من انشغل بهدم غيره لا يجد الوقت لبناء نفسه، فانشغاله بالنّاس وما يقومون به من أعمالٍ خيِّرة تبني الفرد وتصلح المجتمع، وهذا بناء شامخ، أصوله في الأرض ثابتة بينما فروعه باسقة في السماء، تُلقي بظلالها الوارفة على أجيال وأجيال متلاحقة.
والَّذي شغِل بهدم غيره لا يقرّ له قرار، ولا يهدأ له بال، حتَّى يرى هذا البناء الشامخ ينهار وينهدم، فإذا ما كان الإنسان شغله الشّاغل هو ما ذكر، فمن أين يجد الوقت لبناء نفسه.
وكيف بمن هو منشغل بغيره يغيظه ما يقوم به، أن يبني نفسه، هذان طريفان متباينان ومختلفان لا يجتمعان أبداً، ومن اختار أحدهما فلا بد له من ترك الآخر إن أراد أن يهتم بنفسه ويبنيها، وإلا فلا محيص له مما ذكرناه ووصفناه آنفًا.
هذه حقيقة غصة ومرّة، ومع غصتها ومرارتها لا بد أن تُقال، وأن يتحدّث عنها، وأن تكتب حولها مقالات عديدة، كلٌّ يدلي بدلوه بحسب ما يمليه عليه يراعه السيال، وفهمه لواقعه ومحيطه ومجتمعه ولزمرته، الَّتي قد تكون لا همّ ولا شغل لها إلا هدم الآخرين، والنيل منهم ومن كرامتهم، والوقوف حجر عثرة في طريقهم، وأمام تنفيذ مشاريعهم بمختلف الوسائل وشتّى السبل، ومثل هذه النماذج لا يخلوا منها مجتمع من المجتمعات، وإن كانت تقل في بعضها، حسب ثقافة وتكوين أهل تلك المجتمع، وما تربوا عليه منذ النشأة الأولى.
فإن هناك مجتمعات أخرى تعاني من هذا الدَّاء الاجتماعيّ العضال الفتّاك، الَّذي ما لم يعالج وتُقدّم له الحلول الناجحة والأدوية الصّالحة النافعة، من قبل المختصين والفاعلين في هذا الميدان، حتَّى يستشري في المجتمع كله، وإذا ما استشرى في المجتمع، فسنخلق مجتمعًا فاشلًا متواكلًا متقاعسًا، شغله الشاغل، ملاحظة الآخرين وتتبع عثراتهم، والبحث عنها باستمرار وبشكل حثيثٍ ودؤوب، والنظر فيما يبنونه ويشيّدونه، من أجل أن ينقضوا عليه وينتقدونه ويهدمون معالمه من أساسه، وما لم تتظافر الجهود لدراسة هذه الظّاهرة دراسة شاملة مستفيضة، حتَّى ينطلق المصلحون والأخصائيون من نقطة البداية، كي يصلوا بهدوء واطمئنان وراحة بال إلى النهاية فيقتلعون الدَّاء من جذوره وأساسه.
فمن انشغل بهدم غيره لا يجد الوقت لبناء نفسه، كلام بليغ ينبغي أن يكتب بماء العين، وأن يكتب بمداد من ذهب، ذلك أنه من الأهميّة بمكان أن يعرف المرء أنه يجب عليه أن يبني نفسه أولًا ويكوّنها تكوينًا علميًا رصينًا، ثم ينظر في غيره كي يكون مرآةً له، يستفيد منه ومن خلاله يصلّح أخطاءه.
أما إذا ما انشغل بتتبع أخطاء غيره وعيوبه بانتقاد قوله وفعله وكل ما يقوم به انتقادًا من أجل الانتقاد، والتثبيط عن القيام بأي عمل مستقبلًا،
أما الانتقاد من أجل التحفيز وشحذ الهمم لإتقان العمل مستقبلًا فهذا أمرٌ مطلوب ومحثوث عليه ولا بد منه، لأنه داخل في عمليّة البناء والتشييد، والنظر في العمل بعينين أفضل بكثير من النظر بعين واحدة، والتفكير بعقلين أو بعقول أفضل من التفكير بعينٍ واحدة، وهذا يدخل في باب التعاون، لكن النقد الهدّام الَّذي يؤدي إلى الانتقاص من الشخص ومن عمله وعلّمه وفكره، فحتمًا سيؤدي إلى نتيجة عكسيّة لا يحمد عقباها.
وإن من ابتلى بمثل هذا العمل، وهذا النقد الهادم، لا محالة سيجد أرضًا خصبة وفسحة كبيرة وسيدخل في منعرجات خطيرة تكاد لا تنتهي، لأن الإنسان، كيفما كان نوعه وإن تظاهر وتمظهر بما يحاول أن يتظاهر ويتمظهر به من الكمال والتمام والإتقان، لا بد وأن تكون له أخطاء وأخطاء كثيرة، لأن هذه هي طبيعة الإنسان، كلّ بني آدم خطاء، وهذا لا يعني أن نركز على أخطائه ونبحث عنها بشكل دائم ومستمرّ، ثمّ ننشرها ونذيعها بين النّاس خفاقة في الآفاق، ونحجب حسناته وأعماله الجميلة المتقنة، الَّذي أبدع وأجاد فيها حتَّى لكأنه لم يقم بشيء يحمد ويثنى ويشكر عليه، وهذا من الحيف والظلم والإجحاف بمكان، وهو انشغال واهتمام بهدم بنيان الآخرين، وعدم الاعتراف بإنجازاتهم وتقدير أعمالهم وأفكارهم وما دأبوا على فعله، ومن كان هذا دأبه وتلك عادته وشأنه، لا يجد الوقت لبناء نفسه، والنظر في حالها أحوالها ومآلها.
والقاعدة المطردة في هذا الشأن أن من ابتلوا بهدم أعمال الآخرين، وانتقاص أعمالهم والتقليل من شأنها، لا يكون لهم تكوين علميّ رصين، بل من انتقدوه وقللوا من شأنه وأهميّة ما قام به، يكون أكثر وأوسع منهم علمًا وخبرة ومعرفة وحنكة، لكن مع الأسف الشديد، هذا هو الدَّاء الَّذي أُبتلي به العلماء والمثقفون والمفكرون والمصلحون قديمًا وحديثًا، ويكادُ لا يوجد له دواء، ولله الأمر من قبل ومن بعد، فإن البناء أصعب من الهدم بكثير، فما كتبته أو ألفته في أشهرٍ أو سنواتٍ قد يُهدم أو ينسف بكلمة أو بجرّة قلم؛ لذلك إذا أردت أن تنتقد عملًا أو فعلًا، ولك مطلق الحقّ في ذلك، فابدأ أولًا، بذكر محاسنه واطنب في ذكرها، ثمّ في ثنايا ذكر المحاسن تُعرض بأدب واحترام لذكر ما شاب ذلك العمل من عيوب أو نقصان، مع الحرص على أن ذلك لا ينقص من هذا العمل بل يزيد من شأنه وقيمته، فإذا ما فعلت ذلك فأنت تساهم في البنيان لا في الهدم.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.