتناول المخدرات، لا تخبر أحداً بذلك، عدني.

- أعدك...

- حسناً أيها الصغير، كم عمرك؟

- ثماني سنوات.

- أها، ما رأيك أن نذهب لمكان جميل يليق بسنك الصغير.

- امممم حسناً، لمَ لا؟

أمسكه من يده ومشيا حتى وصلا لمكان مهجور، خاف الطفل في البداية، لكنه سحبه بقوة وأدخله وفعل به ما فعل، بعدها وبحجر كبير همش رأس الصغير، حتى لم تعد ملامحه واضحة، مات الطفل وصدق في وعده "أعدك يا أمي أن هذا آخر يوم سترينني فيه".

أما الآخر، فقد كان يجرب نوعاً جديداً من السم الذي يتناوله والده، فسقط جثة هامدة، مُسلِماً روحه إلى بارئها بجرعة زائدة.

وبهذا تنتهي قصه طفلين يوجد المئات، بل ولربما الآلاف منهما في هذا العالم البائس.

سأصل يوماً...🤎

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

سأصل يوماً...🤎