من عظماء ليبيا المنسيون. أحمد المنقوش

ليس شرطاً في اكثر الاحيان , أن تكون الشهرة على قدر الأفعال, فهناك رجال عظماء يعدون بالآلاف , لكن أكثرهم ضلت أسمائهم مجهولة عند أكثر الناس , وإن عرفت الأسماء فقد جُهلت الأعمال , وأصبحوا أوليك العظماء الذين بذلوا دمائهم وأوقاتهم في سبيل الله , ثم في خدمة مواطنيهم وأوطانهم , في جملة المجاهيل , فلم تعد الأجيال تسمع بأسمائهم وأفعالهم , بينما كان الصحيح أن يُتخذوا قدوة  يقتدي بها , ومدرسة يُرجع إليها , و بالمقابل نجد بعض التافهين و النكرات و اللصوص ذاع صيتهم و انتشر خبرهم و كلما زادوا تفاهة ازدادوا شهرة .

 ومن جملة هؤلاء الابطال الذين لم ينالوا ذكراً بمقدار ما بدلوا من جهد و تضحية , صاحب هذه الترجمة المجاهد الشهيد أحمد المنقوش , فهذا البطل لم ينال الشهرة التي يستحقها مقارنةً بما قدمه لهذه البلاد , وللأسف لم تسعفنا المصادر والمراجع بكثير عن أخباره , ولكن ما ذكر فيها من سيرته تكفيه بأن يكون من النجوم التي تزين سماء هذا الوطن.

لم تكن مصراتة من المدن التي نزل عليها الطليان في بداية غزوهم الظالم  لليبيا  في أكتوبر 1911م , ومع هذا وعلى عادتهم في الفزعة للحق والنصرة للإخوة, اجتمع رجال مصراتة وذوي الرأي فيها وقرروا مساعدة إخوانهم في باقي المدن الليبية في التصدي للطليان , فقسموا أنفسهم إلى محلتين ( فرقتين ), ذهبت الأولى إلى الخمس لقتال الطليان هناك , بينما اتجهت الأخرى إلى طرابلس , وكانت بقيادة المجاهد الحاج أحمد المنقوش , وكانت في حوالي 600 رجل ,  وكان من ضمن أفرادها البطل رمضان السويحلي  وأخيه احمد , و ثلة من شباب ليبيا المتقد حماساً و رغبة في صون الدين و الارض و العرض , منهم المجاهدان الهادي الزريدي ومصطفى الاصيفر و غيرهم كثير , وكون المنقوش قد تولى قيادة هذه المحلة, فهي إشارة لما كان يعرف عنه من شجاعة وقوة إرادة وصواب في الرأي رحمه الله تعالى .

وفي طرابلس انضمت جماعة مصراتة بقيادة المنقوش إلى أخواتها من المحلات الأخرى التي جاءت من مختلف ربوع ليبيا للدفاع عن الوطن , كمحلة القبلة , ومحلة ورفلة , ومحلة من ورشفانة والعزيزية وجنزور , ومحلة من زوارة بقيادة سلطان بن شعبان , ومحلة صرمان , ومحلات النوايل والزاوية , ومحلة غريان , ومحلة الجبل بقيادة سليمان الباروني , ومحلة النواحي الأربعة , فقد لبى نداء الجهاد معظم أهالي البلاد من كل مكان , بعضهم كان يحمل بندقية والبعض الآخر كان بدونها , بل والبعض منهم لم يكن يملك سوى العباءة التي يلبسها.

قاد المجاهد أحمد المنقوش محلة مصراتة في واحدة من أكبر معارك الجهاد ضد الطليان في بداية غزوهم  لليبيا بطرابلس , وهي معركة شارع الشط , يوم الاثنين الموافق 23 أكتوبر 1911م , و أظهر فيها مع رفاقه شجاعة نادرة, وفداء قل نضيره, وطلباً للموت في سبيل الله يفوق طلب غيرهم للنجاة , وأذاقوا العدو فيها مر الهزيمة , حيث كانت هذه المعركة الإجابة المبدئية للسؤال الذي راود الطليان منذ أن وطئت أقدامهم أرض الوطن , وهو هل تكون هجمتهم على طرابلس نزهة بحرية كما يصورها الساسة الإيطاليين , أم أنها رمية في المجهول ودماء تسفك بين حبات رمال الصحراء ؟ .

 اقتضت الخطة التي وضعها المجاهدون لهذه المعركة, وضع محلة مصراتة التي يقودها المنقوش في الجناح الأيمن لقوات المجاهدين , صحبة محلات أولاد المرغني

 وترهونة والجبل وغريان , و أسندت إلى مصراتة مهمة مهاجمة قصر الهاني , فهاجموه بضراوة شديدة أذهلت أعدائهم و رفاقهم على حد سواء ,  وتمكنوا من  اختراق التحصينات الايطالية ,  وبعد أن أبلى البلاء الحسن وجاهد في الله حق الجهاد , وبعد أن أذاق العدو سم بندقيته , رزق الله تعالى المجاهد أحمد المنقوش شهادة في سبيله في هذه المعركة, بعد أن أوصى بأن تكون قيادة مجاهدي مصراتة من بعده لرمضان السويحلي , وكأنه كان يتوقع استشهاده فيها أو يتمنى ذلك .

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب