من صالح إلى طالح (رحلة التحول بين المدن والقلوب).. قصة تربوية

أكتب إليك علني أجد فيك مؤنسًا وجليسًا، أحدثك أنت الغائب الحاضر، غائب أنت بجسدك، لكنك حاضر بأفكارك وتحاورك واختلافك، لعل كلمة من قلب صادقة تتسرب إلى أعماقك، فتصيب منها ما أصابك من حزن ووهن، فتكون بلسمًا لجراحك، تعدو بين صفحات مقالي لتقطف من زهور أفكاره، لعلك تشم عبيره، فتعجبك أو تعرض عنه، لكن يكفيك تجول حقول تجاربي، فلا خاب من أضاف إلى نفسه من غيره، ولا خاب من اختلف، وليكن أجمل ما لدينا اختلافنا.

من طالح لصالح

- أواب: السلام عليكم، من أنت؟ ومن جاء بك إلى هنا؟

- طالح: وعليكم السلام، اسمي طالح يا أخي، وأنا هنا تائه في هذه المدينة.

- أواب: أتقصد أن اسمك صالح؟

- طالح: أعنيه بطائه يا أخي، جميل اسمي هكذا.

- أواب: جميل!

- طالح: سماني به والدي، وأخبرني أنه جميل ويدل على مدينتي.

- أواب: وأنا اسمي أواب، وهكذا أخبرني أبي أن اسمي يدل علينا، لماذا أنت حزين يا - طالح؟ أراك تجلس مهمومًا، ماذا حلّ بك؟

- طالح: لا أعلم، كنت أمشي في مدينتنا مستأنسًا، وأجد متعة في السير، وها أنا أجد نفسي في بلدتكم ولا أعلم كيف حدث هذا.

- أواب: أتعرف بلدتنا؟

- طالح: سمعت عنها، لكن ليس كثيرًا، يقال اسمها مدينة ال- أوابين، لا يكثر ذكرها في بلدتي، فهم يكثرون من ذكر مدينتي: - طالحة والمختلسة والمتردية.

- أواب: المتردية؟

- طالح: لا تتعجب، هذه المدينة يحبها كثيرون منا، ويقضون فيها كثيرًا من أوقاتهم.

- أواب: دعك من المختلسة، فاسمها يدل عليها، لكن ماذا عن المتردية؟

- طالح: يذهب إليها الناس حين تصيبهم البوائق، فهي تعد متنفسًا لهم، أتدري يا أخي؟ قد يسير الواحد منا سيرًا يعجب الناس، لكن حين يذهب إليها ويعود إلينا يُصاب بالعلل، ويصبح أسوأ مما كان، ولذلك سميت بهذا الاسم.

- أواب: ما السير الذي يعجب الناس؟

- طالح: لا أعلم مثل هذا النوع وكيفيته، فهو غير معروف لدينا، لكن يكون الشخص مريحًا في تعامله، وتشعر بسكينة في التواصل، ويعتريك هدوء لا تعلم كيف تجعله دائمًا لديك.

- طالح: ومدينة الأوابين لا أحبها، فقد سمعت عنها سوء القول.

- أواب: سأخبرك عنها وستحبها.

- طالح: لا يا صديقي، أريد أن أعود، كيف الطريق إلى مدينتي؟

- أواب: مثل هذه المدن ليس لها خارطة طريق.

- طالح: أحزنني قولك، أريد أن أعود، فالعيش هنا غالٍ جدًّا.

- أواب: ستجد معي تسلية لوقتك حتى نجد حلًا.

- طالح: حزين أنا بصحبتك، لكن لا عليك، سأسمع منك.

- أواب: امشِ معي، لا تتأخر، لا تكن راكدًا، مدينتي بها أحياء كثيرة، انظر، هذا حي الصدق.

- أواب: لنبدأ بحيّ الصدق، نستأنس به قليلًا.

- رجل مارّ: يا أخي!

- طالح: تفضّل، ماذا تريد؟

- رجل مارّ: أريد أن أذهب إلى مدرسة النصر، أتَعرف عنوانها؟

- طالح: نعم، ستجدها جوار البريد.

- أواب: جميل ما فعلتَ يا طالح.

- طالح: لا أعلم عنوانها، هنا لا يهمّنا كثيرًا ما نقول.

- طالح: وماذا عن أهلك؟

- أواب: أهلنا طيبون في نشأتهم، لكن كل حي أطلقنا عليه ذلك الاسم من شدة وجود هذه الصفة فيهم، ولا يعني ذلك أنهم ناقصون في جانب آخر.

- طالح: وما هذه الأنوار؟

- أواب: أنوار حي الجود، أشعلها أهلها لتساعد المارة.

- مسكين جائع: هلّا أطعمتني وأعطيتني، فإنّي جائع جدًّا.

- طالح: لا، أحتاج إليه أكثر، فقد أجوع ولا أجد طعامًا.

- أواب: لكن ماذا عنك أنت يا طالح؟

- طالح: أعيش متحررًا، حين أسعد من فرط سعادتي أتوهج، وحين أحزن من فرط حزني أنطفئ، وأفقد ذاتي.

- أواب: تقصد أنك هش؟

- طالح: لا أفهم مثل هذه المسميات، مدينتنا تبغض العلم، نريد أن نعيش بغير تكليف أو تكلُّف.

- أواب: تكليف وتكلُّف!

- طالح: هكذا أخبرونا عنكم، لذلك نبغض الأوابين.

- طالح: كيف تعيشون في بلدتكم؟ أتدري أن هذه أول مرة أسمع منكم لا عنكم؟

- أواب: لا بأس، حي الصدق لا يعرف فيه دهاء، وما قيل لك هو ما قيل، فيه نجاة يحكي أهلها عنها، ويهدي أهله إلى خير الأمور والبر.

- طالح: لدينا يا أخي ما قيل لك غير ما قيل، ماذا يسمى هذا؟ أجد شتاتًا، لكن لا يهمني كثيرًا.

- أواب: هذا يُسمى الكذب، لكن كيف لا يهمك؟ ستتأثر سلبًا.

- طالح: كيف؟

- أواب: قلتَ: أجد شتاتًا، لقد أفضتَ شرحًا.

- طالح: صدقت، أخبرني أكثر عنكم.

- أواب: نعيش متكاتفين، يساعد كلٌّ منا الآخر.

- طالح: وما هذا؟

- أواب: هذا يُسمى العون: أن تقدم لأخيك ما تراه بحاجة إليه وإن كان بك خصاصة.

- طالح: خصاصة؟

- أواب: أن تكون في أمسّ الحاجة إلى شيء ما، وحين يسألك أخوك تعطيه إياه عن صدق وجُود، ابتغاء مرضاة الله.

- طالح: لدينا كل واحد يعيش لنفسه، لا بد أن تكون كل شيء.

- أواب: كيف؟

- طالح: تعيش لنفسك حارسًا لما تمتلكه، تفعل كل ما تحتاج إليه نفسك بنفسك.

- أواب: إنكم لتفتقدون العون.

- طالح: نفتقد هذا، لكن أتعيشون حقًّا هكذا؟

- أواب: نعم، وأكثر.

- طالح: ما أخبرونا عنكم هكذا، هذا مريح، أشعر أني ممزق في بلدي، وإن وجدتُ تسلية بعض الوقت عابرة، لكن سرعان ما أعود حيرانًا منكسِرًا، نعيش غرباء، لا صلة تجمعنا سوى الدم فقط.

- طالح: ما معنى أواب؟ أخبرونا أنكم كالمتردية؟

- أواب: نشترك لفظًا، فكل منا سيعود، لكن أنتم تسقطون وترتطمون، ليس عودًا محمودًا مثلنا، لكنه عود منكوب، لا أقول إننا لا نخطئ أبدًا، نخطئ كثيرًا، لكننا نعود إلى أنفسنا نحاسبها، لا تقريعًا، بل تعليمًا. 

- طالح: جميل، هذا لديكم متنفس، أنتم لستم كما يُحكى عنكم، لديكم متنفس أجمل منا.

- طالح: لكن ماذا عن اسمي؟

- أواب: يؤسفني أن أخبرك بأنه ليس بجميل، فهذا اسم للفساد.

- طالح: حزين أنا، لقد أضعت عمري هباءً.

- أواب: سأسميك صالحًا، لا يختلف جناسه ونطقه، لكنك أحرى بأن تكون صالحًا.

- صالح: جميل هذا الذي حملني إليكم، لا أريد أن أعود إليهم، أحزنني ما أفعل وما نحن عليه، لقد ضلّلت كثيرًا، وعبثت بهم وبحياتهم، أريد حياة لا أفعل فيها ما يورث الندامة والحسرة.

- أواب: أعلم أنّ فطرتك ستقودك، وإنْ تعلّمت من مدينتك الرذيلة، لكنّك حتمًا ستعود إلى الفضيلة.

- أواب: يا مرحبًا بك، أخبرتك أن هذه صفتنا أن نعود، وليس أن نخطئ، ستصبح أفضل أواب يعيش بيننا، حيث عدت من القاع، ومن أسوأ ما وقر في قلبك وحفر بنفسك وعقلك إلى ما هو أفضل.

- أواب: ستعيش بيننا مطمئنًا، لا تخشى شيئًا، ستتعلم الدين، وسترى جميل النعم، لكن ابدأ بما هو كامن لديك من سوء، كنت مملوءًا بوهن الباطل، وإنه لأوهن من بيت العنكبوت، وستصبح جميلًا وقويًّا ومحبوبًا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

غاية في الجمال 🌷
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة