من قبطان سفينة الحياة.. العقل أم العاطفة؟

توجد دائمًا قوة مدركة واعية تقود سفينة الحياة وسط أحداث وعواصف بحار الحياة.. فما هذه القوة، هل هي العقل أم العاطفة؟ فدائمًا ما يقف الإنسان حائرًا بين اختيار العقل ودافع العاطفة.

ورغم صواب العقل واتزانه في جميع الأحوال، لكن الإنسان كثيرًا ما يخضع للعاطفة في تصرفاته وأفعاله وقراراته أكثر مما يخضع للعقل مهما اختلفت الثقافات.

فلماذا هذا الخضوع المهين رغم صواب العقل المكين؟

قد يهمك أيضًا دور العقل والعاطفة في تحقيق التوازن في حياة الإنسان

أولًا: التداخل والاشتباك بين العقل والعاطفة

ورغم أن العاطفة عمياء كما يقول النظراء لكنها في كثير من الحالات بصيرة شهباء مستقيمة لا تعرف الالتواء.

لذا يقف الإنسان زائغًا تائهًا بين رزانة العقل واندفاع العاطفة.. وفي أحيان كثيرة يخضع لتأثير أحدهما ويترك الآخر، وفي أحيان أخرى تأخذه الشجاعة العمياء وينتصر لرؤية العقل الشهباء.

وفي أحيان نادرة يستمع لحوارهما وتفاعلهما فيخرج بقرار مريح.

فهل العقل والعاطفة دائمًا على طرفي نقيض؟ وهل يمكن الاستعانة بأحدهما وهجر الآخر؟

كثيرًا ما يقول أنصار العقل إن العاطفة عمياء وهوجاء ويجب أن نتحرر منها؛ حتى يعمل العقل في وضوح واتزان وبلا انحياز أو ابتزاز..

على الجانب الآخر يقول أنصار العاطفة: إن العقل بارد وعديم الحس وخالي البهجة وناضب الحمية، ولو ترك على سجيته فقد تتوقف الحياة، لكنه ميزان منصوب ونص مكتوب.. وتوجد وجاهة منطقية في كليهما.

تنتهي إلى أن حياة الإنسان متوقفة بلا شك على عمل الاثنين ودون أحدهما قد يصيب الحياة عوار شديد وانهيار أكيد.

قد يهمك أيضًا العقل الواعي والباطن و الفرق بينهما

مفهوم العاطفة في حياة الإنسان

تُعرف العاطفة أنها مكمن ومجمع الأحاسيس والمشاعر، وهي القوة الدافعة المحفزة لكل فعل ولكل قرار في حياة الإنسان.

فبقاء الإنسان يومًا جديدًا في الحياة هو فعل تقف وراءه العاطفة بالدرجة الأولى.. واتخاذ أي قرار في الحياة تقف وراءه العاطفة في الصف الأول.. ولكن هل تكفي العاطفة لقيادة حياتنا الرشيدة؟

كلا! فرغم فاعلية العاطفة وفرط نشاطها وفورة إحساسها قد تكفي لأداء الفعل، ولكن صواب هذا الفعل يتوقف على مداخلة العقل.

نعم قوة واندفاع العاطفة تمكِّنها من إدراك المنظور العام للعالم الخارجي لكنها تكاد تكون قوة شبه عمياء لا ترى الصورة بوضوح، وإذا تُركت على سبيلها قد تقودنا إلى مسالك التهلكة.

ويمكن تمثيل العاطفة بقاطرة الحياة الممتلئة بالطاقة المحركة والتي يقود قطار الحياة بأكمله.. ولكن هذه القاطرة لا تعرف الطريق السليم بدقة.

أما العقل فهو يمثل قبطان هذه القاطرة الذي يملي على هذه القوة التحرك نحو هدف منطقي  يحدده هو.

إذن دون هذه القاطرة (أي دون العاطفة) لا يتحرك قطار الحياة، ودون القبطان (العقل) قد تخرج العاطفة عن القضبان ولا تعرف لها مقصدًا أو هدفًا..

وإذا كان علم الفيزياء يهتم بدراسة منشأ وتحول الطاقة بأنواعها في حين يهتم علم الكيمياء بقياس وتحليل العناصر المكونة للمادة بطريقة حسابية موزونة يمكن القول إن العاطفة فيزياء سلوكيات الإنسان، في حين يمثل العقل كيمياء هذه السلوكيات.

التوليفة السليمة إذن بين العاطفة والعقل يجب أن تتضمن وجود قوة دافعة للحياة، كما تتضمن رشد وصواب حركة قطار الحياة، والذي لا يتحقق إلا بوجود عمل العقل.

ورغم بداهة وتلقائية وسرعة رد الفعل العاطفي لكن الإدراك المبني فقط على الأحاسيس الذاتية هو عمل محدود، ويأتي سريعًا بسبب وجود مؤثر، فيمكن أيضًا أن ينتهي سريعًا مع زوال وجود المسب.

قد يهمك أيضًا قوة العقل الباطن.. تأثيره الإيجابي في حياتنا

قوة العقل في الإدراك

بينما يمثل العقل قدرة هائلة أقوى وأقدر من العاطفة على إدراك حقيقة الأشياء في وجود أو وغياب المؤثر.

ومن ثم يعمل على تنظيم وترشيد الاستجابة العاطفية بحيث تتوازن الاستجابة مع العوامل الفاعلة بطريقة منطقية موزونة؛ ما يؤثر في النهاية إيجابًا في المشاعر، ويقنن مقدارها واتجاهها طبقًا للكم النسبي لهذا المؤثر.

زمنيًّا.. تنشأ وتتكون وتتثبت المعتقدات بالعاطفة بالدرجة الأولى، وتبحث بعدها عن دعم عقلي ومنطقي. ومن ثم لا تتغير المعتقدات بسهولة نتيجة عمل العقل؛ فالأقدم أرسخ وأقوى.

لذا يقول التاريخ إن المعتقدات لم تتغير إلا بالثورات والتي تتمثل في عواطف مكبوته أتت لحظة انفجارها.. فالثورة الفرنسية كانت تغييرًا عاطفيًّا في المعتقدات السياسة، وظلت تعمل وتتحرك تحت تأثير شعارات عاطفية.

ثم إن كثيرًا من المعتقدات الدينية قد يراها الخارجون عنها على أنها غير منطقية على عكس التابعين لها الذين يرون كل شيء منطقيًّا ومبررًا تحت تأثير العاطفة..

إذن العاطفة هي المحرك الأساسي للحياة ولا يمكن إلغاؤها، ولكن يمكن فقط تهذيبها وتنويرها بالعلم والتربية.

ففي أوقات المد الديني للمعتقدات الدينية كانت العاطفة تحكم وتستأصل وتتعسف باسم المعتقد متشحة بغطاء تابع من العقل والمنطق وظيفته دعم القرار العاطفي وليس فحص صوابه أو تصويبه وترشيده.

قد يهمك أيضًا ما هو العقل؟

ثانيًا: آليات عمل العاطفة وعمل العقل

كل من العقل والعاطفة وسيلتان للإحساس بما يحيط بنا من أحداث وأخطار، أحدهما سريع تقليدي وتلقائي والآخر بطيء بديع واستثنائي.. لكن أين تدار هذه العمليات وهل هما فعلًا متباعدان؟

إن فعل العاطفة ورغم سرعته إنما يقف أيضًا خلفه نوع من المنطق.. فعندما نبتعد عن الخطر المحدق الوشيك برد فعل العاطفة الفوري والذي يعتمد على منطق مطبوع في النفس البشرية.

وقد يكون رد الفعل هذا موروثًا، ولسنا بحاجة للعقل لإعادة تكوينه.

إذن العاطفة تكاد تكون مجموعة من برمجيات ردود الأفعال التي خُزنت في العقل البشري ويستخدمها في المواقف المماثلة أو المشابهة لأحداث حدثت في الماضي البشري.

إذن العاطفة يمكن أن تكون آلية تلقائية من آليات العقل.

