يعد عبد الرحمن بن خلدون ظاهرة فريدة في التاريخ العربي والإسلامي؛ فلم يكن مجرد مؤرخ أو عالم اجتماع، بل كان رجل دولة من الطراز الأول، عاش حياة صاخبة مليئة بالتقلبات الدراماتيكية، وصاغ تجربته الإنسانية والسياسية في أضخم عمل تذكاري «كتاب العبر»، ليترك لنا سيرة ذاتية تمزج بين عبقرية العلم وطموح السياسة، انطلاقًا من جذوره الأندلسية العريقة في إشبيلية، مرورًا مجالس العلم في تونس، وصولاً إلى دهاليز السياسة في فاس وغرناطة.
ولم يكن خروج ابن خلدون من بلاد المغرب رحلة عادية، بل كان فراراً من تضييق أيديولوجي ومؤامرات كادت تودي بحياته كما فعلت بصديقه ابن الخطيب. وفي مصر، وجد ابن خلدون الملاذ الآمن والبيئة الفكرية المتسامحة التي مكنته من شرح نظرياته العلمية وتولي أرفع المناصب القضائية، ليواجه هناك تحديات جديدة وصراعات ضد الفساد الإداري، قبل أن يختتم حياته بلقاء أسطوري مع الفاتح المغولي تيمورلنك.
ألّف ابن خلدون «المقدمة» في نحو ستة أشهر خلال عزلته بقلعة ابن سلامة بين 1375 و1378، ثم غادر تونس إلى مصر عام 1382 هربًا من اضطهاد ديني قاده ابن عرفة.
لقد صور ابن خلدون حياته بنفسه، وتبدأ دراسة «ترجمته الذاتية» بأضخم عمل تذكاري في الأدب العربي في العصور الوسطى. كذلك تضمنت المقدمة والفصول المختلفة من كتاب «العبر» بعضًا من مادة البحث في السيرة الذاتية، ولدى المؤلفين المصريين والأندلسيين معلومات قيمة عن حياة ابن خلدون.
غير أن الأبحاث المتخصصة المكرَّسة لترجمة حياة ابن خلدون، والمعتمدة على المصادر التاريخية الأصيلة قليلة، ومن أمثالها: أعمال دي سلان، وبحوث محمد عبد الله عنان، والمقال التفصيلي الذي كتبه ف. روزينتال، وترجمة ابن خلدون المشروحة بإيجاز في مقالات أ. بيليافسكي، و ن. أ. إيفانوف.
الجذور والمنشأ: أمجاد بني خلدون في الأندلس وإفريقية
ينتمي ابن خلدون إلى أسرة أندلسية مشهورة، شغل أفرادها مواقع مرموقة في إشبيلية على مدى نصف ألف من السنين، «فقد أحرز بنو خلدون -ومعهم النبلاء الآخرون- الاستقلال والسلطة الكاملة لإشبيلية بفضل سيطرتهم على مجلس المدينة»، وكان من بين بني خلدون كثير من رجال الدولة البارزين، كما كان من بينهم علماء وشعراء موهوبون، أحرزوا شهرة واسعة في الأندلس.
هاجر بنو خلدون إلى سبتة عام 1248 بعد سقوط إشبيلية في أيدي المسيحيين، وهناك تقربوا من أسرة بني حفص، وحينما أسَّس أبو زكريا الدولة الحفصية في إفريقية صار بنو خلدون من أكثر الأسر نفوذًا في الدولة الجديدة، فكان أبو بكر -الجد الأعلى لابن خلدون- رئيس الدائرة المالية للخليفتين المستنصر (1249 – 1277)، وأبي إسحاق (1279 – 1283)، وفي كثير من أجزاء المقدمة يصف ابن خلدون قيادته لأعمال الدولة.
وكان جد ابن خلدون -وهو محمد بن خلدون- حاجبًا للأمير أبي فارس، حاكم إحدى المدن المهمة في إفريقية، وهي بجاية، وكانت أسرته تمتلك مساحات ضخمة من الأرض، وُهبت لها على هيئة اقطاعيات.
أما محمد -والد ابن خلدون- فقد تلقى تعليمه تحت إشراف الفقيه المعروف، الذائع الصيت في عصره، أبي عبد الله الزبيدي. وكان محمد زاهدًا في الوظائف الإدارية، فترك وظائف الدولة عام 1237، واشتغل بتدريس الفقه المالكي، وشغف بالشعر واللغة، وقد اشتغل إلى جانب ذلك بالمنطق والفلسفة، واعتبر خبيرًا في هذه العلوم، وكان بيته أحد الأماكن التي يجتمع فيها علماء تونس وأدباؤها، حين كانت تونس أضخم مراكز الثقافة في المغرب.
التكوين العلمي: تحت رعاية الوالد ومجالس علماء تونس
وُلد أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي بتونس، في 27 مايو عام 1332، وتلقى تعليمه الأوَّلي تحت رعاية والده وأساتذته الأندلسيين، حتى استطاع قراءة القرآن، ومعرفة الشريعة الإسلامية، والمنطق، والبلاغة، وقواعد اللغة العربية.
ونشأ ابن خلدون في محيط من ذوي العقول الممتازة والثقافة الواسعة، وشهد مجالس العلم والأدب في بيت والده، وفي وقت مبكر أبدى ابن خلدون ميلًا شديدًا إلى الشهرة، كما أبدى مواهب رائعة ميَّزته على أقرانه.
واستمع ابن خلدون إلى دروس مشاهير أساتذة تونس من اللغويين، وعلماء الشريعة، وعلماء الدين، وقد ساعدته ظروفه على توسيع دائرة شيوخه.
وفي عام 1347 استولى أبو الحسن سلطان المرينيين على المغرب الأوسط وإفريقية، فدخل إلى تونس وفي صحبته عدد كبير من علماء الأندلس، وتلمسان، وفاس، محاولًا أن يوطد شهرته «كنصير للدين»، وأن يستولي على مشاعر سكان تونس، وفي الحقيقة لقد شجع أبو الحسن -بكل الوسائل- المباريات العامة بين العلماء والأدباء.
المؤثرات الروحية: مدرسة الآبلي وفلسفة العلوم العقلية
واستطاع ابن خلدون أن يدرس على أبرز الفقهاء واللغويين والمثقفين من أصحاب العلوم الأخرى في بلدان المغرب الإسلامي، ولكن أكبر المؤثرات في تطور ابن خلدون الروحي كان تلقيه الدروس تحت رعاية أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الآبلي، أكبر أساتذة المغرب حينذاك، وواضع الأساس القريب «للعلوم القائمة على العقل»، إلا إنه لم يكن المعلم الوحيد لابن خلدون.
والتأثير الأكبر للآبلي على عقيدة ابن خلدون يبدو بشكل ملحوظ في أدبه، إلا إن طبيعة هذا التأثير ودرجته غير واضحتين حتى الآن. وأبو عبد الله الآبلي ينحدر من أسرة من المهاجرين الأندلسيين، وقد وُلد وقضى حياته في تلمسان، حيث تطورت العلوم العقلية -وخاصة العلوم الرياضية- إلى درجة كبيرة من الفاعلية، وحيث وفد الرياضي الإيطالي المعروف في القرن الثاني عشر ليوناردو بوناتشي ليتلقى تعليمه هناك.
وفي إبان حصار الجيش المريني لمدينة تلمسان غادر الآبلي المدينة متوجها إلى المشرق، بحجة أداء فريضة الحج، وعند عودته إلى المغرب واصل تعليمه، وخاصة في علوم المنطق، والشريعة الإسلامية، تحت إشراف رجال الشريعة البارزين، من أمثال التلمساني ابن الإمام، والتونسي ابن زيدون.
وكانت الشهرة العلمية للآبلي الذي حاز «المعرفة الشاملة بالعلوم العقلية والنقلية» قد أتاحت له أن يشغل مكانة فخرية مرموقة في الدوائر العلمية بتلمسان.
في هذه الفترة من حياته جرت أحداث تبدو غريبة لأول وهلة، فقد قرر أبو حمو موسى الثاني أمير تلمسان تعيين الآبلي رئيسًا لمديري المالية، وكلفه أن يشرف على جمع الضرائب، إلا إن الآبلي رفض أن يشغل هذه الوظيفة المربحة المرموقة رفضًا باتًا، وسارع بالفرار إلى فاس، وتفسير هذا أن الآبلي لم يشأ أن يشترك في عملية نهب الضرائب من السكان.
وفي فاس استمع الآبلي إلى محاضرات «شيخ العلوم العقلية» أبي العباس، المعروف بابن البنا، وورث مكانه في مجال تدريس العلوم العقلية، ودخل في عداد العلماء في بلاط السلطان أبي الحسن، وألقى دروسه في العلوم العقلية في المغرب بنجاح.
كان الآبلي ممثلًا لامعًا للمدرسة الإسبانية المغربية الأيبيرية العلمية الفلسفية، فكان حاسبًا وفيلسوفًا، وهو في الوقت نفسه عالم متخصص في العقيدة الإسلامية، ذو معارف واسعة، ونظرات محددة تمامًا في التاريخ، والسياسة، والاقتصاد.
كذلك كان الآبلي يعطف على الحركة الشعبية التي كان يتحدث عنها بلا إدانة، بل بالتمنيات الطيبة. (المقدمة ج2، 300).
ولقد عبَّر الآبلي عن علاقاته السلبية بالنسبة للضرائب الباهظة، التي هي -على حد اصطلاحه- «غير قرآنية»، (المقدمة، ج2، 173 - 175) ويكفي أن نذكر أن شعار النضال ضد الضرائب غير القرآنية كان هو الشعار الأساسي للثورات الشعبية في شمالي إفريقيا ابتداء من عصر الاغالبة.
ولقد أُسر الآبلي في تونس مع حاشية السلطان أبي الحسن، حيث أقام هناك نحو ست سنوات (من 1347 إلى 1352) في الأيام التي كان فيها ابن خلدون يتتلمذ عليه.
الاضطرابات السياسية: عصر الأزمات وانهيار الدول الحفصية
وهذه السنوات كانت سنوات صعبة بالنسبة لإفريقية، فبعد وفاة السلطان الحفصي أبي بكر (1346) بدأ أبو زكريا في سياسة توطيد الحكم المركزي، كما بدأ النضال بين الورثة في سبيل العرش، ومن هنا تقرر استخدام شيوخ الموحدين لمحاولة إضعاف الحكومة المركزية، فاستشار الوزير ابن تافراكين -وهو ممثل «انتقام الموحدين»- السلطان المريني أبا الحسن للتدخل فاتخذ جميع التدابير لكيلا يتيح فرصة المقاومة المسلحة ضد جيش المرينيين.
لكن أبا الحسن الذي احتل تونس لم يحترم حلفاءه ولا مصالح الفئات العريضة من جماهير السكان الإفريقيين، فحاول أن يزيد حصيلة الضرائب، فخطا في هذا السبيل خطوة طائشة جدًا أفقدته عرشه، ثم حياته، فلقد أمر بأن تُرد أراضي الإقطاع إلى بيت المال، لكن هذا التدبير أثار أقصى درجات السخط لدى الدوائر الإقطاعية، وخاصة شيوخ القبائل العربية ذوي الجبروت.
فأصابوا أبا الحسن بقواتهم المتحدة بالهزيمة المنكرة تحت أسوار القيروان، وحاصروه مع فلول جيشه في تونس، واستغل أبو عنان بن أبي الحسن هذه الهزيمة، فاستولى على عرش أبيه في فاس، وبعد مقتل أبي الحسن انتقلت السلطة في تونس إلى شيخ الموحدين، واستطاع ابن تافراكين أن يتفق مع القبائل، وساعده على ذلك أن السلطان كان ينادي بوضع الأمير الحفصي أبي إسحاق تحت استبداده تمامًا.
وكان التدخل، والحروب، وقوة شيوخ الموحدين، ونهب القبائل العربية القوية، وأخيرًا طاعون 1348، وتدهور مدن إفريقية - كان كل هذا ينعكس بأقصى ثقله على أحوال البلاد، ومن جديد دخلت الدولة الحفصية مرحلة الانهيار الاقتصادي والأزمات السياسية العنيفة لسنوات طويلة.
في إبان هذا الوباء مات والد ابن خلدون، ومات أساتذة تونس وعلماؤها الأجلاء، وعاد معظم العلماء الذين كانوا في حاشية أبي الحسن إلى فاس، لكن الآبلي ظل في تونس، وظل ابن خلدون يتردد عليه بانتظام لتلقي الدروس.
الدخول إلى معترك السلطة: من قلم الكتاب إلى سكرتارية السلاطين
وبعد رحيل الآبلي التحق ابن خلدون -تحت الحاح أخيه الأكبر محمد- التحق بخدمة الدولة، فعين في «قلم الكتاب»، وأصبح كبير الأمناء بديوان السلطان، إلا إن الموقف المضطرب في تونس، وشغف ابن خلدون بالاستمرار في دروسه، استحثه على أن يترك الوظيفة عند أول فرصة ملائمة ليرحل إلى فاس في بعض المهام، وهناك -بفضل رعاية العلماء لابن خلدون، والمحاضرات التي يتلقاها في تونس- التحق بالحاشية، وتسلَّم وظيفة صغيرة في ديوان السلطان، وقد كتب ابن خلدون أنه قبل هذه الوظيفة كما يقول «على كره مني إذ كنت لم أعهد مثله لسلفي، وعكفت على النظر، والقراءة، ولقاء المشيخة أهل المغرب وأهل الأندلس، الوافدين في عرض السفارة».
وسرعان ما نجح ابن خلدون إلى حد بعيد في اكتساب عطف السلطان، فعيَّنه سكرتيرًا له، وسمح له بالمشاركة في مجالسه ومناظراته العلمية، والتوقيع عنه.
وفي هذه الآونة تزوج ابن خلدون من ابنة قائد جيش الحفصيين المعروف محمد بن الحكم، الذي ينتمي إلى واحدة من أشهر الأسر الإفريقية.
غير أن ابن خلدون لم يستمتع برعاية أبي عنان طويلًا، فقد شغل بالدسائس السياسية التي كان يحيكها الأمير الحفصي أبو عبد الله محمد، أمير بجاية السابق، الذي كان أسيرًا حينذاك في فاس، وكان من نتيجة ذلك أن وجد ابن خلدون نفسه في السجن، حيث أمضى واحدًا وعشرين شهرًا، حتى توفي السلطان أبو عنان (1358)، ومنذ ذلك الوقت يبدأ الدور البارز لابن خلدون كرجل دولة.
هكذا كان الجو السياسي للمغرب في تلك السنوات مضطربًا للغاية، وكانت سلطة الأكثرية العظمى من الحكام ضعيفة إلى أقصى حد، ولم تكن مدة حكم أحدهم تتجاوز بضع سنوات، وأحيانًا بضعة أشهر.
وإزاء بوادر الضعف الذي طرأ على الحكم لم يكن لرجل دولة مثل ابن خلدون أن يبدأ البحث عن سند جديد موثوق به، ولم يكن ابن خلدون بدعًا في هذا الصدد، فقد اشترك ابن خلدون في الحروب الداخلية التي دارت رحاها بين ورثة أبي عنان فيما بين عام 1358 وعام 1360، وفي هذه الفترة نجح ابن خلدون في أن يقدم مساعدات ضخمة لسلطان غرناطة، محمد الخامس، ووزيره المؤرخ والشاعر المعروف، ابن الخطيب.
في هذه السنوات شغل ابن خلدون مناصب عليا في جهاز الدولة المرينية أكثر من مرة، ووطد مركزه بصفة خاصة إبان نيابة الوزير عمر بن عبد الله عن الملك، وهو صديق قديم لابن خلدون، إذ عينه في وظيفة كاتب السر والإنشاء للسلطان، ثم ولَّاه خطة القضاء، وقد كتب ابن خلدون أنه كان «يسمو بطغيان الشباب إلى أرفع مما كان فيه»، معتمدًا على صداقته لعمر بن عبد الله، وقد كان هذا سببًا في إضعاف الصلة بين الوزير وبين ابن خلدون؛ ما ترتب عليه أن غادر ابن خلدون فاس.
الرحلة إلى غرناطة: سفير فوق العادة لدى ملك كاستيل
وفي عام 1362 توجه ابن خلدون إلى غرناطة، حيث تولى خدمة السلطان محمد الخامس، الذي كلف ابن خلدون بعمل خطير، إذ جعله سفيرًا عنه في إشبيلية لدى بيدرو القاسي، ملك كاستيل وليون، من أجل توقيع معاهدة للسلام، وقد استطاع ابن خلدون أن يؤدي هذه المهمة بنجاح، وأن يظفر بعطف الملك بيدرو، حتى لقد اقترح ابن زرزر، طبيب بيدرو، والعارف بنسب ابن خلدون ومنشئه - اقترح على الملك أن يلحق ابن خلدون بخدمته، وأن يعده باسترداد جميع الأراضي والثروة التي كان يمتلكها أسلافه في إشبيلية.
ولكن ابن خلدون رفض تنفيذ هذا الاقتراح، وغادر إشبيلية إلى غرناطة، حيث شغل مكانة مرموقة في حاشية السلطان، إلا إن الاهتمام والرعاية الكبيرين اللذين كان يلقاهما ابن خلدون من السلطان، سريعًا ما أزعجا الوزير ابن الخطيب، ولو أنه كان إنسانًا مثقفًا نابغة ذا مواهب متألقة، فهو شاعر، ومؤرخ، ولغوي، فضلًا عن أنه كان صديقًا حميمًا لابن خلدون.
وكانت صداقتهما فريدة في نوعها، ولهذا لم يشأ ابن خلدون أن يسيء إلى علاقة الصداقة التي كانت بينهما، فأسرع بقبول دعوة أبي عبد الله محمد، حاكم بجاية، الذي كان على علاقة طيبة معه في أثناء خدمته لأبي عنان، وهكذا غادر ابن خلدون إسبانيا عام 1365، متوجهًا إلى بجاية.
أوج النفوذ السياسي: منصب الحجابة في بجاية وإدارة القبائل
وفي خدمة الأمير أبي عبد الله محمد بلغ ابن خلدون أوجًا عظيمًا في أداء دوره السياسي البارز، إذ عُين في منصب الحاجب، الذي كان يعني في المغرب السلطة الإدارية الكاملة التي لا تخضع لأي إشراف، فكان رئيسًا لجهاز الدولة، وأكثر قربًا من شخص الأمير.
وكان نشاط ابن خلدون في هذا المنصب نشاطًا موفقًا، إذ نجح في قمع تمرد شيوخ القبائل الرحل، وأجبرهم على دفع الضرائب، ونظم عمل الجهاز الإداري، فتوقفت الحرب بين أبي عبد الله وبين ابن عمه أبي العباس حاكم قسنطينة.
ولما قُتل أبو عبد الله في أثناء المعركة، واستولى أبو العباس على مدينة بجاية وإقليمها، التحق ابن خلدون بخدمته، إلا إن علاقة ابن خلدون بأبي العباس كانت مشوبة بكثير من الحذر وشبهة العدوان؛ ما اضطر ابن خلدون إلى أن ينتهز أول فرصة ليفر إلى يعقوب بن علي زعيم قبيلة الدواويد العربية، ثم إلى بسكرة، فإلى صديقه أحمد بن مزنة حاكم إقليم الزاب، الذي زوَّده بالمال، وأبدى له التأييد المتواصل لكي يستخدم نفوذه على القبائل.
ومن جديد يظهر ابن خلدون في بسكرة، مركز المؤامرات السياسية التي صاحبت نضال أمراء المغرب، وذلك من أجل التأثير في القبائل.
وقد حاول أبو حمو سلطان تلمسان الساخط على تقوية أبي العباس الذي ملك بجاية - حاول أن يناضل من أجل استرداد مدينة بجاية، فتمكَّن من القيام بحملة لضمان تأييد قبائل الرياحيين العرب بالمغرب الأوسط، الذين كانوا أقوى من الدواويد، وكانت قد عرفت العلاقات الودية بين ابن خلدون وبين كل من يعقوب بن علي زعيم قبيلة الدواويد، وابن مزنة صاحب الزاب، وهما اللذان كان ابن خلدون يستخدمهما في التأثير في شيوخ الدواويد.
وكان أبو حمو قد عرض على ابن خلدون منصب الحجابة، فاعتذر عن قبوله، وأرسل أخاه يحيى نائبًا عنه إلى تلمسان، ومع اعتذاره عن قبول المنصب فقد قبل الوساطة في المفاوضات بين أبي حمو وبين القبائل، واستطاع أن يستميل شيوخ الرياحيين إلى جانب أبي حمو، أما أخوه يحيى فقد اشتهر فيما بعد كمؤرخ لدولة عبد الواد.
التحول الكبير: الزهد في المناصب والعودة إلى محراب العلم
في ذلك الوقت (أي نحو عام 1368) برزت نقطة التحول في حياة ابن خلدون فيما يتعلق بنشاطه السياسي والعلمي، فكان في مقدمة الأدوار البارزة لابن خلدون -بالإضافة إلى ظمئه للمعرفة ومثابرته على تحصيلها- أن نجح في الحصول على أحسن ما يمكن أن يتلقاه إنسان في عصره من ثقافة، ورأى كل ما يمكن أن يراه إنسان من المعارف في الظروف المهمة التي قام فيها بأعماله الناجحة في خدمة الدولة.
في هذه الفترة، وابتداء من عام 1368 بدأت تظهر عند ابن خلدون ميول جديدة، يتحدث عنها وعن زهده في الوظيفة: «متفاديًا عن تجشم أهوالها، بما كنت نزعت عن هواية الرتب، وطال عليَّ إغفال العلم، فأعرضت عن الخوض في أحوال الملوك، وبعثت الهمة على المطالعة والتدريس».
لقد كانت هذه السنوات من حياة ابن خلدون ونشاطه السياسي مشبعة بطموح الشباب وغروره، ثم عاد ابن خلدون من نزواته، ولكنه عاد متأخرًا بعض الشيء.
ويمكننا أن نحس بسخرية ابن خلدون من سعيه الطموح، حينما يكتب عن علاقته بالوزير عمر بن عبد الله، إذ تبدو فيما يكتب مسحة من خيبة الأمل، والمتاعب، والطموح إلى ما هو أكبر من المؤامرات السياسية - تبدو للمرة الأولى في ذكرياته عن عام 1368، ثم تشيع أكثر فأكثر في حالته النفسية.
ومع أن ابن خلدون ظل على علاقة وثيقة جدًا بالحياة السياسية في المغرب، فإن ذلك لم يكن يعني تحديد مستقبله الحقيقي. وعلى أي حال فلا حاجة بنا إلى الحديث عن سعيه إلى الانسحاب من ميدان السياسة نهائيًا، فإنه على النقيض من ذلك كان ابن خلدون -كما يعرض في كتابه- يرى في العلم وسيلة للتنظيم الذي يسبغ على خبرته أهلية خاصة.
وليس النشاط السياسي هو الذي أحدث خيبة الأمل في الدور السياسي البارز الذي يكتب عنه ابن خلدون أكثر من مرة بعد عام 1368، ولكن الذي أحدث ذلك هو الاضطرابات الداخلية، ودسائس رجال البلاط، والضحايا التي لم تتوقف مطلقًا، فهذه الاضطرابات والمكايد كانت تستنزف قواه، وتستغرق وقته، وتفقده القدرة على الاتجاه إلى الأعمال العلمية والأدبية.
وعندما بدأ ابن خلدون يفكر جديًا في كل ما هو أكثر أهمية وأكثر خطورة، بدا ذلك واضحًا في رفضه لمنصب الحجابة في دولة عبد الواد بصفة خاصة، وفي المحاولات التالية للتخلص من الوظائف الإدارية ووظائف الحاشية بصفة عامة.
لقد باءت حملة أبي حمو بالإخفاق، وعدا هذا فقد وجد أبو حمو نفسه في حالة حرب مع السلطان المريني عبد العزيز، فحاول ابن خلدون أن يبعد نفسه عن الحرب الشاملة التي اجتاحت المغرب الأوسط، ولهذا اعتزم السفر إلى إسبانيا، لقد كان طوال السنوات التي تلت عودته من الأندلس يتبادل رسائل الود والتأييد مع صديقه ابن الخطيب، آملًا أن يتنحى عن مناصب الدولة، فيجد في إسبانيا ظروفًا أفضل للبحث العلمي، لكنه مُنع من السفر إلى إسبانيا، إذ اعتقل في هنين بأمر من السلطان عبد العزيز، الذي أخذ ينظر في أمر ابن خلدون، ويؤنبه على انضوائه تحت لواء أعدائه.
وهنا وجد ابن خلدون نفسه مجبرًا على التخلي عن السفر إلى إسبانيا، و«رغبة في التخلص من الهموم والشواغل» قرر ابن خلدون أن يعتزل في رباط أبي مدين، إلا إن ابن خلدون ما كاد يشرع في عمله الفكري العلمي حتى اجتذبته الدسائس السياسية من جديد.
لقد تطورت الحرب مع سلطان المرينيين أبي حمو تطورًا سيئًا بالنسبة له، فغادر تلمسان مع حلول جيشه المنهزم، لكنه عندما ظفر بتأييد قبائل الدواويد استطاع أن يدبر فرصة للانتقام، وحينئذ كان عبد العزيز قد قرر أن يستميل الدواويد إلى جانبه، ولجأ في ذلك إلى ابن خلدون لكي يستخدم نفوذه على شيوخ القبائل الذين كانوا يلازمونه تمامًا في مملكة عبد العزيز.
ولم يجد ابن خلدون مفرًا من القيام بهذا التكليف، وقد ساعدته صداقته لزعيم الدواويد، يعقوب ابن علي في هذه المرة على أن ينجح في تحويل الدواويد إلى جانب السلطان المريني، وكان مصير الحرب قد تقرر، ففر أبو حمو إلى الصحراء، متخليًا عن الاستمرار في النضال بصفة مؤقتة، وذهب ابن خلدون إلى بسكرة، مندوبًا فوق العادة، ومفوضًا من قبل السلطان لتوثيق أواصر الصلة بينه وبين القبائل المقيمة في مركز إقليم قبائل الدواويد.
وينبغي أن نشير هنا إلى أن ابن خلدون قاد أكثر من عملية حربية منذ استخدمه أبو عبد الله أمير بجاية، وأبو حمو، فأبدى في هذه العمليات كفاءة تنبئ بأنه قائد حرب موهوب.
ابن خلدون في قيادة الجيش المرابط
وفي إبان خدمته لعبد العزيز (1370 – 1372) قاد ابن خلدون بنفسه الجيش المرابط لقبائل الرياحيين، فاكتسب من خلال ذلك شهرة حربية، وتصرف في الأموال التي أرسلها إليه السلطان لتوزيعها على شيوخ الرياحيين، فأزعج ذلك ابن مزنة صاحب الزاب إلى حد كبير، فاستخدم نفوذه القديم والمتصل على القبيلة.
وبناء على طلب ابن مزنة قام عبد العزيز بنفي ابن خلدون من بسكرة، إلا إنه في عام 1372 تغير الموقف تغيرًا مفاجئًا، فما كاد ابن خلدون يصل إلى تلمسان حتى علم بموت عبد العزيز، وعودة أبي حمو إلى المغرب الأوسط، مؤيدًا من بني مقيل، فاضطر ابن خلدون -لكي ينجو بنفسه سريعًا- أن يفر، محاولًا أن يلتحق بفاس هو وقافلته عبر الصحراء، حيث فقدت فصيلته رجالها وخيولها وهي تصعد الجبل، ووجد ابن خلدون نفسه ورفاقه في صحراء مجدبة بلا زاد ولا ماء، وقد فقدوا الأمل في النجاة، وتعقبتهم عصابة قادمة من تلمسان، فلم ينج ابن خلدون من الهلاك وحده إلا بمشقة بالغة.
والثابت أن ابن خلدون صار عضوًا في مجلس الحاكم في فاس، وأنه شغل كلية العلوم، وقرر ألا يتدخل في شؤون السياسة أكثر من ذلك، إلا إنه حتى في هذه المرة لم يستطع أن يحقق رغبته.
فبعد وفاة السلطان عبد العزيز قسم المغرب الأقصى بين سلطان المرينيين الجديد أبي العباس (الذي جعل من فاس عاصمة له)، وبين الأمير عبد الرحمن، صاحب جنوب البلاد (الذي اتخذ مراكش عاصمة له)، وفي عهد كلا الحاكمين أخذ أبو العباس يلقي ظلالًا من الشبهات على العلاقات القائمة بين الأمير عبد الرحمن وابن خلدون.
وكان من نتيجة ذلك أن اضطر ابن خلدون لمغادرة فاس، ساعيًا إلى السماح له بالرحيل إلى إسبانيا، وسرعان ما وصل ابن خلدون إلى غرناطة (عام 1374)، لكن التقلبات التي حدثت هناك انعكست بطريقة غير ملائمة على موقف ابن خلدون، ففي عام 1372 ترك لسان الدين بن الخطيب عمله في بلاط غرناطة، وفرَّ إلى المغرب لاجئًا إلى السلطان عبد العزيز، وكان قبل فراره قد وجه إلى السلطان محمد الخامس خطابًا شديدًا أدان فيه الأعمال السياسية للسلطان، وبعد وفاة عبد العزيز قبض السلطان أبو العباس على ابن الخطيب بناء على طلب محمد الخامس، وأدانه في محاكمة خاصة بتهمة الإلحاد.
المأساة والوفاء: محاولة إنقاذ لسان الدين بن الخطيب
وحدث في فاس أن بذل ابن خلدون في ذلك الوقت كل جهد ممكن لكي ينقذ صديقه ابن الخطيب، لكن جهوده ذهبت أدراج الرياح؛ إذ حدث -بتحريض من رجال الدين- أن اقتحمت جماعة من المتعصبين أبواب السجن واغتالوا ابن الخطيب. وهكذا لقي هذا الشاعر الموهوب والمؤرخ اللامع حتفه وهو أقرب من صديقه ابن خلدون، والمعروف أن محمد الخامس قرر إبعاد ابن خلدون من إسبانيا بإيعاز من أبي العباس لأنه كان يسعي لإنقاذ ابن الخطيب.
ومن جديد وجد ابن خلدون نفسه ملقى على ساحل إفريقية في مرفأ هنين، وكان هذا المرفأ داخلًا في نطاق ممتلكات أبي حمو، وبفضل شفاعة أحد أشراف المغاربة العظام، وهو زعيم بني عريف من قبيلة الدواويد، محمد بن عريف، صديق ابن خلدون القديم، والموجود في ذلك الوقت بتلمسان، بفضل شفاعة هذا الزعيم سمح أبو حمو لابن خلدون أن يستقر في رباط أبي مدين.
وفي ربيع 1375 بدأ ابن خلدون يلقي دروسًا عامة هناك في موضوعات لا تزال غير معروفة لنا حتى الآن مع الأسف، لكن أبا حمو لم يترك ابن خلدون هذه المرة أيضًا في هدوء، بل أرسله -مفوضًا عنه- إلى الدواويد.
قلعة ابن سلامة: 4 أعوام شهدت ميلاد «المقدمة»
وما أن وصل ابن خلدون إلى أحياء بني عريف، حتى وجَّه كتابًا إلى السلطان يعتذر فيه عن القيام بهذه المهام الموكلة إليه، وهنا يكتب ابن خلدون: «وأنزلوني بأهلي في قلعة ابن سلامة من بلاد بني توجين التي صارت لهم بإقطاع السلطان، فأقمت بها أربعة أعوام، متخليًا عن الشواغل كلها، وشرعت في تأليف هذا الكتاب». («كتاب العبر» - التراجم السوفييتية).
وفي الموضوع نفسه يقول: «وأكملت المقدمة على هذا النحو الغريب.. ولما نزلت قلعة ابن سلامة من أحياء أولاد عريف، وسكنت منها بقصر أبي بكر بن عريف الذي اختطه بها، وكان أحفل المساكن وأوثقها، ثم طال مقامي هنالك وأنا مستوحش من دولة المغرب وتلمسان، وعكفت على تأليف هذا الكتاب، وقد فرغت من مقدمته إلى أخبار العرب والبربر وزناتة، وتشوَّقت إلى مطالعة الكتب والدواوين التي لا توجد إلا بالأمصار، بعد أن أمليت الكثير من حفظي».
عبقرية بلا مراجع: كيف كُتبت «المقدمة» في ستة أشهر؟
وقد انتهى ابن خلدون من العمل في المقدمة من حيث الأساس في نحو ستة أشهر، آخذًا قدرًا كبيرًا من الكتب، وعددًا من الحقائق والظواهر المدروسة، وذلك مع عدم وجود المراجع، وكذلك التنظيم الدقيق لتنظيمها، والتفكير غير المألوف، وإتمام المواضع، وشرح النتائج. ومن الضروري أن نتوصل إلى استنتاج أن مدة العمل في الكتاب لا تتحدد بمدة كتابته أو الفراغ من تكملته.
ولا شك أن ابن خلدون فكَّر في كتابه كثيرًا قبل عام 1375، ولا شك أيضًا في أنه قام باستعداد ضخم لدراسة وتحليل عدد كبير من المراجع المطبوعة وتحليلها.
وابن خلدون لم يخبرنا -مع الأسف- عن متى وكيف، ولا في أي الظروف نضجت لديه فكرة تدوين كتابه، إلا إنه من مقارنة بعض اللمحات المتفرقة في سيرته الذاتية يمكن أن نضع استنتاجات مبدئية لهذا الاعتبار.
لقد صيغت أسس عقيدة ابن خلدون تحت تأثير الآبلي، الذي مجَّده ابن خلدون، والذي استشهد بتأثيره أكثر من مرة في طائفة من المسائل المهمة. ومن الواضح أن أبحاثه في الرياضة والمنطق والفلسفة كُتبت تحت تأثير معلم ابن خلدون.
وهذا العالم العقلي الديمقراطي، «والأستاذ الكبير للعلوم العقلية» يعرف للمرة الأولى بالتفصيل في فلسفة ابن خلدون، فتحت إشرافه درس ابن خلدون أعمال ابن سينا، وفخر الدين الرازي، ونصر الدين الطوسي، وابن رشد.
لقد كتب ابن خلدون بحثه الفلسفي الأول «لباب المحصل» في أصول الدين في نحو التاسعة عشرة من عمره (عام 1351) وهو الذي نشره الأب الأوغسطيني لوسيانو روبيو في تطوان، 1952.
وبهذا يكون ابن خلدون قد اضطر للمرة الأولى أن يختار بين المدرسة الأرسطوطالية الكلاسيكية للكندي والفارابي وابن سينا، وبين الدياليكتيكية لعلماء الدين المحض. وكان بحث ابن خلدون صدىً فريدًا بين فخر الدين الرازي (القرن الثاني عشر) ونصر الدين الطوسي (القرن الثالث عشر)، فالرازي -في أحد كتبه: «محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين»- ينقد بموقفه من علماء الدين واقع المدرسة الفلسفية، وبخاصة ابن سينا، أما دفاع الفلاسفة فيتحدث به نصر الدين الطوسي في كتابه «تلخيص المحصل».
ولقد درس ابن خلدون هذه الأعمال تحت إشراف الآبلى، وجمع بين كلا المؤلفين، مؤيدًا جانب نصر الدين الطوسي، وتبعًا لذلك كتب ابن خلدون بحثًا عن فلسفة ابن رشد.
لم يتوقف ابن خلدون -إذن- عن الإقبال على المعرفة، والاستمرار في التأليف، حتى وهو في قمة الفترات العاصفة من حياته السياسية، واستنتاجًا من المعلومات الوفيرة الواردة عنه نرى أنه في الفترة السابقة على عام 1375 كان يستخدم إمكانياته الفكرية على نطاق واسع للاطلاع على خزائن الكتب الخاصة في فاس، وتلمسان، وتونس، وبجاية، وغرناطة. كذلك كان في إبان تطوافه وحياته بين القبائل الرحل في بسكرة (1370 – 1371) - كان يلتقي بالناس والأخبار والمعلومات التي استخدمها فيما بعد في المقدمة.
وفيما بين عام 1355 وعام 1358 نشأت صداقة وطيدة بينه وبين كل من ابن الخطيب وابن زرزر، واتصلت المراسلات بينهم، ولكنها لم تستطع أن تعبر بشجاعة عن كل اهتمامات ابن خلدون القوية بالمعارف العلمية.
وفي عام 1368 -حينما بلغ ابن خلدون السادسة والثلاثين من عمره- كان يحمل على عاتقه ستة عشر عامًا من الأعمال السياسية البارزة التي أحرز فيها نجاحًا هائلًا، وهو يقرر أنه سيكرس كل قواه للنشاط العلمي والأدبي، وكل المؤلفات تفترض أنه كان يفكر طوال هذا الوقت في مؤلفه التاريخي بالذات.
وليس من باب المصادفة أن كل ما هو أعظم وكل ما هو أروع يتجلى في رغبة ابن خلدون في أن ينتزع نفسه من الدوامة التي كانت تشده إلى المؤامرات السياسية.
وها قد سنحت له فرصة الانفراد بنفسه في قلعة ابن سلامة لكي يتوصل في النهاية إلى التركيز الذي لا بد منه لكي يبدأ في تدوين كتابه، ولكنه ما يكاد ينتهي من الجزء النظري من الكتاب حتى أدرك أنه بدون الدراسة المتمعنة في المراجع لن يتمكن من البدء في الجزء التاريخي، ولهذا يقرر مغادرة القصر المنعزل.
لم يكن عدم وجود الكتب والمراجع هو السبب الوحيد الذي دفعه إلى اتخاذ هذا القرار، بل إن ابن خلدون رأى أنه لا يستطيع أن يقتصر على الشواغل العلمية وحدها، ولا بد له إلى جانب ذلك من قاعات الدروس الحية التي يبسط فيها نظرياته في تاريخ المجتمع وسياسة الدول.
الصدام الأيديولوجي: ابن خلدون في مواجهة تزمت ابن عرفة
وما كاد ابن خلدون يصل إلى تونس حتى بدأ يلقي الدروس التي كان يشرح فيها نظرياته التاريخية والسياسية، وكان في الوقت نفسه يواصل عمله في التاريخ للعرب والبربر، فأتم تدوينه من ناحية الأساس عام 1381، وإلى جانب ذلك نجح ابن خلدون في هذه الفترة في كسب ثقة السلطان وعطفه، الأمر الذي منحه فرصة العمل الهادئ في التأليف، إلا إنه مع ذلك وجد نفسه مضطرًا أن يخوض نضالًا عنيفًا ضد خصومه الأيديولوجيين والسياسيين، وهم أصحاب الرجعية من رجال الدين ورجال الحاشية.
ولقد صور ابن خلدون هذا الصراع لا على أنه صدام بين نظريتين، ولكن على أنه مؤامرة موجهة إلى شخصه من المفترين والحاسدين، وقد كتب يقول في هذا الصدد: «فغص بطانته (السلطان) بذلك، وأفاضوا في السعايات عند السلطان فلم تنجح، وكانوا يعكفون على إمام الجامع، وشيخ الفتيا محمد بن عرفة، وكانت في قلبه نكتة من الغيرة من لدن اجتماعنا في المغرب بمجالس الشيوخ، فكثيرًا ما كان يظهر تفوقي عليه وإن كان أسنَّ مني، فاسودت تلك النكتة في قلبه، ولم تفارقه.
ولما قدمت تونس انثال عليَّ طلبة العلم من أصحابه وسواهم، يطلبون الإفادة والاشتغال، وأسعفتهم بذلك، فعظم عليه، وكان يسر التنفير إلى الكثير منهم، فلم يقبلوا، واشتدت غيرته».
واشتدت الحملات على ابن خلدون بعد فراغه من العمل في تأليف كتابه بوجه خاص، «كثرت سعاية البطانة بكل نوع من أنواع السعايات، وابن عرفة يزيد في إغرائهم متى اجتمعوا إليه، إلى أن أغروا السلطان بسفري معه، ولقنوا النائب بتونس أن يتفادى من مقامي معه، خشيةً على أمره مني بزعمه».
كان من نتيجة ذلك الضغط الذي قام به رجال الدين الإسلامي أن طلب السلطان من ابن خلدون أن يرافقه في حملته على الجنوب، وما كاد يعود إلى تونس حتى بدأ أبو العباس في الاستعداد لحملة جديدة على الزاب، «فخشيت أن يعود في شأني ما كان في السفرة قبلها، وكانت بالمرسى سفينة لتجار الإسكندرية، وقد شحنها التجار بأمتعتهم وعروضهم، وهي مقلعة إلى الإسكندرية، فتطارحت على السلطان، وتوسلت إليه في تخلية سبيلي لقضاء فرضي، فأذن لي، وخرجت إلى المرسى، والناس يتساءلون على أثري من أعيان الدولة والبلد، وطلبة العلم».
الهروب الكبير: من تونس إلى رحاب القاهرة عام 1382
وفي 25 أكتوبر عام 1382 غادر ابن خلدون المغرب إلى الأبد.
لقد تعرَّض ابن خلدون بطريقة دائمة وقاسية لحملة اضطهاد منظمة على نطاق واسع في تونس بعد تدوين المقدمة والابتداء في إلقاء الدروس العامة، وليس من الممكن أن نعترف بتفسيره لحسد ابن عرفة وبعض رجال الحاشية بسبب طباعهم الخبيثة وحدها، إذ من المستحيل أن نفسر المؤامرات بمجرد أن رجل الدين قد انتصر سياسيًا، واضطر هذا المؤرخ والعالم الاجتماعي إلى النفي، فإن ابن خلدون لم يكن أقل من ابن عرفة خبرة أو مهارة في ذلك النوع من النضال الذي قاده عدوه ضده، ولو أنهما من وجهة النظر العقائدية لم يكونا على طرفي نقيض تمامًا من حيث الأساس العام للحياة العقلية في تونس، ومن المستبعد أن يكون ابن خلدون قد فرَّ بطريقة عشوائية.
ومن الضروري أن نلاحظ أن المواقف السياسية لابن عرفة وابن خلدون كانت متشابهة في كثير من الأحيان، فكلاهما كان يدافع عن مصالح السلطة المركزية ونبلاء المدينة في مواجهة النزعات الحربية الانفصالية لزعماء القبائل، ولكن الخلافات التي وقعت بينهما حملت صيغة التعبير الأيديولوجي وحده.
فلقد كان القرن الرابع عشر عصر سيطرة الطبقات الرجعية من رجال الدين الإسلامي على بلدان المغرب، وكان عصر التطور النهائي للتزمت والتعصب الديني، عصر المطاردة والاضطهاد لأولئك العلماء الذين كانوا يشتغلون بالعلم، والذين لم يكونوا مرتبطين مباشرة بطبقة رجال الدين.
وفي تونس كان الاحتفاء بالمذهب المالكي المحافظ، ذي التزمت الديني الشديد، الذي ارتبط باسمه اسم ابن عرفة أولًا وقبل كل شيء، فكان ابن عرفة الفرجمي (1316 – 1401) هو المفتي الأكبر، وإمام المسجد الجامع منه عام 1355، وكان شخصًا نشيطًا، محبًا للسلطة، وسرعان ما نجح في مسعاه حتى وجد الجزاء الأكبر من الشؤون الدينية مركزًا في كلتا يديه، لا ينازعه في نفوذه على المسائل الثقافية والتشريعية منازع، لا في إفريقية وحدها، بل في بلدان المغرب جميعًا، وفي الأندلس كذلك.
وعلى الرغم من «العدالة» التي اشتهر بها ابن عرفة، وعلى الرغم من التقشف الظاهر الذي اتسم به، فقد كان يقتني ثروة ضخمة، إذ كان يمتلك في تونس كثيرًا من الأموال المنقولة، والعملة الذهبية، حتى إنه ترك بعد وفاته ثمانية عشر ألف دينار.
وبمساعي ابن عرفة وشيعته اتخذ اضطهاد «أحرار الفكر» في تونس أشكالًا قاسية للغاية، حتى كان أقل انحراف عن السنة الرسمية يعاقب مرتكبه بصورة بالغة القسوة، كما كان ابن عرفة نفسه واحدًا من أقسى القضاة.
لم يكن ابن عرفة ينكر تطور العلوم، ولكنه كان يعني بالعلوم تلك المواد القائمة على أساس دراسة الكتب الدينية فحسب، ولهذا كان ابن عرفة يرى أن البحث في المبادئ التقليدية تدنيس للمقدسات، وباستحواذه على العلوم اعترف بالمواضع الغامضة في المذهب. ويجب أن نأخذ في الاعتبار أن رأي ابن عرفة كان هو الرأي السائد في النظرة الرسمية إلى العلوم.
ليس من العسير -إذن- أن ندرك في أية ظروف وجد مؤلف «المقدمة» نفسه في تونس، فبالرغم من الاقتباسات والاستشهادات القرآنية نرى الاتجاه المادي في المقدمة واضحًا جدًا.
ولقد أدرك عالم الدين المؤمن ابن عرفة مادية ابن خلدون بطريقة أوفى بكثير مما أدركها المؤلفون البورجوازيون في القرنين التاسع عشر والعشرين، وبقسوة المتعصب المقتنع طارد ابن عرفة ابن خلدون، معلنًا خطره على شخصية الدولة.
ولم يعجب ابن خلدون -بالطبع- من اتهام ابن عرفة له، وهو الاتهام أساسًا بالإلحاد، لأن هذا الاتهام كثيرًا ما كان يتردد بوضوح كافٍ في تصريحات ابن عرفة في الماضي عن ابن خلدون.
ولكن ما كان السلطان أبو العباس يستجيب لاتجاهات ابن عرفة، حتى كان ابن خلدون قد أقلع من تونس متوجهًا إلى الإسكندرية، ولا بد أن يكون مصير ابن الخطيب -الذي قتل في قلعة فاس من جراء شبهة واحدة في إلحاده- ماثلًا يومذاك بوضوح في ذاكرة ابن خلدون.
والذي يشهد بأن رحيل ابن خلدون العاجل لم يكن في الواقع إلا فرارًا، ليس تلميحات ابن خلدون نفسه، ولا الإشارات المباشرة لمعاصريه فحسب، ولكن يشهد بذلك الواقع نفسه، لأن أسرته سرعان ما اعتقلت بأمر من السلطان.
في «أم الدنيا»: منبر الأزهر وعطف السلطان برقوق
تركت الإسكندرية والقاهرة في نفس ابن خلدون انطباعًا لا يُمحى، فقد كانت القاهرة أكبر المدن في عصره، وأشهرها تجارة وصنائع، وأجملها عمارة، وأكثرها تعدادًا في السكان وتنوعًا في اللهجات، كما أنها أكثر نشاطًا في مجالات الحياة المدنية.
كذلك كانت الإسكندرية ميناء على الطريق الرئيس للتجارة العالمية بين الهند وبلدان البحر الأبيض المتوسط، كما كانت القاهرة عاصمة لأكثر الدول الإسلامية غنى وازدهارًا في الشرق الأدنى، وقد اشتهرت كلتا المدينتين كمركزين كبيرين للتربية والثقافة الإسلامية. وبالإضافة إلى ذلك لم تكن مصر تعرف التعصب الديني، أو تمارس الاضطهاد الشديد القسوة الذي كان منتشرًا بدرجة كبيرة في المغرب.
وكان لا بد أن يظهر أن التسامح التام العظيم لا يلحق أضرارًا بالوضع الاقتصادي في مصر، وحتى العلوم المصرية نفسها كانت مطالبة إلى حد كبير بأن تعالج مجموعة كبيرة من مسائل العلوم الطبيعية، والسياسية، والاقتصادية، والتشريعية، أكثر مما تعالجها العلوم في أي بلد آخر من بلدان الشرق الإسلامي.
لكل هذا استقبل ابن خلدون في مصر لا بوصفه ملحدًا «خطر على شخصية الدولة»، بل بوصفه رجل شريعة، مؤرخًا ذائع الصيت، وكان كتابه معروفًا (في القوائم الأولى)، وعلى الفور، وبمجرد وصوله إلى القاهرة (فبراير 1383)، توجه إليه مستمعو مدرسة الأزهر، يطلبون إليه إلقاء سلسلة من الدروس عليهم.
وعدا مسائل المذهب المالكي (موضوع الدروس الرسمية) كان ابن خلدون يشرح في هذه الدروس نظريته عن المجتمع ولقد أحرزت دروسه قدرًا هائلًا من النجاح، يشهد بذلك ما كتبه ابن حجر العسقلاني، الذي استمع إليه حيث يقول: «إنه كان لسنًا فصيحًا، حسن الترسل، وسط النظم، مع معرفة تامة بالأمور، خصوصًا متعلقات المملكة».
وسرعان ما مثل ابن خلدون أمام السلطان برقوق، فترك لديه انطباعًا كبيرًا لعقليته الفريدة، ومعارفه الضخمة، وفهمه الدقيق لشؤون الدولة، ولذلك لم يصبح ابن خلدون مستشارًا للسلطان فحسب، بل أصبح كذلك صديقًا شخصيًا له، وقد أنقذه ذلك فيما بعد من متاعب جمة.
محاربة الفساد: ابن خلدون قاضيًا في مصر
وفي بداية عام 1384 عُيِّن ابن خلدون في منصب التدريس بمدرسة القمحية، أقدم وأضخم مدرسة في مصر، حيث كان يدرس الفقه المالكي.
وفي مارس من العام نفسه شغل ابن خلدون واحدًا من أهم المناصب في الدولة، وهو منصب قاضي قضاة المالكية، (القاضي الأعلى).
ومنذ ذلك الوقت، وخلال أكثر من عشرين عامًا، كان ابن خلدون يشارك بنشاط وفاعلية في حياة مصر السياسية والعلمية، وكلا هذين الجانبين البارزين من نشاطه يستوجبان بحثًا قائمًا بذاته.
ولقد كان وصول ابن خلدون إلى منصب القاضي، واستمراره في الخدمة العامة نحو أربع سنوات - كان هذا يعد ميزة خاصة له بصفته إنسانًا، ثم بصفته رجل سياسة، وقد كتب ابن خلدون بنفسه كيف كان يقوم بوظيفته، وبأي المبادئ اهتدى، وإلى جانب ذلك أكسبته أعماله في منصب القضاء كثيرًا من شهادات المعاصرين له - أعداء وأصدقاء.
فلقد تفقد ابن خلدون قبل كل شيء أحوال الخاضعين لدوائره القضائية، وأثبت أن الفساد هناك قد وصل إلى أعلى درجاته، وأن خداع الموظفين وتبذيرهم في الأموال التي يحاسبون عليها كان شيئًا مألوفًا إلى حد كبير، وأنه لا يكاد يخفى، وكانت الأعيان الموقوفة مجالًا للمضاربة الفاحشة، تتعيش من حولها الجموع الغفيرة من المتطفلين الذين ألحق ابن خلدون نسبهم بالدراويش.
تدابير ابن خلدون القاسية
وقد اتخذ ابن خلدون تدابير قاسية جدًا لإصلاح هذا الجهاز، فلم يكن الموظفون المختلسون يفصلون من وظائفهم فحسب، بل كانوا يعاقبون بالجلد، وقد رفض ابن خلدون تدخل الوجهاء وأصحاب النفوذ في شؤون القضاء «وأنا... ماضٍ على سبيل من الصرامة، وقوة الشكيمة، وتحري المعدلة، وخلاص الحقوق، والتنكب عن خطة الباطل متى دُعيت إليها، وصلابة العود عن الجاه والأغراض متى غمز بها لامسها، ولم يكن ذلك شأن من رافقته من القضاة، فنكروه عليَّ، ودعوني إلى تبعهم فيما يصطلحون عليه من مرضاة الأكابر، ومراعاة الأعيان، والقضاء للجاه بالصور الظاهرة، أو دفع الخصوم إذا تعذرت.. وأبيت في ذلك كله إلا إعطاء العهدة حقها، والوفاء لها ولمن قلدنيها، فأصبح الجميع على عداوتي، ولمن ينادي بالتنكير على أمة... وأغروا بي الخصوم، فتنادوا بالتظلم عند السلطان».
أما محاولات ابن خلدون في النضال ضد فساد الجهاز القضائي، والإجحاف بمصالح الوجهاء وكبار الموظفين، فلم يكتب لها أن تحرز النجاح، بل إنها أدت في النهاية إلى عزل ابن خلدون.
ولقد شغل ابن خلدون فيما بعد منصب قاضي قضاة المالكية خمس مرات، لكن السلطان كان يعفيه من المنصب في كل مرة، مستسلمًا لضغط أعداء ابن خلدون من أصحاب النفوذ.
وكان من جراء نشاط ابن خلدون في منصب القضاء أن ضاقت دائرة أصدقائه إلى درجة كبيرة، وأصبحت أكثرية الفقهاء المصريين الكبار تنسب إلى ابن خلدون الجهل الشديد، وتدس ضده، وتنشر عنه أقذر الشائعات.
فرجل الدين والمؤرخ ابن حجر العسقلاني، الذي حاول أن يحتفظ بموقف الإنصاف، والذي يعترف بغزارة معارف ابن خلدون، وموهبته كمحاضر -والذي لم يجرؤ أن يتحدث باسمه لتأكيد التهم الموجهة إلى ابن خلدون- يستشهد بهؤلاء الأعداء الألداء لابن خلدون، مثل البشيشي نائب القاهرة، والركراكي.
قاضي المالكية في تأكيد هذه التهم القذرة ضد ابن خلدون، إذ يكتب ابن حجر أن ابن خلدون كان قاسيًا جدًا وأنه كان يعامل الناس بجفاء، وكان يعاقب الموقعين والشهود، كما يستشهد بالحاقدين على ابن خلدون من الفقهاء بأن ابن خلدون يجهل الشريعة، (وهي تهمة تعادل تهمة الإلحاد تقريبًا)، وأنه يمارس أسلوبًا فاسدًا في الحياة، وأنه كان عنيفًا صارمًا في تنفيذ واجباته الوظيفية، كذلك رفض ابن خلدون أن يغير زيه المغربي بزي القضاة، وقد اعتبر ابن حجر ذلك دليلًا على ازدراء ابن خلدون المتعمد للانتساب إلى الفقهاء المصريين.
ولقد استقبل علماء الدين المصريون مقدمة ابن خلدون استقبالًا عدائيًا، ومع ذلك فابن حجر نفسه يعترف بكل احترام بهذه الفصول من كتاب العبر، حيث تبرز هذه الآراء النظرية لابن خلدون، أما المقدمة فيقف منها موقف العدو اللدود، ويعلن أن كل المواقف التي يعبر عنها ابن خلدون ليست أكثر من بلاغة وتلاعب بالألفاظ، «والبلاغة تزين بزخرفها، حتى ترى حسنًا ما ليس بالحسن».
وبهذا العداء لآراء ابن خلدون وأعماله من جانب رجال الدين الرجعيين وكبار الموظفين ورجال الحاشية، لا يستبعد أن يكون ذلك تفسيرًا -كما يؤكد ذلك محمد عبد الله عنان- لادعاء ابن خلدون في مقدمته أن المصريين قوم «يغلب الفرح عليهم والخفة، والغفلة عن العواقب».
على أن محمد عبد الله عنان نفسه يشير إلى أن جزءًا كبيرًا من المجتمع المصري استقبل المقدمة بابتهاج وإعجاب.
وقد حاول ابن حجر أن يثبت أن شأن القضاء قد تضاءل حين وصل إليه ابن خلدون، يستشهد ابن حجر على رد الفعل عند مواطني ابن خلدون بصدد تعيينه في هذا المنصب، ويختار لهذا رأي ابن عرفة، وهو يعرف علاقة العداء بينه وبين ابن خلدون: «إن أهل المغرب لما بلغهم أنه ولي القضاء عجبوا من ذلك، ونسبوا المصريين إلى قلة المعرفة، حتى إن ابن عرفة قال لما قدم إلى الحج: كنا نعد خطة القضاء أعظم المناصب، فلما بلغنا أن ابن خلدون ولي القضاء عددناها بالضد من ذلك».
والاتجاه العميق لهذه الأقوال واضح تمامًا. فبالمقارنة، وبلا تحيز، يبرز المؤرخون المحايدون -مثل ابن تغري بردي- المكنون الحقيقي لكل حملات الأكاذيب والافتراءات التي شنوها ضد ابن خلدون، «فابن خلدون قد قام بالتزاماته القضائية بشعور الواجب والمسؤولية».
وفي مكان آخر يقول ابن تغري بردي: «لقد كان ابن خلدون صارمًا للغاية، وقد أنكر تدخل الشخصيات الممتازة، ورفض الرشوة، ولهذا السبب شهروا به عند السلطان، ولهذا عزله».
ابن خلدون والتعرض للاضطهاد باستمرار
هكذا تعرض ابن خلدون في كل من مصر وإفريقية للاضطهاد من جانب تكتلات معينة من الطبقة الحاكمة، والجزء الأكبر من أصحاب الرجعية الدينية ورجال البلاط.
وليس من باب المصادفة أن يردد ابن حجر هجمات ابن عرفة الشرسة، وافتراءات البشيشي الدنيئة، فالحقد على ابن خلدون وكتابه العبقري يحمل تعبيرًا واضحًا عن السمة الطبقية، وإن لم يكن ابن خلدون خصمًا لهذه الطبقة بالذات، فقد كان هو نفسه منحدرًا من هذه الطبقة، طبقة الإقطاعيين، إلا إنه كان عدوًا سافرًا لهذه الفئات الإقطاعية السياسية، التي تجر إلى التدهور الاقتصادي العام، وإلى ركود الحياة الاجتماعية، وإلى القمع الاستبدادي لكل مبادرة اجتماعية أو اقتصادية للطبقات المضطهدة، وإلى الاضطهاد العنيف لظهور أية فكرة علمية.
وهذا هو السبب في أنه حالما رفض ابن خلدون أن يكون سلاحًا أعمى في يد الزمرة الحاكمة من الطبقة الاقطاعية، وحالما عبر عن أفكاره، وباشر نشاطه وسياسته المناهضة، بدأ على الفور يتحمل كل أوزار الاضطهاد السياسي والأخلاقي.
ولقد أنقذت الشهرة اللامعة لرجل الدولة ورجل الشريعة ذي الأصالة المعروفة، والعقل المتفوق، والموهبة الفذة، واللباقة الدبلوماسية، والشخصية السامية التي لا تشوبها شائبة - هذه المزايا وحدها هي التي أنقذت ابن خلدون من مصير ابن الخطيب، وجعلته يحتفظ بهذه المكانة المرموقة في المجتمع.
وكان لهذا النشاط التعليمي لابن خلدون، الذي بدأ بنجاح في مدرسة الأزهر - كان له امتداد من بعد في مدرسة القمحية، وكان درسه الأول فيها مخصصًا لدور العلم وأهميته في الدولة، وضرورة إدخال التعليم، وتطوير العلوم. ولقد استحالت هذه الدروس إلى انتصار حقيقي لابن خلدون، حتى إن عدوًا من ألد اعدائه -مثل الركراكي- وجد نفسه مضطرًا إلى أن يعترف بأن «محاضراته إليها المنتهى»، ولو أنه -ومعه ابن حجر- رفض المضمون الفكري الذي كان مبسوطًا في المقدمة رفضًا باتًا.
وقام ابن خلدون بعد ذلك في مدرستي الأزهر وسرغتمش، وتحت ستار الاتجاه الرسمي للفقه المالكي القائم على شرح مجموعة أحاديث مالك بن أنس، أخذ ابن خلدون يبسط لطلابه الأفكار الاجتماعية والفلسفية ومفهومه للتطور التاريخي، ويكتب ابن خلدون أنه حاول أن يطبق نظريته في العصبية على تاريخ مصر قبل المماليك.
تلميذ الوفاء: المقريزي وتوثيق عبقرية شيخه
وأصبح الطلاب والتلاميذ الدائمون لابن خلدون نخبة ممتازة من شباب العلماء المصريين، وعلى رأسهم المؤرخ الذي ذاعت شهرته فيما بعد وهو المقريزي، وقد كان المقريزي يلقب ابن خلدون -دون غيره- بلقب «شيخنا»، كما كان يلقبه بلقب «العالم العلامة، شيخ الفقهاء»، وقد ظل المقريزي طوال حياته يكن لابن خلدون أعظم الحب، وأعظم الاحترام.
وفي مؤلفه: «كتاب السلوك لمعرفة الملوك» يسجل حياة ابن خلدون في مصر، وفي كتابه «درر العقود الفريدة» -الذي وصل إلينا عن طريق اقتباسات السخاوي والعسقلاني- يشرح المقريزي بالتفصيل سيرة معلمه، ويكتب عن المقدمة بإعجاب كبير، فيقول: «لم يعمل مثلها، وإنه لعزيز أن ينال مجتهد منالها، إذ هي زبدة المعارف والعلوم، وبهجة العقول السليمة والفهوم، تُوقف على كنه الأشياء، وتعرِّف حقيقة الحوادث والأنباء، وتعبِّر عن حال الوجود، وتنبئ عن أصل كل موجود، بلفظ أبهى من الدر النظيم، وألطف من الماء مرَّ به النسيم».
وهذا التقدير من المقريزي يعارضه كل من السخاوي وابن حجر، ويلومان المقريزي، ويتهمانه بمحاباة ابن خلدون للعلاقة التي تربطهما، ويحاول ابن حجر تعليل إفراط المقريزي في رأيه المتحيز والمتحمس لابن خلدون، بأن ابن خلدون كان يؤكد نسب الفاطميين الذين ينتمي إليهم المقريزي.
ومن التأمل في مؤلفات ابن خلدون يمكن أن نعرف أن ما كتب منها في مصر هو ما يعرف بالترجمة الذاتية فحسب، (مخطوطة القاهرة للنسخة الكاملة من سيرته الذاتية، وتضم تسعًا وأربعين ومائة صفحة، وكذلك الوصف الجغرافي للمغرب، الذي أنجزه بناء على طلب تيمورلنك، وهو مفقود، وإلى جانب هذا أتم ابن خلدون ونقح طائفة من فصول مؤلفه التاريخي على الملاحظات والمعلومات الجديدة التي حصل عليها في مصر، على أنه من الصعب أن نحدد كل ما كتبه ابن خلدون في مصر في الوقت الحاضر، إذ إن المقارنة بين جميع المخطوطات ليست متيسرة تمامًا.
وفي مصر استكمل ابن خلدون مادة كتابه عن التتار والترك وتيمورلنك، ووصل تاريخ المغرب إلى السنة التسعين من القرن الرابع عشر، ودوَّن الفصول الجديدة من المقدمة، ومن بينها فصل عن العلوم.
وسارت حياة ابن خلدون الخاصة في مصر بصعوبة، ففي عام 1384، وأثناء نزوح أسرته من تونس في طريقها إلى مصر، هلك جميع أفرادها في كارثة غرق السفينة التي كانت تقلهم، وكان قد حصل على قرار من سلطان تونس بإطلاق سراحها من معتقلها في تونس، وذلك بفضل صداقته للسلطان برقوق، الذي توسط لدى سلطان تونس لكي يطلق سراحها، ويسمح لها بمغادرة تونس.
وكان العداء والاضطهاد الموجه من جانب دوائر البلاط ورجال الدين إلى ابن خلدون قد حمله على أن يمارس أسلوبًا واحدًا في حياته، فعلى مدى هذه السنوات لاحقته الحسرة على وطنه، ولم يكد حزنه يخف بعض الشيء إلا بتوالي المكاتبات المنتظمة بينه وبين أصدقائه في المغرب وإسبانيا، ما جعله مطلعًا إلى حد كبير على شؤون المغرب، وقد برز ذلك في الفصول المخصصة لتاريخ المغرب في «كتاب العبر»، مع أنها مكتوبة في فترة إقامته بمصر.
وفي الوقت نفسه كان ابن خلدون يقوم في أحيان كثيرة -وبناء على طلب السلاطين المرينيين والحفصيين- بمهام دبلوماسية كممثل للمغرب، وذلك من أجل تأكيد حماية التجار وسلامة الحجاج.
وفي عام 1387 – 1388 حاول ابن خلدون أن يسافر إلى مكة والمدينة لأداء فريضة الحج، وفي عام 1389 -حينما خلع السلطان برقوق مؤقتًا- كان ابن خلدون خارج القاهرة، ولكنه بعد عودته عاد لشغل المناصب العليا من جديد.
وقضى ابن خلدون عددًا من السنوات في قرية بالفيوم كانت مهداة إليه على سبيل الاقطاع، وفي هذه السنوات كتب النسخة الأولى من سيرته الذاتية، حتى أشرف بها على سنة 1395.
اللقاء الأخير: ابن خلدون في معسكر تيمورلنك بدمشق
وفي عام 1399 عاد ابن خلدون إلى القاهرة بسبب تعيينه من جديد في منصب قاضي المالكية، وفي هذا العام مات السلطان برقوق، فاتصل ابنه ووارث عرشه الفرج بابن خلدون، وأولاه من عطفه ما لا يقل عن عطف أبيه. وفي إبان الحملة على سوريا وجد ابن خلدون نفسه في صحبة السلطان في دمشق المحاصرة، وقد فرَّ من هناك، فوقع في معسكر تيمورلنك (فبراير 1401).
ويسجل ابن خلدون في سيرته الذاتية لقاءه مع تيمورلنك بالتفصيل، ويسمي (و. فيشيل) هذه الأحداث باسم «التاريخ»، ويخصص لها كتابًا مستقلًا، إلا إنه ليس هناك شيء تاريخي حدث في هذا اللقاء، وقد أبدى ابن خلدون مرة أخرى من البراعة ما جعله يخرج من هذا المأزق الصعب بشرف.
فقد أُعجب تيمورلنك بعقلية ابن خلدون ومعارفه العميقة، وبناء على رجاء ابن خلدون عفا تيمورلنك عن كثير من الأسرى المصريين، وباحترام سمح لابن خلدون بأن ينصرف إلى القاهرة، وقد وافق ابن خلدون أن يكتب لتيمورلنك نبذة جغرافية عن بلاد المغرب، مبينًا المسافات بين المدن (وربما كان السبب في ذلك أن تيمورلنك كانت لديه فكرة لتجريد حملة على ساحل الأطلنطي في المستقبل).
وأنجز ابن خلدون هذا التكليف فيما بعد، فأمر تيمورلنك بأن يُترجم هذا العمل إلى اللغة التركية.
الرحيل: الوداع الأخير في مقبرة الصوفية
وقضى ابن خلدون الأعوام الأخيرة من حياته في القاهرة، يواصل العمل في كتاب العبر وفي سيرته الذاتية. وفجأة مات ابن خلدون في السابع عشر من شهر مايو عام 1406، وذلك في أثناء قيامه بمباشرة واجباته القضائية، ودُفن ابن خلدون في مقبرة الصوفية بالقرب من باب النصر في مدينة القاهرة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.