من فنون الفن المصري القديم في الدولة القديمة والوسطى والحديثة فن النحت
إن التاريخ الفني للبشرية يؤكد أن لكل أمة طريقتها في الإدراك والتعبير عن مشاعرها ، وهي بالتأكيد تمثل شخصيتها المفقودة والمستقلة عن غيرها ، وليست هذا فقط بل لكل عصر طرزه الفنية التي تختلف عن غيرها باختلاف الظروف ، والمناخ الثقافي المحيط وما يصاحبه من تغيرات في الفكر وتطور في وسائل التعبير .
والفن المصري القديم من حيث أشكاله وموضوعاته يتسم بوحدة الأسلوب ، وانتظام تقاليده مما يضفي عليه جوا من العظمة ، والتمسك لم توهب لفن آخر لذل فهو يعكس أقوى الحضارات التي ظهرت في تلك الآونة ، حتى إننا نستطيع القول بأنه الأساس الثقافي والفني الذي انبثقت منه جميع الثقافات الأخرى .
فقد اكتملت مبادئ وأغراض الفن المصري القديم ، حيث اكتسى بطابع مميز ، حيث عكس هذا الفن روح أهله وفلسفتهم وعقائدهم وأفكارهم ، وبالرغم من استقرار مبادئ ومفهوم الفن المصري القديم طوال تاريخه إلا أن هذا الاستقرار لم يؤدي إلى جموده بل كان هناك دائما قدر من المرونة يضمن له مسايرة عصره ، وما يشيع فيه من أفكار ، وسياسات وعقائد وفي إطار هذا النطاق العام كان المصري يفيض على الفن من روحه على نمط جمعت بينه على مر السنين فكرة عامة تسمى الطابع المصري ، كما فرضت بين فكرة خاصة وهي تلك التي عزونا بسببها إلى الأحداث التي حملها معها تباين الأسر الحاكمة أسلوبا أو طريقة .
وكان الفن المصري على طول تاريخه فنا عقائديا ، يأخذ عنها بل وكثيرا ما يضيف إليها ، وكما اهتم الفنان بالعقيدة اهتم كذلك بملوكه كجزء من تلك العقيدة ، وكان لملوكه أثرهم الكبير في تطور تلك الفنون فكثيرا ما اقترنت فترات التطور وازدهار الفنون بأسماء الملوك ، وعلى سبيل المثال زوسر ، وخفرع ، وإخناتون ، ورمسيس الثاني ، فقد كان لهؤلاء الملوك العظام أثرهم الواضح في تطور الفنون / وكذلك اقترنت فترات تدهور الفنون بانحطاط الملكية الفرعونية ، وهذا ما يفسر ارتباط الفن بالعقيدة والسياسة في حياة المصري القديم ، ونستطيع القول : أن الفن المصري القديم بما يحويه من عمارة ، ونحت ، وتصوير قد اختلف باختلاف مراحل التاريخ في الشكل والجوهر ، فأصبح لكل مرحلة شكلها الفني الذي استمدته من ظروفها وأحداثها في تلك الفترة دون الخروج عن الإطار العام الذي حدده مسبقا ارتباط المصري القديم بعقيدته ، وهذا يفسر لنا تلك الوحدة التي تميز بها الفن المصري القديم ، حيث جرت تقاليده على تأكيد فكرة الخلود والبساطة . وإظهار شخصية الخامة التي يتعاملون معها ، ولا شك أن الدوافع العقائدية قد حددت الكثير من أساليب الفن المصري القديم ومبادئه ، فخصص لها معظم إنتاجه ، مفترضا أنها كيانات ليست مستقلة ، بل هي أشكال وعلاقات تحدد موضوع بعينه له كيانه في الدنيا والآخرة ، وهذا ما جعل الفن المصري القديم في معظم أحواله فنا موضوعيا ، أي يعتمد على الموضوع بشكل أساسي .
لقد كان لطبيعة الإقليم المصري من حيث انبساط أرضه وخلوها من الارتفاعات الشاهقة ، الأثر البالغ في نفس المصري مما أتاح له قدرا أكبر من مساحة الرؤية وهدوء النفس ، كما أوجد تعامد النيل مع حركة الشمس في نفسه من التوازن مما كان له من أثر عميق في عقيدته ، حيث تلك المفاهيم الروحانية والدينية قد كان لها أثرا قويا على الفن والفنان المصري فوجهته إلى أن يتقبل بفطرته الأفكار والتصورات المرتبطة بالحياة الأخرى ودوامها بعد الموت ، وقد كان هناك توافق بين سلطة الكهنة وبين الفنانين الذين يعبرون عن العقيدة وهذا التوافق عمق الفكر الديني بل ووجه روح الشعب إلى تقبل هذا الفكر العقائدي المتصل بالحياة الأخرى والخلود ، ولأن الفنان جزء من المجتمع فقد اعتنق هذا الفكر العقائدي وجاء إنتاجه معبرا عن روح وآمال تلك العقيدة ، وجاءت فلسفته مرتبطة بتلك العقائد ، والفن المصري ليس فنا عقائديا فقط ، بل كان فنا ملكيا أيضا وكان لتلك العلاقة بين السلطة الدينية والملكية لهذا الفن أثرها في انتهاج الفنان لوحدة الأسلوب كطابع عام للفن المصري .
إن الفنان المصري القديم أول من اتخذ من الطبيعة مصدرا ملهما له ومشبعا لحاجاته النفسية والوظيفية ، وصنع لنفسه نماذج تطبيقية تركها لنا تراثا حيا متجددا ، وقد كان الفنان المصري القديم صاحب نظرة عميقة للكون من حوله ، لذا حاول أن يفسر الطبيعة بظواهرها وأحداثها ومقوماتها وفق معارفه ومعلوماته ، وحتى يستطيع أن يحيا متناغما معها ويحقق لنفسه التوافق النفسي والوظيفي ، وفي سياق ذلك وضع نتاجا فنيا في مضمونه يحمل صورة العقيدة التي اعتنقها وشكلت وجدانه وفلسفته وزادت من عمق نظرته للحياة .
لقد شغل الفنان المصري القديم منذ أزمنته الأولى بتصوير آلهته أو القوى العظمى التي اعتقد بتحكمها في مصيره وفي ظواهر الطبيعة من حوله وشكل هذه الآلهة على شكل الإنسان والطير والحيوان ,اخذ من صفات تلك الأشكال الحكمة والذكاء والعلم والقوة والمكر والشر والخير ومزج بين هيئاتها في تنويعات رمزية تتغير وتتباين طبقا لحال الطبيعة من حوله ومدى تطور علاقته معها ، لقد استطاع الفنان المصري القديم أن يجسد بفنه الفكر العقائدي ويجعل من فنه صورة صادقة لفكره وعقيدته وينكر ذاته في الوقت نفسه .
لقد كان الفن أعظم عناصر هذه الحضارة , فنحن نجد في هذه البلاد . وفي عهد يكاد يكون عهد بداية الحضارات فنا قويا ناضجا أرقى من فن أية دولة حديثة ، لقد كان ما امتازت به مصر في أول عهودها من عزلة وسلم ، ثم ما تدفق فيها بعدئذ من مغانم الظلم والحرب في عهد تحتمس الثالث ورمسيس الثاني ، مما أتاح لها الفرصة المواتية والوسائل الكفيلة بتشييد المباني الضخمة ، ونحت التماثيل المتينة ، والبراعة في عدة فنون أخرى صغيرة كادت تبلغ حد الكمال في هذا العهد السحيق ، وإن المرء ليقف حائرا مشدوها لا يكاد يصدق ما وضعه الباحثون من نظريات لتطور الرقي البشري إذا نظر إلى منتجات الفن المصري القديم .
وعند الحديث عن الفن في مصر القديمة يجب علينا أن نتحدث عن بعضا من الفنون التي اشتمل عليها ونخص بالذكر : النحت والنقوش والتصوير ، و العمارة ـ في الدولة القديمة والوسطى والحديثة .
سمات النحت في الدولة القديمة :
احتل فن النحت مكانته بين الفنون الأخرى بعد أن تبلورت الرؤية ، وأصبحت أكثر وضوحا ، ولقد عمق تلك الفكرة إيمان المصريين بالبعث والخلود في الحياة الأخرى وتطلب هذا من الفنانين البحث عن صيغ جديدة تضمن لملوكهم ثم لعلية القوم من بعد أن يعيشوا حياتهم الأخرى كما وعدتهم عقيدتهم ، لذا كان لابد للتمثال من أن يحمل صفات وملامح الشخص المقصود وحتى تتعرف عليه الروح في الحياة الأخرى , ولقد كان هناك نوعان من التماثيل أحدها يعني بالأغراض الدينية وهو يتميز في معظمه بالبساطة وجلال الوضع والهيبة والنبل والآخر ذو غرض دنيوي ينقل حياة ومشاعر الشخص كما هو في حياته ملتزما في ذلك بالواقع أحيانا ومبالغا فيه أحيانا أخرى .
وكانت البدايات الأولى لفن التمثال المصري مع الأسرتين الأولى والثانية وهو تمثال لنجار سفن من عامة الشعب وهو في وضعته التقليدية يشبه إلى حد كبير التماثيل الملكية ويتسم ببساطة الخطوط الأساسية وخلو مسطحاته من التفاصيل مع قصر منطقة الجذع والأكتاف وضخامة الرأس ويلاحظ خلو التمثال من الفراغات وهو تقليد مصري ساد معظم الأعمال التي نفذت من خامة الحجر، ويلاحظ ارتفاع اليد اليسرى للتمثال وما تقبض عليه في اتجاه الصدر وكذلك حركة اليد اليمنى حيث تنبسط على الفخذ وكذلك نرى تمثال يمثل الملك ( خع سخم ) وهو جالس على العرش ملتفا بعباءة وعلى رأسه التاج الأبيض ممثلا الوجه القبلي ويلاحظ وضع الأيدي حيث اليسرى تتقاطع مع الخصر لتمسك باليد اليمنى المنقبضة أعلى الفخذ وبالمقارنة بين النموذجين نتبين الفروق الواضحة في معالجة الأطراف ، وملامح الوجه ، والاهتمام بالتفاصيل وحسن الصنعة ، فالملاحظ التفاوت بين التماثيل الملكية وتماثيل الأفراد.
وبنهاية الأسرة الثانية وبداية الأسرة الثالثة أصبحت قواعد الفن أكثر استقرارا حيث نجد النماذج التي تنتمي لتلك الأسرة تتميز بقدر أوفر من الدقة في الصنعة ومهارة الأداء وأروع مثال على ذلك تمثال الملك ( زوسر ) حيث الجسد الملفوف بعباءة الاحتفالات ، واليد اليسرى مبسوطة على الفخذ واليمنى مقبوضة على الصدر وهو وضع يختلف عن المثالين السابقين والبناء المعماري واضح وأهم مايميز التمثال الواقعية التي يتميز بها الوجه حيث بروز نتوء عظام الخدين وميل زوايا القدم إلى أسفل كذلك ضخامة غطاء الرأس واللحية المستعارة ، ثم أصبحت تماثيل الأسرة الرابعة وفنانيها نماذج تحتذي بها الأجيال المتتالية ولعل أبرز نماذج تلك الأسرة هو تمثال الملك " خفرع " وهو يصور الملك على العرش في منظر مهيب ، حيث يبسط الصقر حورس جناحيه خلف الرأس ، وهناك تطورات طرأت على الفن المصري خلال تلك الأسرة تتمثل في الاتجاه نحو الواقعية في غير إسراف .
ومع الملك ( منكاورع ) أصبح فن النحت أكثر تحرر ومرونة في معالجة الأشكال البشرية ، كما تكشف تماثيل الملك ( منكاورع ) عن بساطة العيش ورقة المشاعر فنرى في الشكل التالي الملك وقد احتضنته زوجته بيدها اليمنى ومسته مسا خفيفا باليد اليسرى وهو وضع جديد على التمثال المصري والجديد هو أن الهيبة والجلال اللذان كانا قاصرين على الملك قد اقتسمتهما معه شريكة حياته فنراها مساوية له في الحجم والوقفة حيث تتقدم القدم اليسرى على اليمنى إضافة إلى تلك اللمسة الإنسانية المتمثلة في تطويق الملكة للملك بذراعها اليمنى كذلك تلك النظرة الطبيعية التي ترتسم على ملامح الوجه على عكس ما نستشعره في تمثال (خفرع ) من إبراز الملك في صورة الإله ، وجرت أوضاع تماثيل الأفراد في الأسرة الرابعة على الأوضاع التقليدية التي صورت الملك جالسا على العرش فنرى تمثالين يمثلان رع حتب وزوجته " نفرت " وهما جالسان في وضعة تقليدية وقد وضعا ذراعهما الأيسر على الصدر وانبسطت اليد اليمنى على الفخذ ، كذلك جاء التمثال في وضع المواجهة وهو تقليد معروف في الأسرات السابقة ، وقد كان " رع حتب " كبيرا لكهنة " بتاح " ، وكذلك نرى في شكل آخر كيف أن المثال قد وفق إلى حد بعيد في توائم الشكل والمضمون حيث قدم الزوجين في وضعية طبيعية حيث الزوجة أصغر حجما ، كذلك معالجة الذراع اليسرى للرجل والتي تطوق زوجته .
كذلك نرى في الرؤوس البديلة اتجاه الفنانين إلى التبسيط رغم واقعيتها التي لا تتحقق إلا من خلال مراعاة الشبه بين الأصل والصورة فقد تمايزت شخصية الأفراد التي تصورهم تلك الرؤوس تمايزا كبيرا .
كذلك وجدت تماثيل نصفية ولعل أجملها تمثال نصفي للأمير " عنخ أف " حيث تتأكد فيه قدرة المثال المصري المصري على التعبير ، ودرايته التامة بعلم التشريح ويتضح ذلك من خلال معالجته لحركة عضلات الجذع والصدر والكتفين ، وكذلك المعالجة الشديدة الواقعية للرأس .
ولقد حظى الأفراد باهتمام أوسع من الفنانين في الأسرة الخامسة ، فقدمت بعض النماذج لتماثيل أفراد ، والتي في الغالب منهمكة في عملها حيث يؤدون شئون وظيفتهم ولعل من أهم الأمثلة على ذلك تمثال الكاتب المصري حيث النظرة الثاقبة في العينين والمعالجة الواقعية في اليدين ومنطقة الصدر والبطن وهو يأخذ الشكل الهرمي أساسا للتكوين ، وهناك نموذج آخر للتماثيل الفردية يصور " كاعبر " أحد المشرفين على العمال ولقد أعطت خامة الخشب قدرا أكبر من الحرية للفنان للتعبير عن موضوعه ، فنرى قوة الشخصية التي يتمتع بها " كاعبر " من خلال تبسيط العضلات في الوجه والجسم والعيون المطعمة الحية .
ولعل أفضل النماذج التي تدلل على قدرة المثال المصري القديم في الدولة القديمة على الابتكار والتجديد هو تمثال للطبيب " نيعنخرع " حيث نرى هذا الوضع المتفرد والجديد في وضع الساقين ، وقد أضفى الفنان قدرا كبيرا من الحيوية على التمثال .
سمات النحت في الدولة الوسطى :
اختلفت النظرة العامة للملك على أنه إله أو ابن إله ، وأصبح الفن الرسمي فنا إنسانيا تعلو ملامحه الجهامة أحيانا وينال منه الزمن أحيان أخرى ، وحظي هذا الفن نسبيا بتطور أكبر مما كان عليه ، وانتشرت التماثيل على شكل مومياء والمستمدة أصولها من التماثيل الأوزيرية وكذلك انتشر التمثال المكعب ويعتبر التمثال المكعب هو الابتكار الوحيد الحي الذي ابتدعه ذلك العصر وهو يصور شخصا جالس القرفصاء مع ركبتيه مرفوعتين على صدره و ذراعيه مطوية على ركبتيه يرتدى عباءة محبوكة تغطى معظم أجزاء الجسد و هو أقرب إلى وضع الاختباء و هذا الوضع يمثل أقرب الأوضاع في الحضارة المصرية للإخلاص في التعبد .
وعندما انتقلت السلطة من منف إلى طيبة ظهر التحوير في النحت المصري ، وأصبح النحت جنائزيا ودينيا يهتم أكثر بتماثيل الآلهة والموتى وكذلك اهتموا بموضوعات الحياة اليومية في أعمالهم ، ونحتت وجوه الملوك بأسلوب أكثر واقعية في الدولة الوسطى ، حيث كانت تنحت بأسلوب واقعي تتفق والطقوس الدينية , وقد عبر الفنان في تلك الفترة عن القيم الذاتية التي تبنتها الدولة الوسطى ، وقد ظهرت مدرستان للنحت في تلك الفترة : مدرسة منف القديمة وحملت سمات المثالية الواقعية القديمة ، ومدرسة طيبة المتأثرة بالفكر العقائدي الجديد الذي بدا واضحا في الأعمال الفنية التي عبرت عن حقيقة الصلات بين الفرعون وربه فنرى " سنوسرت الثالث " رجل الحرب القوي بملامحه الجادة وهو يتعبد مرسلا يديه المتراخيتين على ساقيه .
هذا وقد تأثر الفن بالأوضاع السياسية التي مجدت ملوكها كأبطال حرب واتضح هذا جليا في إنتاج مدرسة طيبة حيث ضخامة الأطراف وقوة التعبير وتجهم الوجوه كتمثال الملك " منتوحتب الثاني " جالسا على العرش في وضع تقليدي قديم وأسارير وجهه تعبر عن العظمة والغطرسة والصرامة كما يتسم بالعنف والخشونة ، وتمثال " امنمحات الأول له هذا التأثير القوي وأيضا في تمثال " سنوسرت الأول " تلك الصفات متجمعة .
ونستطيع أن نجمل القول :
أن فن النحت في الدولة الوسطى قد تخلى عن فكرة أن التمثال هو مقر الروح الأبدي ، وكذلك الفكرة المثالية عن الملك الإله أو ابن الإله ، وذهب في أعماله إلى تحقيق الشخصية الإنسانية في ضوء الفكر السائد والسياسة القائمة ، وبذلك يكون الفنان في الدولة الوسطى قد عاش عصره وعبر عنه أصدق تعبير من خلال تلك الوجوه والقسمات ، بالرغم من أنه لم إلى كمال التشكيل الذي بلغه فنانو الدولة القديمة .
سمات النحت في الدولة الحديثة :
كان لثورة المصريين في وحه الهكسوس ، وطردهم أثره البالغ على الروح المعنوية السائدة مما حفز الفنانين المصريين إلى بلوغ درجات أعلى من الإجادة الفنية تتناسب مع تلك الروح العاتية ، فعادوا إلى الماضي المجيد يستلهمون منه الصلابة وقوة التعبير ، وأضافوا إليه الجاذبية والأناقة ومرونة الخطوط ، كذلك الاهتمام بتصوير الحقيقة الباطنة ، مما جعله أشد تعبيرا منه في أي عصر سالف ، كذلك أكثر تحررا وتنوعا ، وكان للروح الثورية الجديدة التي نتجت عن الفتوحات الواسعة والغزوات أثرها في تعميق الفكر المصري ، والمشاعر الذاتية ، مما أنعكس على فنون تلك المرحلة حيث جمع فن نحت التماثيل بين الاتجاهين السابقين المثالية والواقعية ، إلا أنه أفاض عليهما من روح العصر الكثير ، وأصبح الحرص أن يبدو التمثال في كامل هيئته وتملأ ملامح وجهه مشاعر الشباب الدائم مثل تمثال الأمير " أحمس " وما يندرج تحت مسمى الواقعية حيث أبرز الفنان ملامح صاحب التمثال من خلال دراسته لملامح الوجه ، والجمجمة دراسة أقرب إلى الواقع وهناك ما يندرج تحت الواقعية المبالغ فيها مثل تماثيل إخناتون ، كل تلك المتباينات اجتمعت في فنون الدولة الحديثة ، وربما يرجع هذا لتغير مفهوم العقيدة مرة بعد أخرى على فترات مختلفة ، ولم يحدث التطور فجأة بل جاء بالتدريج وعلى مراحل ، وكانت إنجازات الفنون في عصر إخناتون هي أهم إنجازات الفن المصري القديم في عصر الدولة الحديثة .
وإذا كانت ملامح الفتوة والنضارة هي سمات فن النحت في الدولة القديمة ، والصرامة وقوة التعبير هي سمات النحت في الدولة الوسطى ، فإن رقة الخطوط ومرونة الحركات ، والأوضاع ، وطرافة الموضوعات ، والاهتمام بمعالجة الأطراف معالجة دقيقة ، والاستمتاع بالحياة هما سمات النحت في الدولة الحديثة ، كذلك العناية الفائقة بمعالجة طيات الثياب وتسريحات الشعر ، حيث نالها نت الاهتمام ما يفوق أي عصر آخر .
أوضاع التماثيل في الدولة المصرية القديمة لقد حددت مذاهب المصريين ومعتقداتهم وظائف التماثيل وأوضاعها وذلك في عدة أوضاع منها :
1 ـ التمثال الواقف :
وهو من أهم الأوضاع التي ابتدعها المصري القديم لتماثيله حيث تنتصب القامة وتتقدم القدم اليسرى خطوة إلى الأمام رمزا للسعي واضعا اليدين بمحاذاة الجسم غالبا أو معقودتين على الصدر والكتفين أو مضمومتين أو مفنوحتين والوجه دائما في وضع المواجهة وغالبا يعلوه التاج الملكي .
2 ـ التمثال الجالس :
يرجع هذا الوضع إلى الدولة القديمة حيث نرى الملك جالسا على عرشه ويداه مبسوطتان أو إحداهما مضمومة والأخرى معقودة على صدره والساقان مضمومتان ومشدودتان إلى قاعدة التمثال والقدمان منبسطان على القاعدة والمقعد مكعب الشكل تتخلله بعض الزخارف على الجانبين .
3 ـ تمثال المجموعات :
في الغالب يتكون من شخصين أو ثلاثة تجمعهم قوة الترابط والتنسيق بين حركة الأطراف وتوزع الكتل توزيعا متناسقا وساقي المرأة في الغالب مضمومتين أو يحرك الفنان قدمها اليسرى حركة خفيفة إلى الأمان وتكون إما أقصر من الرجل أو على ارتفاع مساو له .
4 ـ التمثال الراكع :
5 ـ التمثال المركب :
وهو يأخذ في الغالب ثلاثة أشكال وهي : جسم إنسان ووجه حيوان وهو في الغالب يمثل الآلهة ، وجسم حيوان ووجه إنسان ، وجسم حيوان ووجه حيوان آخر وهذه الأوضاع ترجع إلى عمق فكرة العقيدة في نفوس المصريين القدماء .
6 ـ تمثال المرأة :
حظيت المرأة باهتمام الفنان في مصر القديمة ووجد العديد من التماثيل تمثل المرأة ملكة وأميرة وتابعة وفي الشكل التالي نرى الملكة " حتشبسوت " وهي تجلس جلسة الملوك وفي زي الرجال حيث الأيدي مبسوطة على الفخذين ومرتدية النمس على الرأس .
وإلي جانب الأوضاع السابقة هناك العديد من الأوضاع التي ابتكرها الفنان المصري وتلك الأوضاع الخاصة بالتماثيل تعبر عن مدى قدرة الفنان المصري على التشكيل .
لقد احتل فن النحت عند الفنان المصري القديم مكانته بين الفنون الأخرى وقد تبلورت الرؤية ، وأصبحت أكثر وضوحا ، ولقد عمق تلك الفكرة إيمان المصريين بالبعث والخلود في الحياة الأخرى وتطلب هذا من الفنانين البحث عن صيغ جديدة تضمن لملوكهم ثم لعلية القوم من بعد أن يعيشوا حياتهم الأخرى كما وعدتهم عقيدتهم ، لذا كان لابد للتمثال من أن يحمل صفات وملامح الشخص المقصود وحتى تتعرف عليه الروح في الحياة الأخرى .
أحببته
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.