"من شعراء الجاهلية قيس بن الخطيم " لسان الأوس

قيس بن الخطيم " لسان الأوس"                    

الشاعر فرد من أفراد القبيلة عليه ما على أفراد القبيلة بل وأكثر، فهو المدافع عنها، المحافظ على شرفها وقيس بن الخطيم كغيره من شعراء القبائل، كان لسان الأوس، فقد كان يحمل على الخزرج، ويردد ذكريات الأيام التي كانت بين الأوس والخزرج، وكان له دور فعَّال في هذه الأيام والحروب، فنجده فارسا مقاتلا ومصلحا نشيطا ومحرضا فعَّالا، وواصفا وراصدا لأحداث هذه الأيام والحروب سواء أكانت قبيلته منتصرة أو مهزومة، وفي كلتا الحالتين يبقى مدافعا بسيفه ورمحه أو بمشاركته بالشعر حيث ينظم العديد من الأراض التي لها وقع مؤثر على خصومه وخصوم قبيلته.

وبالمقابل لم يكن شاعر القبيلة المهزومة مكتوف اليدين، ومعقود اللسان بل كان يتجلى في الرد على خصومه، فيدافع عن شرف قبيلته ويحافظ على سمعتها وكرامتها، وكان لزاما عليه أن يثأر بأشعار كلها قوة ترفع من شأن قومه وتحط من هيبة الشامتين والمتطاولين، ويحاول بذلك التخفيف من أثر الهزيمة ويتوعد أعداءه بالويل والثبور.

وبعد لقد رأينا أن نوزع دور الشاعر في أيام الأوس والخزرج إلى مجموعة من الأدوار البارزة وهي:

كما نعلم أن الشعر الجاهلي بشكل عام رافق الحياة في مختلف مجالاتها، فعبر عنها وتوغل في نفوس العرب، وخالطهم في كل شيء، فقد كان المتنفس والمستودع لهم، لأنه تخللهم والتحم بهم ودخل في كل عمل من أعمالهم، ورافق كل حركة من حركاتهم ([1]).

فشخصية الشاعر اندمجت في قبيلته ومجتمعه، فظهرت القبيلة في شعر قائله قوية، وقد تطغى شخصية القبيلة من حيث المعاني، فلا يكون للفرد في القصيدة إلا هذه الصياغةُ الفنيةُ التي تعدّ مظهر براعته في الأسلوب. ([2])

فالشاعر الجاهلي جزء من كيان المجتمع ولحمة من نسيجه ولازمة ضرورية من لوازم حياتهم كالماء والهواء والفرس والسيف والناقة.

يقول أحمد أمين ([3]): تشعر حين تقرأ الشّعر الجاهلي أن شخصية الشاعر اندمجت في قبيلته، حتى كأنّه لم يشعر لنفسه بوجود خاص، وقلّ إن تعثر على شعر قد ظهرتْ فيه شخصيةُ الشاعر، ووصف ما يشعر به وجدانُه، وأظهر فيه أنّه يحس لنفسه بوجود مستقل عن قبيلته.

ومن هنا يمكن أن نستنتج سبب علو منزلة الشاعر بين قومه فقد كانت القبيلة إذا نبغ فيه شاعر أتت القبائل فهنأتها، لأنه حماية لأعراضهم، وتخليدا لمآثرهم، وإشادة لذكرهم.

وعصبية القبائل أعطت الشاعر مكانة أوسع ن لأنها تقتضي على كل فرد أن يدافع عن قبيلته بما وسعه فاتجهت مهمة الشاعر إلي الفخر بالقبيلة والإشادة بأيامها وحروبها وانتصاراتها، والطعن بأعدائها ويتسع على الشاعر أغراض أخرى كالهجاء والغزل والحكمة والمديح والوصف والتهديد والوعيد والنصح والإرشاد والإصلاح.

وعندما يكون الشاعر سيدا في قومه يظهر دور الإصلاح بارزا في شعره، وقد يبدو مثل هذا الغرض غريبا في ميدان الحرب الحافل بالفخر والحماسة ووصف القتال ولقاء الأبطال، ولكن واقع الحال يقرر ذلك، وينفي كل غرابة فهناك العديد من القصائد أو المقطوعات الفردية التي حملت هذا الدور، وهذا ما يجعله ملحوظا بين الأغراض الشعرية المطروحة والمألوفة في الشعر الجاهلي ككل.

وإذا عدنا إلي الأوس والخزرج نجد أن القبيلتين يجمعهما نسب وقرابة متشابكان، إضافة لذلك نجد أن الحروب التي كانت تنشب بينهما نتيجة لتدخل اليهود المباشر أو غير المباشر، ولأسباب اقتصادية واجتماعية وتاريخية، وأمام هذا الشعور شعور رابطة القرابة والدم كان من الطبيعي أن تولد فكرة الإصلاح بما تشتمل عليه من تبعيض الحرب وتزيين السلام والألفة بين الطرفين وتتجلى في أبيات الشعر التي يطرحها الشاعر في هذا المجال، فكرة الأخوة عندما يقف موقف المصلح ويحذر من عواقب الحرب إذا لم تنجح السبل الداعية لعدم إشعال نيرانها.

وليس غريبا على قيس بن الخطيم أن يقوم بهذا الدور خاصة إذا علمنا أنه كان سيدا في قومه وفارسا شجاعا من فرسانهم.

ولقد قام قيس بن الخطيم بدور الإصلاح داخليا وخارجيا، فداخليا: كان يفض الخصومات ويجمع الشمل بين أفراد قبيلته، وخارجيا: فإنه كان يتدخل لدرء وقوع المناوشات والحروب مع القبائل المجاورة، وقد كان جل همه وقف القتال والسعي في رأب الصدع والقيام بكل عمل فيه حقن لدماء القوم وإنقاذ للنسل والحرث.

وأثناء المناوشات والخصومات التي عاشتها الأوس والخزرج نجد أن تدخل الشاعر كان ضروريا، فنجده في حرب حاطب يتدخل لمنع وقوع الحرب والاشتباك، فهو يدعو الطرفين للتفاهم بالطرق السلمية، ويبذل الكثير من المحاولات ولكن إذا فشلت تلك المحاولات فهو يرحب بالحرب ويلتحق بها بنفسه وأمواله ونجد ذلك في قوله 

دعَوْتُ بني عَوْفٍ لحَقْنِ دمائهمْ

فلمّا أبَوْا سامحْتُ في حَرْبِ حاطبِ

وكُنْتُ امْرءاً لا أبْعثُ الحَرْبَ ظالماً

فلمّا أبَوْا أشْعَلْتُها كُلَّ جانبِ

أربت بدفع الحرب حتى رأيتها

عن الدفع لا تزداد غير تقارب

فإذْ لم يَكُنْ عَنْ غاية ِ الموْتِ مَدْفعٌ

فأهْلاً بها إذْ لم تَزَلْ في المَرَاحبِ

فلما رأيت الحرب حرباً تجردت

لبست مع البردين ثوب المحارب

فهذا الشاعر المصلح يحاول منع وقوع الحرب، ولكنه عندما لا يجد حلا لذلك فإنه يكون وسيلة إشعال لها حيث يلبس أدوات الحرب كاملة، ويدخل ساحة الوغى مقاتلا عنيدا لا يخشى الموت، ويقدم أنفس ما يملك من أجل بقاء قبيلته عالية الهمة.

والشاعر بهذا الدور يكون شريف السلوك أمام أعدائه، لأنه لم يفاجئهم بالحرب، ولم يُردها لأنه توسل لمنع وقوعها ولكن دون جدوى.

 

ومما يشي إلى إنه قد كره الحرب خوفا من سفك الدماء قوله في يوم الربيع الظفرى([5]) :

ولولا كَراهَة ُ سَفْكِ الدِّماءِ

لعاد ليثرب أديانها([6])

وأحيانا نجد الشاعر يقوم بهذا الدور أثناء وقوع الحرب، فيوجه رسالة إلى أشراف القوم ليعودوا إلى عقلهم، ويعملوا على وقف الحرب كما فعل في يوم الفضاء حيث قال ([7]):

ألا منْ مبلغٌ عنّي كعيباً

فهلْ ينهاكَ لبُّكَ أنْ تعودا

فالشاعر يظل داعيا للصلح حتى اللحظات الأخيرة، محاولا لأن يتجنب كلا الطرفين إراقة الدماء، وهو في هذا الدور يمثل دور السيد الحق في القبيلة.

ثانيا: الفارس المقاتل:

إن الشاعر الذي خاض غمار المعركة بسيفه يعد فارسا ([8])، فالشاعر يسخر شعره لمصلحة الحرب وإنجاح أمر القبيلة بالسبل الكفيلة لذلك، وعمله عمل دائب ومستمر في كل الظروف والمناسبات والمواقف، وليست لديه ساعة توقف أو صمت، فهو يمهد قبل اللقاء لحرب نفسية، بما يبثه من قصائد تفعل فعلها في نفوس أعدائه من إرهاب لهم، وتثبيط لعزائمهم وجعلهم يفقدون الثقة بأنفسهم، ثم يبث بلسان من نار ليثير الحماسة في دماء قومه ونفوسهم 0

فهو قبل الحرب يمهد، وخلال الحرب ينشد، وبعد النصر يفتخر، وقيس كان شاعرا وكان مقاتلا في وقت واحد، فهو إذا اشترك في الحرب مقاتلا كانت مشاركته مشاركة فعَّالة كمشاركته في حرب حاطب، وقد صرح بذلك قائلا ([9])

أُجالِدُهُمْ يَوْمَ الحَدِيقة ِ حاسِراً

كأنَّ يدي بالسّيفِ مخراقُ لاعبِ

فهو ذو جلد وصبر على لقاء الأعداء، متمرس في استخدام السيف، خبير بفنون القتال، مجيد لحركات الخداع والمراوغة ضد أعدائه 0

وبالإضافة إلى هذه المشاركة الفعلية، فإننا نجد الشاعر قد شارك في معظم الحروب التي دارت بين الأوس والخزرج بأشعاره التي نظمها في مختلف الأغراض والتي كان لها الأثر البالغ في نفوس الأعداء.

ثالثا: الوعيد والتحذير:

لقد طرق الشاعر الوعيد والتحذير في مجالين مختلفين الأول: توعده لأعدائه بالقتل والتنكيل وتهديده لهم بالثأر لذوي أقربائه وأبناء عمومته من الذين سقطوا قتلى في أيديهم.

وفي المجال الثاني: لقد أنذر قومه وحذرهم من مباغتة العدو، وعزمه على لقائهم طالبا منهم حسن الاستعداد تحسبا لأي طارئ، وقد نجده يحذر أعداءه من عواقب الحرب وهذا الدور لا يخلو منه شعر شاعر، حتى أصبح ذلك من تقاليد شعر الحرب أو خصومات الأفراد بشكل خاص، وهو يأخذ أشكالا وصورا وفقا للحالة التي يتصف بها الشاعر، وكثيرا ما نجد اقتران الوعيد والتحذير بالقسم، وقد يكون الوعيد والتحذير موضوعا قائما بذاته أو يكون موزعا في ثنايا أبيات القصيدة 0

وقد نجد الشاعر يقوم بتذكير الخصوم بخسائر سابقة، ويكون ذلك كنوع من الوعيد، ويخاطب أعداءه ويحذرهم من مغبة الوقوع في شرك الحرب مرة ثانية لأنهم يواجهون عنفا وعنادا وإبادة.

وقد يكون الوعيد والتحذير على شكل رسالة تحذيرية يوجهها الشاعر لخصومه كما فعل في يوم الشرارة حيث قال ([10]):

فَمَنْ مُبْلِغٌ عني شَريدَ بن جابر رسولا إذا ما جاءه وابن مرثد

فأقسمتُ لا أُعطي يزيدَ رهينةً سوى السيفِ حتى لا تنوء له يدي

فهو يلوح باستخدام القوة والسيف مباشرة ويقسم على ذلك، ولا يريد أن يقدم أية تنازلات إلى خصومه.

 

وقد قدم أيضا تحذيرا للخزرج في يوم بُعاث، فعليهم ألا يقتربوا من أماكن النخل التابعة للأوس فقال ([11]):

فلا تقربوا جذمانَ إنَّ حمامهُ

وجنتّهُ تأذى بكم، فتحمّلوا

 وفي يوم مضرِّس ومعبِّس قد وإن تغدر بنا غطفان نردف نساءهم ونقتل كل صقر ([12])

 

هذه رسائل قدمها الشاعر إلى أعدائه قبل وقوع ما يستدعي الانتقام والثأر لأن الوعيد والتحذير من سمات الشعراء العقلاء: كان العقلاء من الشعراء وذوو الحزم يتوعدون بالهجاء ويحذرون من سوء الأحدوثة ولا يعضون القول إلا لضرورة لا يحسن السكوت معها ([13])

رابعا: النصح والإرشاد:

هو ذلك الشعر الذي يوجهه الشاعر إلي قومه أو إلى أقوام لها صلة بقبيلته، ويقدم من خلاله نصحا وإرشادا، بهما يهتدون في الدروب، ويبتعدون عن الوقوع في المهالك كقوله في يوم بعاث ([14]):

فلا أعرفنكمْ بعدَ عزٍّ وثروة ٍ

يُقالُ: ألا تِلْكَ النَّبيتُ عَساكِرُ

فلا تَجْعَلوا حَرْباتِكُمْ في نحورِكمْ

كما شدَّ ألواحَ الرِّتاجِ المسامرِ

فالشاعر بعد أن تعهد بإعادة السيادة لقومه، يقدم لهم نصحا وإرشادا بأن يبقوا متماسكين متلاحمين، وهو دائما يقدم لقومه الهداية والخالص النقي من كل شيء ويبحث عن كل ما يساعدهم في رفاهيتهم واستقرارهم 0

خامسا: المحرض:

نجد الشاعر في هذا الدور يقوم باتخاذ أشكال وأساليب متعددة يحرض بها قومه ويحمسهم على القتال، ونجده لشدة حماسته لقتال أعدائه يطلق ألفاظا من شأنها أن ترفع الروح المعنوية عند قومه، وبالمقابل تعمل على تثبيط همم أعدائه ومن ذلك قوله يوم مضرِّس ومعبِّس ([15]):

فلستُ لِحَاصِنٍ إنْ لَمْ تَرَوْنَا

نُجَالِدُكُمْ كأنّا شَرْبُ خَمْرِ([16])

فهو يقرر أنه إذا لم يجالدهم يكون ليس ابن امرأة عفيفة.

 

وبعد أن تناولنا دور الشاعر في أيام الأوس والخزرج لابد وأن نبين أن الأغراض الشعرية التي طرقها قيس بن الخطيم من غزل وهجاء وفخر ووصف ومدح، كان لها الدور البارز في الرد على الخصوم، ولقد رأينا عدم الحديث عنها مع الأدوار السابقة لأننا أفردنا لها في هذه الدراسة فصلا خاصا نتحدث فيه عن الأغراض الشعرية التي احتواها شعره

المصادر:

[1] انظر تاريخ آداب اللغة العربية ج1/66       

[2]- عمر رضا كحالة : الأدب العربي في الجاهلية والإسلام، 75.

[3]- فجر الإسلام: 59

[4]- الديوان :81-82 

[5]- الديوان : 72

[6]- أديان : جمع دين أي الأمور التي تعرفها ـ والدين : العادة والدأب 0  

[7]- الديوان : 149

[8]- انظر : الشعر في حرب داحس والغبراء /330

[9]- انظر : الديوان /88

[10]- الديوان : 130

[11]- الديوان : 138

[12]- الديوان : 186

[13]- العمدة ج2 167

[14]- الديوان : 208-209

[15]- الديوان : 182

[16]- الحاصن : المرأة العفيفة 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب