من خواص البصر عند ابن الهيثم

لم يهمل المسلمون علوم الطبيعة، أو يعكفوا فقط على نصوص الوحي، بل نظروا في خلق السماوات والأرض، وعدُّوه كما عدَّه الشارع الحكيم من العبادات العظيمة.

وبرز منهم المهندسون والأطباء والأدباء والكيميائيون والجيولوجيون والبيولوجيون والجغرافيون والمؤرخون الذين أسهموا في بناء الحضارة الإسلامية بل الحضارة الإنسانية بأجمعها، وهو ما كان أساسًا في الحضارة المتقدمة التي نراها في عصرنا هذا.

فما من مجال علمي إلا وخاض غماره العلماء المسلمون فأنتجوا ثمرًا طيبًا، وليس كما يظن البعض أن العلماء المسلمون اقتصروا على النقل من كتب الهند واليونان والرومان، ولكن الصحيح أنهم درسوا ومحَّصوا هذه العلوم، وابتكروا فيها كثيرًا، حسب إمكانياتهم المتوفرة لهم آنذاك، بل وأدخلوا التجربة عليها برهانًا استقرائيًّا أو استنباطيًّا على الأشياء المحسوسة، لاستخراج المجهول من المعلوم، وكانوا في ذلك آخذين بقول الله تعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} (سور يونس، الآية 101).

اقرأ أيضًا: أجزاء وأمراض العين.. تعرف عليها الآن

وأمام أعيننا (كتاب المناظر للحسن بن الهيثم) ويعد هذا الكتاب موسوعة علمية فيزيائية في مجال البصريات، وجاء ذكر خواص البصر في فاتحته، وسوف نستلهم من هذا الكتاب بعض خواص البصر في نظر ابن الهيثم رحمه الله التي تتطابق تمامًا مع العلم الحديث.

خواص البصر

ونذكر ستًّا من الخواص بلغة عصرية واضحة، وهي:

1- الخاصية الأولى

لا بد أن يكون بين العين والمرئي مسافة حتى يُرى، فإن تلاصقا انعدم الإبصار؛ لانعدام الضوء، فهو لا يجري ولا ينعكس، والضوء هو الذي به تصح الرؤية فتنعدم الرؤية في الظلام.

2- الخاصية الثانية

تدرك العين المرئي مباشرةً دون انعكاس المرئي إذا كانا معًا متقابلين في مكان أو هواء واحد دون حاجز كثيف بينهما.

وقيل: (دون انعكاس المرئي) لأن الرؤية قد تقع عبر وسيط يعكس الشيء للعين كما تعكس المرآة المرئي أو يعكس الرادار المرئي أو يعكس سطح الماء مثلًا قرص الشمس، أو تعكس الكاميرا والفيديو والهواتف الذكية صورة الشيء.

وقيل (متقابلين) لأن العين لا تدرك ما خلف صاحبها، ولا ترى من مسافات بعيدة، وقيل (حاجز كثيف)؛ لأنه لا ينفذ عبره الضوء بخلاف الحاجز الشفاف.

فلا بد من تسليط حزمة من الضوء على المرئي تنعكس على العين حتى تحدث الرؤية. وافترض وجود خطوط متصلة مستقيمة وهمية بين نقاط سطح العين وبين نقاط سطح المرئي، والحاجز الكثيف يقطع هذه الخطوط دون اتصالها، وبذلك تنعدم الرؤية، وهكذا بقدر ما غُطِّيت العين يكون مقدار إبصار المرئي، وبقدر ما غُطِّي الشيء يكون مقدار إبصاره، وهذه خطوط الرؤية مستقيمة، وفي ذلك إشارة إلى استقامة مسار الأمواج الضوئية.

اقرأ أيضًا: متى يجب إزالة المياه البيضاء من العين؟

3- الخاصية الثالثة

تجب في الرؤية استضاءة المرئي إما بنفسه كالشمس أو بغيره كالقمر، وهذه الحقيقة فنَّدت مزاعم من قال إن العين يخرج معها شعاع عند رؤيتها، فلو كان كذلك لجاز أن يُرى الشيء المظلم عليه، ويتقرر كذلك أن لا بد أن ينعكس الضوء من المرئي وتسقط أبعاده على حدقة العين لكي تراه، ومن هنا نرى أن الرجل في الظلام يرى الأشياء المضيئة بذاتها أو المضيئة بغيرها، والله أعلم.

4- الخاصية الرابعة

أن يكون حجم المرئي صالحًا للرؤية، ومن هنا لا نستطيع أن نرى الجراثيم والذرات والخلايا، لصغر حجمها، وتتفاوت بين إنسان وآخر مقادير أصغر أحجام المرئيات لتفاوت قوة النظر، وتعد الأجسام البعيدة مثل الأجسام الصغيرة، لأنها صغُرَت بسبب طول المسافة بينها وبين العين.

5- الخاصية الخامسة

أن يكون لون المرئي غير شفاف تمامًا كالهواء، أو الماء، أما الجسم الشفاف الجزئي كالزجاج الأخضر، والجسم الكثيف كالسيارة، فكلاهما صالحان للرؤية.

6- الخاصية السادسة

تكون الرؤية للمرئي حسب الأضواء الواقعة عليه، فنحن لا نستطيع أن نرى الجنين في بطن أمه، لأن الأضواء لم تسطع عليه حتى نراه؛ فهو في ظلمات ثلاث، ولا نستطيع أن نرى الثقب الأسود لأنه لا يصدر أضواء بل يمتصها كلها.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة