في أثناء تصفحي لأحد الفيديوهات على يوتيوب، استوقفتني قصة لفتاة تُدعى «لوسي ستيفنسون»، طالبة في السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية في ولاية فلوريدا بأمريكا. مثل أي فتاة عادية، تنشر لوسي صورها على إنستجرام بكل براءة، قبل أن تتحوّل حياتها إلى كابوس.
ففي سن السادسة عشرة، اكتشفت لوسي أن أحد معارف العائلة استغل صورها الشخصية ليُنتج بها محتوى إباحيًّا مزيّفًا باستخدام الذكاء الاصطناعي. ولكن لم يُعاقَب لأنه لم ينشر الصور علنًا بل احتفظ بها لنفسه.
هنا تساءلتُ: كيف يمكن أن يحدث ذلك؟
فصورنا، وصور أبنائنا، أصبحت بيانات يمكن التلاعب بها، تركيبها، وإعادة استخدامها في سياقات مشوّهة، دون إذن أو علم.
فكان هذا التقرير لأصحبكم معي في رحلة لاكتشاف عالم التزييف الرقمي، لنتعرّف معًا على خفاياه، ونكشف عن كيف يمكننا حماية أنفسنا وأطفالنا من مخاطره التي تتسلَّل إلينا خلسة من خلف الشاشات.
ما التزييف العميق (Deepfake)؟ وكيف يُهدد خصوصيتنا؟
في عصرٍ تتسارع فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي، برزت تقنية تُعرف باسم «التزييف العميق» (Deepfake)، وهي نوع من التلاعب الرقمي يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحريك أو تعديل ملامح الوجوه، أو تركيبها على أجساد أو مشاهد لم تحدث، لتبدو حقيقية ويصعب على العين المجردة كشفه.

وقد أوضح الخبير التقني سامر عبيدات، في لقاء عبر برنامج «صباح جديد» على قناة القاهرة الإخبارية، أن هذه التقنية تعتمد على شبكات عصبية متطورة تُدرَّب على مقاطع فيديو أو صوت لشخص ما، ثم تُحاكي حركاته ونبرته بدقة، ما يجعلها أداة شديدة الخطر في يد من يُتقن استخدامها لأغراض مشبوهة.
بات التزييف العميق يُستخدم على نحو متزايد في جرائم رقمية كثيرة، من أبرزها تركيب وجه فتاة حقيقية على جسد في فيديو إباحي، أو تقليد صوت شخص معروف في تسجيل ملفق، أو صناعة اعترافات وهمية تُستخدم للابتزاز أو التشهير.
ورغم أن هذه التقنية تجد أحيانًا طريقًا إلى مجالات مفيدة كالتعليم، والسينما، وإحياء الشخصيات التاريخية، فإن الاستخدام الأوسع والأخطر لها قد يظهر في التحرش الرقمي، واستهداف النساء والفتيات على وجه الخصوص.
ففي تقرير بثته قناة «العربية»، كُشف في عام 2024 عن فضيحة رقمية هزَّت الرأي العام البريطاني، استهدفت فيها أكثر من 30 سياسية باستخدام التزييف العميق، بوضع وجوههن على مشاهد جنسية مفبركة، بهدف تشويه سمعتهن.
ولم تقف خطورة هذه التقنية عند حدود الأفراد، بل امتدت إلى الأمن القومي؛ إذ حذّر المهندس مؤمن أشرف، خبير دولي في الأمن المعلوماتي، في مقال نشرته صحيفة الوطن، من أن الجماعات الإرهابية باتت تستغل تقنية Deepfake في إنتاج محتوى مضلِّل بدقة عالية، بهدف زعزعة استقرار المجتمعات ونشر الفوضى.
الخطر الخفي.. عندما تصبح الحقيقة لعبة في يد الذكاء الاصطناعي
في فيديو شهير يُظهر الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما يُدلي بتصريحات مثيرة، يبدو واقعيًا تمامًا.. لكن المفاجأة! أنه من صنع الفنان «جوردان بيل».
فالصوت مطابق، تعبيرات الوجه متقنة، والحركة طبيعية تمامًا، كأن أوباما يتحدث بنفسه.
ولأن الخطر ليس نظريًّا، بل يزداد يومًا بعد يوم، كشف تقرير رسمي صادر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري، أن المحتوى المزيّف بتقنية التزييف العميق ارتفع عالميًّا بنسبة 900% بين عامي 2019 و2020، مع توقُّعات بأنّ يمثل 90% من المحتوى الرقمي بحلول عام 2026.
ومن جانبه وصف براد سميث - نائب رئيس شركة مايكروسوفت- التزييف العميق بأنه «سلاح رقمي جديد»، داعيًا إلى إصدار تشريعات تحمي الحقيقة، وعلى رأسها قانون «No Fakes Act» الذي يُجرِّم تقليد الوجوه والأصوات دون إذن، لا سيما في السياسة والإعلام.

أما كونور لياي، الباحث في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، فذهب لأبعد من ذلك، مطالبًا بـ«تجميد مؤقت» لتطوير هذه التقنيات حتى يتم وضع أُطر قانونية وأخلاقية صارمة، مشددًا على أن الخطر لا يهدد الأفراد فقط، بل يمتد إلى المجتمعات.
ويبقى السؤال: كيف يمكن أن نحمي أنفسنا وأطفالنا من هذا الخطر الخفي؟
فحمايتنا لا تحتاج إلى خبرة تقنية أو أدوات معقدة، بل إلى وعي بسيط وخطوات ذكية:
لا تنشر صورك بوضوح كامل للوجه
كلما كانت الصورة واضحة وبجودة عالية ومن الأمام، زادت قابليتها للنسخ والتزوير.
اختر زوايا جانبية، أو صورًا فيها ظلال، فبهذه الطريقة تُضلِّل خوارزميات التزييف الذكي بسهولة. وهذا ما أشارت إليه مؤسسة «stay safe online» معتبرةً أن تقليل نشر صور عالية الجودة يقلِّل من استخدامها من قبل «ديب فيك».
استخدم الفلاتر والمؤثرات البصرية
الفلاتر ليست فقط للزينة. بعض التأثيرات البسيطة تغيّر ملامح وجهك بطريقة يصعب على الذكاء الاصطناعي تحليله.
فلاتر «العيون الكبيرة» أو «الألوان الغريبة» ليست مضحكة فقط… بل واقية أيضًا!

اجعل الخلفية مشوَّشة
خلفية الصورة توفّر سياقًا مهمًّا للذكاء الاصطناعي لتحليل الشخص.
صورة في مكان مزدحم أو بخلفية غير واضحة تعني تشويشًا على أي محاولة تزييف.
احمِ أطفالك الصغار
لحمايتهم، اختر صورًا بوجوه مموَّهة، أو لحظات جانبية دون ملامح مباشرة. بل ويُفضَّل، كما تنصح صحيفة The Guardian، استخدام رموز تعبيرية (إيموجي) لإخفاء وجه الطفل تمامًا.

لأن هذه الرموز تُدمَج في الصورة دمجًا نهائيًّا، فلا يمكن للذكاء الاصطناعي فصلها أو استعادة الوجه الأصلي؛ ما يُفشل أي محاولة للتزييف العميق.
راجع إعدادات الخصوصية
اجعل حساباتك «خاصة» وليست «عامة»، وحدِّد من يمكنه مشاركة صورك أو تنزيلها. الخصوصية الرقمية هي درعك الأول.
كن قدوة لأطفالك
تحدَّث مع أبنائك بلغة بسيطة عن خطورة نشر الصور، ساعدهم على التفكير قبل الضغط على زر «مشاركة»، اطلب منهم بطريقة غير مباشرة مناقشة الصور والفيديوهات مع أحد الوالدين، والأخذ برأيهم قبل نشرها.

وأخيرًا.. علينا أن نُدرك أن التهديد الرقمي لم يعد احتمالًا بعيدًا، بل واقعًا يطرق أبوابنا كل يوم. ففي زمنٍ تُفبرك فيه الأكاذيب ببراعة الذكاء الاصطناعي، وتُنتزع فيه الوجوه من صورها بضغطة زر.. تصبح الوقاية واجبًا لا اختيارًا.
فقط نحتاج إلى وعيٍ قبل النشر، وانتباهٍ للتفاصيل الصغيرة، وتربيةٍ رقمية نغرسها في أبنائنا كما نعلِّمهم شعبور الطريق.
فقد حان الوقت.. لنختر اليوم كيف نُحصِّن الغد.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.