من رسائلها إليه


أكتب لك الآن وأنا على شفا الشّوق يشقّ عباب قلبي، تغيب فيحملك إليّ طيفك رغماً عني، تنساب بين أضلعي، لتشعل ناراً تقتات روحي.

أكتب إليك وأنا أحوك لك وشاحًا من نور، أنتظر معه دخولك عليّ بيتنا الَّذي اهتزّت جدرانه تشكو برد بعدك، منذ غادرتني وأنا أجلس في نهاية يومي في زاويته الباردة، أتدثر أيامي معك، أراك تضحك هنا وتمزح هناك، قبيل المغرب تجلس تقرأ أذكارك، وتتلو آيات القصص، ثمّ تجلس على كرسيك الَّذي تلقي عليه عناء النّهار، وتبدأ تحكي لي الحكايات وأسمعك، كانت تلك السّاعة من أحبّ السّاعات إلى قلبي، كنت تغلفها بآرائك تارّة، وبالنقاش أخرى، يعلو صوتنا، نضحك، نميل مع الأحداث ونتلوى الحزن ونرتدي الفرح.

أنظر إلى باب تلك الغرفة الَّتي هُجرت، أسمع أنين نايها الَّذي تعزفه لي كل مساء منذ يسدل اللّيل ستاره، أجلس أضمّ إليّ بعض أوراق، وجهازي يروي بين العتمات كلماتك الَّتي كنت أخطها، كنت كاتباً بمداد الرّوح، وكنت أغتذي بها في ساعات المساء، كم مرّة نسيت العشاء!

أغفو هناك فوق تلك الأوراق، لأصحو وقد محا الدّمع ما خطت يداي.

صحيح، حديقة بيتنا يا صفيّ القلب تنمو في انتظار انبلاج فجر قدومك، نصحو لتحتسي فنجان قهوتك، وهي تصبّ عليك عطر ياسمينها الأبيض.

ذاك العراك اليوميّ الَّذي كنت تعالج به محلّك وبضاعته، تدلل طفلًا لا يكف عن التردّد عليك صباح مساء، وتعطي طفلة هواها من الحلوى وزيادة، تهب مُسنًّا صبرًا ووقتًا، وتعطي امرأة كثيرة السّؤال والتردّد صبرك وتحملك دون تبرّم على ضيق ذات اليد، وغلاء الأسعار الَّذي صار سمتاً لزماننا اللئيم، كم رأيتها في جبينك تلك الغضبة من سوء الأحوال هنا! وكم كنت أمسك فرشاتي وقلمي لكي أرسم ابتسامة تنسيك عناء يومك، وتجعل من وجهك وملامحه لوحة كانت الأحبّ إلى ناظريّ، أتأملها وأبتسم وأقول في نفسي: أهمس له كم أتلو آيات شكر أن رزقته على حين غفلة مني، ثم أقول: لا، لا... لا داعي أن يطمع في قلبي أكثر، لكنّه كان يراها في عينيّ فيبتسم، ويحاول استفزاز غيرتي بما يتخيّل من قصص، ثمّ ينساب ضاحكًا، فأضحك معه وله.  

أكتب لك والشّوق يشقّ ثياب الصبر كنوح ثكلى –لا فُقدتك-، أكتب لك وأنتظر لحظة يستقيل فيها ساعي بريدي إليك...

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

ما أرقي قلمك

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
عهد صالح - Jan 8, 2022 - أضف ردا

شكرا لكم أستاذ

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب