من رحم الموت.. قصة مؤثرة

عندما أخبرها الطّبيب أنها حامل كادت أن تحلّق من الفرح، ولم تكَد تصدق ما تسمع أذنيها، فبعد زواج دام أكثر من خمس سنوات دون حمل، ستصبح أماً الآن.

اتصلت بزوجها وأخبرته أنها حامل، وأنه عما قريب سيصبح أباً، لم يصدق للوهلة الأولى، ولكن بعد أن أكدت له الأمر، لم تسعه الأرض من الفرحة، ثم وقع ساجداً شاكراً لله.

مضت الأيام والزوجين في قمّة السعادة بهذا الحمل، حيث أخبرتهم الطبيبة أن جنس الجنين ذكر، هذا ما هو ظاهر بالتصوير على الجهاز.

سألت فاتن زوجها: ماذا سنسمي ابننا؟

خالد: سأسميه عبد الكريم على اسم والدك إكراماً له يا حبيبتي. 

فاتن: شكراً لك يا قرّة العين، سأذهب غداً إلى السوق، وأشتري ملابس لطفلنا القادم، بل سأشتري الكثير من الملابس والأحذية، وسأشتري له أرجوحة، وسريراً ودراجة.. 

ضحك خالد كثيراً، ثم قال لها:

رويداً رويداً يا فاتن، ماذا سيصنع الآن بالدراجة والأرجوحة والأحذية!؟

ضحكت فاتن، وقالت: لا أعلم، ولكن لا أريد أن ينقصه شيئاً.. 

أعدك لن أنقص عليه شيء، وسأجلب له كل ما يريد، لقد انتظرنا قدومه كثيراً.  

في اليوم التّالي، ذهبت فاتن إلى السوق لتجهز ملابس صغيرها المنتظر.

الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل، شعرت فاتن بآلام الولادة للمرّة الأولى أيقظت زوجها من النوم. 

خالد، خالد استيقظ...

فاتن ماذا هناك؟

خالد علينا الذهاب إلى المستشفى فوراً..

أشعر بآلام المخاض.

حسناً، إهدأي قليلاً، سأرتدي ملابسي ونذهب.

هرع خالد مسرعاً، وارتدى ملابسه، ثم حمل فاتن ووضعها في السيارة، وانطلق مسرعاً.

في الطريق قالت له فاتن بصوت حزين: لو أن الله قبض روحي وأنا ألد أوصيك بابننا خيراً.

نظر إليها خالد بنظرة خوف، وأراد أن يهدئ من روعها، أنتِ أول مرّة تلدين لذلك من الطبيعي أن تخافي، فلا داعي لهذا الكلام، كل النساء يلدن والحمد لله لم يحدث لهن مكروه..

قالت فاتن له بصوت خافت: أعطني يدك، فأمسكت يده وضمتها إلى صدرها وهي تقول بخوف وحزن شديدين ممكن: قد أموت ولا أرى ولدي فإذا خرَج ضمّه بيدك هذه التي ضممتها أنا كي أشعر بها وأنا في قبري وأشعر بولدي.

غضب خالد من كلامها وسحب يدَه من يدِها، وقال لها تعوذي من الشيطان واذكري الله..

تفاءلي بالخير تجديه وإن شاء الله لن يحصل إلا الخير.

قالت فاتن: يا خالد لقد رأيت رؤيا غريبة ولا أدري ما هو تفسيرها.

ماذا رأيتِ يا قرّة لعين؟

رأيت نفسي معك ومعنا طفل، كأنه ابننا واقفون في طريق، وإذا بقطار يمرّ ويقف أمامنا، وأنت بجانبك امرأة لا أعرف من هي، فدفعت بي وبابننا للركوب بالقطار، وإذا بأحد حراس القطار يمسك بيدي ويركبني القطار.

ثم قال: أنتِ لك مكان لدينا أما الطفل فمكانه في القطار الرابع، وبعد أن مرّ أربع قطارات وقف القطار الرابع، وبينما أنت مشغول عن الطفل دفعت به تلك المرأة إلى القطار وهي تضحك، فركب القطار وجلست أنت مع تلك المرأة.

قال خالد: تعوذي بالله من شر هذه الرؤية هي أضغاث أحلام يا قرة العين.

وصلا للمستشفى، وتم إجراء الفحوصات والإجراءات اللازمة، حيث أدخلتها الطبيبة إلى غرفة الولادة، فطلبت فاتن من الطبيبة أن تسمح لزوجها بمرافقتها، ولكنها رفضت وقالت لها: توكلي على الله، وكل شيء بيد الله.

قالت فاتن للطبيبة: أريد أن أكلّم زوجي في الممر فقط وأنا على السرير إذا أمكن فوافقت الطبيبة، وفي الممر أتى زوجها ونظراً لزوجته بابتسامة وإذا بوجهها شاحب مصفر قال لها: ما بكِ يا قرة العين؟

اليوم أسعد يوم في حياتنا وأنتِ حزينة ...! 

من المفترض أن تكوني سعيدة لهذا اليوم لأن الله سيرزقنا مولوداً بعد طول انتظار، وبإذن الله ستكونين بخير، أريده طفلاً يشبهك.

نظرت إليه بعينيها الشاحبتين وقالت له: هل تحبُني؟

أكيد أحبُك بل إني متيم بك يا قرة العين.

دمعت عينيها وأمسكت بيديه وضمتهما على صدرها وقالت له: إذا أنا لم أستيقظ من غفوتي، وأتى ولدنا بخير وسلامة لن أمنعك من أن تتزوج، لكن أرجوك لا تضع الولد عند زوجتك، أبقيه عند أهلي أو أهلك.

كان خالد قلبه ينفطر من هذا الكلام إلا أنه تمالك نفسه وقال لها بصوت لم يستطع أن يخفي به خوفه: أعوذ بالله ما بكِ اليوم متغيّرة كثيراً، أين إيمانك بقضاء الله وقدره، ثم إنها ليست عملية خطيرة أو مرضاً خطيراً لكي تحزني وتخافي هكذا، هذه ولادة سهلة بإذن الله.

قالت: إني أشعر أن هذا هو آخر يوم لي في هذه الدنيا لو أن الله آخذ أمانته فأرجوك أن تسامحني، أرجوك سامحني لو قصرت معك في يوماً، سامحني إن أنا أخطأت معك أو تجاهلت كلامك يوماً.

لم يستطع أن يتمالك خالد نفسه وسقطت دمعة من عينيه على يدها.

ثم قال لها: صدقيني أنتِ أغلى وأعز ما أملك في هذا الوجود.

ثم وضع رأسه على صدرها وانهمرت الدموع من عيناه، أتت الطبيبة وقالت لهم: توكلوا على الله، وادعُ لزوجتك أن ييسر الله عليها الولادة، ودخلت غرفة الولادة ومعها الطبيبة والممرضات وعيناها تتأمل زوجها وهو يدعي الله أن يردها سالمة وتمدد على الكرسي لعله يرتاح بعض الوقت.

وبعد مضي ساعتين، وإذ بالطبيبة توقظه من نومه وقالت له: مبروك رزقك الله بولد.

لم يتمالك نفسه من شدة فرحته، وتوجّه للقبلة، وسجد لله شاكراً حامداً.

ثم قال للطبية وما هو حال زوجتي؟

قالت: إنها تشكو من التعب قليلاً ونقلناها إلى العناية المركزة.

قال: ماذا حصل لها يا دكتورة طمينني؟

قالت له: لديها نزيف حادّ وارتفاع في الضغط مما جعلها تدخل في غيبوبة.

صعق من هذا الخبر فكاد أن يغشى عليه ممّا حدث لزوجته...

هدأت الطبيبة من روعه وقالت: عليك بالدعاء لها ونحن سنفعل ما بوسعنا وما كتبه الله سيقع ذهب وتوضأ، ثم صلى ركعتين، ووقع ساجداً..

وقال: "يا رب هي قرّة عيني لم تعصِ لي أمراً وكانت خير متاع الدنيا فلا تؤذيني بها وردها لي بخير وعافية".

وما إن فرغ من صلاته حتى توجه لرؤية ولده وهو يبتسم فرحا به وعيناه تدمع على حال زوجته.

ثم توجه بعدها لغرفة زوجته، فرآها صفراء اللون شاحبٌ وجهها، والأجهزة تغطي جسدها، فبكى بكاء الطفل بعد أن كانت قبل قليل معه في أتمّ صحة وعافية، كيف تبدلت الأحوال ووقع وما وقع، جلس بقربها وأخذ يتلو القرآن ويدعو الله لها.

أتت الطبيبة وأبلغته بوجوب الخروج من الغرفة، فالزيارات غير مسموح بها إلى أن خرج يجر قدماه مثقلاً ناسياً أنه أصبح أباً.. 

توجّه إلى منزله تاركاً قلبه عند زوجته، وجلس هناك يصلي ويدعو الله بأن يشفي زوجته إلى أن بدأ يشعر بالتعب يسري بجسده، ثم استلقى وأغمض عيناه..

ليجد نفسه واقفاً على سكة قطار وبيده يمسك طفلاً، وكان يحدق للسماء والطفل يجرّه من يده، ويقول القطار أتٍ لنذهب من هنا، استيقظ من سهوته وكان الوقت منتصف الليل، تعوذ بالله، وإذ بجرس الهاتف يرنّ، رد عليه وكان من المشفى.

ألو... نعم.

أتاه صوت من الطرف الآخر يقول: عظّم الله أجرك في زوجتك، أردنا أن نخبرك أن زوجتك قد فارقت الحياة، لكي تأتي وتنهي الإجراءات وتخرجها.

سقطت السماعة من يد خالد من الصدمة التي حلت به وصاح بصوت يجهش بالبكاء "يا قرة عيني، صرت يتيماً" وبكى حتى وقع مغشياً عليه، ليصحو فيجد أخأه وأباه يقفون فوق رأسه بذات المشفى.

سأل أخاه: حاتم أين قرّة عيني؟

فحضنه أخاه وبكى، ثم قال له:

لقد سبقتك للجنة تاركةً لك جزءاً من روحها أمانة.

أتى أهل الزوجة للمشفى، وقالت لهم إدارة المشفى أن بإمكانهم إخراج الأم والطفل معاً..

ذهب خالد لزوجته وحملها بين يديه مانعاً أيّ أحدٍ من الاقتراب منها، بينما حمل والده الطفل وخرجوا من المشفى.

بكى جميع من في المستشفى لهذا المنظر..

خرجت الأم ترتدي الكفن الأبيض مودعةً الدُنيا وراءها، تاركةً جزءاً منها انتظرته خمسة أعوام ولم تحظَ برؤيته.

وخرج الطفل ملفوفاً بخرقةٍ بيضاء إلى هذه الدُنيا، من دون أم تنتظره!

 

لو كانتْ ولادتي مرهونةً بإرادتي ، لرفضتُ الوجودَ قي ظروفٍ ساخرةٍ إلى هذا الحد

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يونيو 5, 2023, 4:46 ص

للأسف كانت النهاية حزينة جدا
أنت تبدع هنا 💞✍️سلمت أناملك

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
سبتمبر 24, 2023, 6:14 ص - سومر محمد زرقا
سبتمبر 23, 2023, 2:32 م - بومالة مليسا
سبتمبر 23, 2023, 2:19 م - بومالة مليسا
سبتمبر 23, 2023, 11:08 ص - مدبولي ماهر مدبولي
سبتمبر 23, 2023, 10:50 ص - مدبولي ماهر مدبولي
سبتمبر 23, 2023, 9:11 ص - سهيلة يحيى زكريا
سبتمبر 23, 2023, 6:46 ص - خوله كامل عبدالله الكردي
سبتمبر 21, 2023, 5:25 م - ليلى امير
سبتمبر 21, 2023, 1:47 م - أنس بنشواف
سبتمبر 21, 2023, 12:47 م - إياس فرحان الخطيب
سبتمبر 21, 2023, 12:26 م - آسيا نذير القصير
سبتمبر 21, 2023, 11:21 ص - زينب علي محمد
سبتمبر 21, 2023, 8:50 ص - وليد فتح الله صادق احمد
سبتمبر 21, 2023, 8:11 ص - أمل محمود قشوع
سبتمبر 21, 2023, 7:44 ص - سحر حسين احمد
سبتمبر 21, 2023, 7:37 ص - خلود محمد معتوق محمد
سبتمبر 20, 2023, 8:18 ص - سومر محمد زرقا
سبتمبر 20, 2023, 6:20 ص - زينب هلال
سبتمبر 19, 2023, 1:12 م - بومالة مليسا
سبتمبر 18, 2023, 5:28 م - أمين عبدالقادر لطف أحمد
سبتمبر 18, 2023, 4:01 م - رايا بهاء الدين البيك
سبتمبر 18, 2023, 2:57 م - بوعمرة نوال
سبتمبر 18, 2023, 8:23 ص - زينب هلال
سبتمبر 18, 2023, 7:21 ص - سومر محمد زرقا
سبتمبر 18, 2023, 6:20 ص - زينب هلال
سبتمبر 17, 2023, 4:00 م - عبدالرحمن أحمد عبدربه الصغير
سبتمبر 17, 2023, 9:58 ص - وصال وداعه علي
سبتمبر 17, 2023, 6:26 ص - مني حسن عبد الرسول
سبتمبر 16, 2023, 1:31 م - ميساء محمد ديب وهبة
سبتمبر 16, 2023, 6:56 ص - رهف ابراهيم ياسين
سبتمبر 15, 2023, 12:45 م - سهيلة يحيى زكريا
سبتمبر 14, 2023, 7:27 م - محمود إبراهيم حفنى
سبتمبر 14, 2023, 7:03 م - زكريا عبده عمر عبده
سبتمبر 14, 2023, 9:01 ص - صفاء السماء
سبتمبر 14, 2023, 8:40 ص - شروق محمود محمد علي
سبتمبر 14, 2023, 7:03 ص - رايا بهاء الدين البيك
سبتمبر 14, 2023, 6:14 ص - بومالة مليسا
سبتمبر 13, 2023, 6:44 م - صفاء السماء
سبتمبر 13, 2023, 5:36 م - صفاء السماء
سبتمبر 13, 2023, 9:27 ص - بومالة مليسا
سبتمبر 13, 2023, 7:25 ص - مني حسن عبد الرسول
سبتمبر 13, 2023, 6:19 ص - حسام عبدالله الساحلي
سبتمبر 12, 2023, 9:10 م - مايا عز العرب عزالدين
سبتمبر 12, 2023, 5:52 م - صفاء السماء
سبتمبر 12, 2023, 5:13 م - صفاء السماء
سبتمبر 12, 2023, 2:19 م - حنين عبد السلام حجازي
سبتمبر 12, 2023, 8:05 ص - ميساء محمد ديب وهبة
سبتمبر 12, 2023, 6:47 ص - رايا بهاء الدين البيك
سبتمبر 11, 2023, 7:36 م - صفاء السماء
سبتمبر 11, 2023, 2:57 م - مبدوع جمال هند
سبتمبر 11, 2023, 11:19 ص - صفاء السماء
سبتمبر 11, 2023, 11:00 ص - البراء القاضي
سبتمبر 11, 2023, 10:04 ص - محمود سلامه الهايشه
سبتمبر 11, 2023, 8:51 ص - صفاء السماء
سبتمبر 11, 2023, 7:07 ص - مصطفى جاد ابو العز
سبتمبر 11, 2023, 6:24 ص - سهيلة يحيى زكريا
سبتمبر 11, 2023, 5:09 ص - أنس بنشواف
سبتمبر 10, 2023, 4:24 م - جود معاذ الرفاعي
سبتمبر 10, 2023, 10:54 ص - التجاني حمد
سبتمبر 10, 2023, 9:44 ص - أسماء خشبة
سبتمبر 10, 2023, 9:19 ص - شادى محمد نجيب
سبتمبر 9, 2023, 8:54 م - محمود سلامه الهايشه
سبتمبر 9, 2023, 1:14 م - هشام بوطيب
سبتمبر 9, 2023, 11:14 ص - صفاء السماء
سبتمبر 9, 2023, 11:10 ص - بومالة مليسا
سبتمبر 9, 2023, 9:51 ص - وصال وداعه علي
سبتمبر 9, 2023, 8:12 ص - بومالة مليسا
سبتمبر 9, 2023, 8:12 ص - مدبولي ماهر مدبولي
سبتمبر 7, 2023, 6:48 م - بومالة مليسا
سبتمبر 7, 2023, 1:07 م - بومالة مليسا
سبتمبر 7, 2023, 12:59 م - بومالة مليسا
سبتمبر 7, 2023, 12:33 م - مدبولي ماهر مدبولي
نبذة عن الكاتب

لو كانتْ ولادتي مرهونةً بإرادتي ، لرفضتُ الوجودَ قي ظروفٍ ساخرةٍ إلى هذا الحد