وفي مواقف كثيرة لا بأس من أن تتخذ العاطفة القرار شريطة وجود تدخل أدنى من العقل كي يتيقن أن الحدث الحالي هو تكرار لحدث ماضٍ، وبذلك ستتعامل معه الحلول الجاهزة في مخزون العاطفة.

قد يهمك أيضًا حوار دائر بين العقل والقلب.. قصة خيالية

الفرق بين العقل والعاطفة

تتكون العاطفة أو الإحساس العاطفي من الصورة الإجمالية للموقف أو الحدث، فالعقل الباطن يضاهي هذه الصورة بالصورة المختزنة أو الموروثة في الذاكرة العاطفية، وعلى هذا ينشأ انطباع سريع يؤدي إلى فعل الرضا والقبول أو النفور والرفض.

ويتوقف قرار الرضا أو النفور على ارتباط الصورة الحالية بصورة محببة أو منفرة مشتقة من الخبرات السابقة أو من الثقافة العامة أو المناخ المجتمعي.

وبعض الناس يكتفون بهذا الفعل عند اتخاذ قرارتهم أو تسجيل قناعاتهم، وبعض آخر يسمح بعمل العقل الذي في أحسن حالاته ينزع الموضوع عن الأحاسيس الشخصية، ثم يحلِّل الموضوع إلى عناصره، ويعيد تركيب القضية مرة أخرى في صورة منطقية كي يتخذ القرار الرشيد.

إذن العاطفة تميل إلى الرؤى الجماعية ومن ثم إلى القرارت الانطباعة الكلية السريعة، في حين تنبني ميكانيكية عمل العقل على الفصل عن العاطفة ثم التحليل وإعادة التركيب.

كل من العاطفة والعقل يعملان علي إدراك وفهم واستيعاب الأشياء والأحداث التي تواجهنا في كل لحظة، ومن ثم التفاعل معها واتخاذ القرارت والإجراءات المناسبة حيالها.

كثيرًا دائمًا ما تسبق العاطفة العقل في القيام بهذا العمل نتيجة ارتباطها بالمشاعر والأحاسيس التي ترتبط أساسًا بوجود الإنسان وكينونته؛ لذا فعملها تلقائي بديهي لحظي انطباعي لا يتأنى ولا ينتظر، وينتهي آنيًّا بالشعور بالرضا الفوري.

في حين يرتكز عمل العقل على التحري والتيقن والتيقن والفحص والتحليل وعمليات أخرى كثيرة تحتاج لمزيد من الوقت؛ لذا يتحدد ويتأكد تأثيره في زمن مستقبلي لاحق.

قد يهمك أيضًا استكشاف العقول.. فهم أعمق للعقل البشري وتحسين أدائنا العقلي

صورة العقل أشمل من العاطفة

الاختلاف الثاني أن العاطفة تنظر إلى المنظور الإجمالي للأشياء والأحداث، وهذه الصورة الإجمالية تولد رد فعل سريع للعاطفة بناءً على ارتباط هذه الصورة الإجمالية بالمشاعر والأحاسيس المتولدة، وكذا بالمشاعر والأحاسيس المختزنة في وعي الشخص الباطن.

فإذا ارتبطت هذه الصورة بأحاسيس ومشاعر إيجابية سواء أكانت هذه الأحاسيس آنية مخزونة، يكون رد الفعل العاطفي إيجابيًّا بدرجة تتوافق مع درجة إيجابية هذه الأحاسيس.

يتلخص إذن رد الفعل العاطفي في القبول أو الرفض طبقًا للأحاسيس والمشاعر الآنية والمختزنة، وقد يكون أحيانًا سليمًا وأحيانًا أخرى معطوبًا بناءً على دقة قياس الأحاسيس والمشاعر.

أما العقل فهو لا يستريح للصورة الإجمالية بل يجردها ويحللها إلى عناصرها، ثم يعيد توليف هذه العناصر بصورة منطقية تقود لقرار منطقي. وإذا تمت عملية التحليل والبناء بطريقة سليمة ومتقنة كان القرار الناتج بالتبعية سليمًا متقنًا.

الفارق الثالث هو أن مفردات وأدوات العاطفة ترتبط بذاتية ووجود الإنسان، ومن ثم فإن الفهم أو القرار المبني عليها قد يكون شديد الارتباط بهذه الذات وبمصلحتها الوجودية بالدرجة الأولى.

إذن القرار العاطفي هو قرار مبني على مصلحة الإنسان، وإن حاول الإنسان أن يظهر اتساقًا مع مجملات المظاهر الاجتماعية الحاكمة أو مع مبادئ الأخلاقيات الشائعة التي يتظاهر بها المجتمع.

في حين لا ترتبط أدوات عمل العقل من طرق التحليل والمنطق والمقارنة والإستباط بمشاعر الإنسان، بل إنها منفصلة عنها تمامًا، وترتبط أكثر بموضوع الأشياء والأحداث

لذا فإن القرار النهائي هو قرار موضوعي أي منفصل عن الذات ومرتبط أكثر بالموضوع، وحينئذ يكون رد الفعل أو القرار موضوعيًّا غير مرتبط بالذات أو المشاعر، في حين يرتبط جوهريًّا بموضع القضية المعروضة.

قد يهمك أيضًا 6 نصائح مهمة لتغذية العقل على نحو صحيح

القرار العاطفي والقرار العقلاني

إذن القرار العاطفي هو قرار سريع ومرتبط أكثر بمصلحة الفرد، وبذا فإن صحة القرار العاطفي قد يشوبها نقيصتان؛ الأولى سرعة رد الفعل بناءً على صورة إجمالية قد لا تتمكن الحواس من إدراك بعض عناصرها المهمة، وارتباط الفعل بالمصلحة الذاتية قد يغشي البصيرة عن وزن الأمور بطريقة موضوعية تتحرى الصواب والتوازن.

أما القرار العقلاني فرغم قربه الأكثر للصواب لكن البطء الشديد قد لا يُسعف الإنسان عن اتخاذ القرار السليم في الوقت المناسب، وقد تضيع فرصًا كثيرة.

وقد تفتر همة الإنسان مع مرور كثير من الوقت دون التمكن من الوصول لقرار مناسب وموضوعي.. ولكن رغم ذلك فهو إلى الصواب أقرب وإلى العدل أنسب.

خلاصة القول إنه لا يمكن للإنسان أن يستغني عن أيٍّ من آلتي العقل والعاطفة؛ إذ يجب أن يعملا معًا متضافريْن متنساقيْن مع الاستفادة من مزايا كل منهما، وتقليل العيوب والمثالب في كليهما.

ذلك هو السؤال المهم: كيف يمكن إدارة العمليات العاطفية والعقلانية بطريقة تؤدي لدعم بعضها بعضًا والوصول لقرارات سليمة؟ وأيضًا قوة دفع لآليات استمرار الحياة وتحديها عوامل الإحباط والفناء؟

ذلك سيكون موضوع المقال المقبل الذي سيحاول الإجابة عن التساؤلات الآتية: هل يمكن حقًّا تحرير العقل من سطوة وسيطرة العاطفة؟

ما الحد الأدنى من العاطفة اللازم لضمان تحفيز واستمرارية عمل العقل وهو في حل من الخضوع لها أو محاولة إرضائها؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

مساء الخير دكتورنا العزيز وربنا يديم المحبة
والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبارك على آله وصحبه أجمعين
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

شكرا د ممدوح علي هذه المتابعة الدؤوبة والكريمة
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالة في قمة الجمال ، شعرت اني داخل قصة حقيقة أبطالها هما العقل والعاطفة وتدور احداث هذه القصة حول صراع بين شخصين على العرش ( وكأنه يدور حوار بين العقل والعاطفة على ايهما الافضل والاصح) ،
تسلم يادكتور ، رائع جدا ، بالرغم من انه ليس جديدا علي حضرتك هذا الابداع ، ربنا يديم عليك الصحة وطول العمر
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

رد جميل وخيال مبدع خصب د. مي صالح
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

بنتعلم من حضرتك يادكتور
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة