من مباحث الأدب في العصر الجاهلي - دور الشاعر في الأيــام

دور الشاعر في الأيــام

الشاعر فرد من أفراد القبيلة عليه ما على أفراد القبيلة بل وأكثر، فهو المدافع عنها، المحافظ على شرفها، الذي يعمل بكل ما يستطيع ليرفع من شأنها وإعلاء مكانتها بين سائر القبائل فهو المنافح والمدافع عنها وهو الذي يُسَجِّل لها تاريخ مفاخرها وأمجادها ويباهي بمآثرها ويعظم من شأنها لكونه أكثر أفراد القبيلة علما بتاريخها وأبصرهم بمثالب أعدائها.

والشاعر في حقيقة الأمر شخصية مزدوجة: شخصية فردية وجماعية في آنٍ واحد، فهو إنسان له شخصية فردية حساسة، وهو إنسان في جماعة له شخصية جماعية بحكم ما عليه من واجبات مادية ومعنوية نحو هذه الجماعة، وهو من الناحية الشاعرية يتصل بالحرب أشد اتصال، لأن الشعر يعد من أسلحة الحرب، تهاجي به الفريقان المتقاتلان، وأثار همم الجنود وجادلوا فيه خصومهم، وأشعر فيه محامد القبيلة وأمجاد آبائها، كما أن القبيلة بواسطته تقف على مثالب خصومها وبالتالي هذا الوقوف وسيلة إضعاف لهم.

والشاعر المثقف من يلم بمعلومات عن خصمه، يستطيع أن يوظفها ويصوغ منها قوالب متعددة في شعره تترك وقعا وأثرا عند أعدائه.

وهو بواسطة شعره يقوم بأمور متعددة منها: بعث الشرارة الأولى للحرب، وبالمقابل يستطيع أن يهدئ النفوس، ويستل غضبها، فتصبح بعد ذلك نقية صافية آمنة، كما يستطيع أن يكون وسيلة إنذار لمثيري الفتن والاضطرابات ومدبري الشر، وتحذيرهم مما يعقب هذه الحرب إذا وقعت، من أضرار وخسائر جسيمة تعود عليهم.

ويكون أيضا في الحرب وسيلة تنبيه إلى ما يبيته الأعداء ضد قومه بالخفاء، واتخاذ كل ما يمكن من إجراءات لدرء هذا الخطر إضافة إلى ذلك، فإن الحروب تفتح للشاعر أغراضا متعددة مدحا، وصفا، ذما، اعتذارا، تهديدا، تحريضا، نصحا، إصلاحا. . إلخ

وبحكم ما ينظمه من أشعار يستطيع أن يضعف الروح المعنوية عند أعدائه، وذلك عن طريق تضخيم الأحداث والوقائع، وتهويل النصر، والمبالغة في وصف الهزيمة.

وهو دائما يعبر عن انتمائه الطبيعي لمجتمعه القبلي، ويكون ناطقا باسمها ومدافعا عنها، وناصحا ومرشدا لها، وموجها لأبنائها، ومؤرخا لمواقفها، ومتغنيا بانتصاراتها، إضافة إلى أنه صوت القبيلة في السلم والحرب ([1]).

وقد وضعت القبيلة ثقتها بالشاعر، وهيأت له أسباب الشهرة، وبوأته المكانة المرموقة بين أفرادها، لأنه بالنسبة لها يمثل الواجهة الإعلامية المعبرة والصوت الشعري الرائد الذي ينطق بالمآثر ويحمل لواء الانتصارات، وهو يشيد بالأيام، ويذكر الخالدة منها، ويقوم بدوره على أكمل وجه.

والشاعر هو المعبر عن الحالة الراهنة، المعايش لأحداثها، القريب منها، والسلاح كان له صداه في القصيدة، فنجد تصويرا للسيوف والرماح والخيل التي تستخدم في المعركة.

وتلك الأيام ساعدت في إلهاب عواطف الشاعر، ودفعته إلي قول الشعر قبل المعركة وأثنائها وبعدها، منبها ومشجعا وراصدا لأحداث الحرب، ومصورا لأحداثها تصويرا جميلا.

وأقوى الشعر ما يُقال أثناء الصراعات والحروب بين القبائل، فالأجواء وسيلة إثارة، وكل شاعر من الطرفين يحاول أن يرفع شأن قبيلته بالفخر أو التهديد وغير ذلك، وكل حرب عادة يتخللها شعر.

ولو نظرنا إلى الشعر الجاهلي في جملته وتفصيله، وبخاصة ما كان في الفخر والحماسة والرثاء والهجاء، فإننا نجده قد ارتبط بالأيام والحروب ارتباطا وثيقا، فبينما كان الفرسان يناضلون بسيوفهم ورماحهم، ويجودون بأنفسهم رخيصة في سبيل الدفاع عن حرمة القبيلة وشرفها، نجد الشعراء من ورائهم يدافعون عن شرف القبيلة وحماها فيطلقون ألسنتهم في خصومهم وأعدائهم، ويندبون صرعاهم القتلى من أشرافهم وزعمائهم.

لذلك تعتبر الأيام والوقائع مصدرا غنيا من مصادر الدراسات الأدبية والتاريخية، كما تعد نوعا من أنواع القصص، بما اشتملت عليه من أحداث وحركات، وماقيل في أثنائها وبعدها من قصائد وأقوال منثورة، وفي ذلك يقول محمد بن سلام الجمحي: وإنما يكثر الشعر بالحروب التي تكون بين الأحياء نحو حرب الأوس والخزرج، أو قوم يُغيرون ويُغار عليهم، والذي قلل شعر قريش أنه لم يكن بينهم ثائرة، ولم يحاربوا، وذلك الذي قلل شعر عُمان وأهل الطائف.

[1] انظر الالتزام في الشعر العربي: 62-63

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب