ليس أصعب ما في سؤال الوجود أن نسأل: هل يوجد الإنسان؟ فوجوده، في أبسط معانيه، معطى لا يحتاج إلى برهان كل يوم؛ يولد، وينمو، ويتحرك، ويتألم، ويتذكر، ويختار، ويدخل في علاقات، ثم يمضي نحو نهايته. لكن الصعوبة تبدأ حين لا نعود راضين عن هذا المعنى البسيط للوجود، وحين نكتشف أن قولنا «أنا موجود» لا يخبرنا بعدُ كيف يوجد هذا الـ«أنا»، ولا بأي صورة، ولا إلى أي حد يمكن أن يتغير، ولا ما إذا كانت الصورة التي استقر عليها الآن هي صورته الأخيرة.
عند هذه النقطة ينتقل سؤال الوجود من مجرد إثبات الحضور إلى البحث في طريقة هذا الحضور؛ من سؤال: «هل أنا موجود؟» إلى سؤال أكثر قلقًا: «كيف أوجد؟».
وهذا الانتقال ليس انتقالًا لغويًا فحسب، بل هو انتقال في تصور الإنسان لنفسه. فالوجود يمكن أن يُفهم بوصفه حالة: شيء هو ما هو، يحتفظ بحدوده، ويستمر في هويته، ويُعرَّف بما يميزه عن غيره. ويمكن، في المقابل، أن يُفهم بوصفه حركة وصيرورة وانفتاحًا على ما لم يتحقق بعد.
وبين التصورين تنشأ واحدة من أعمق مشكلات الفلسفة: هل الإنسان كائن يملك صورة ينبغي أن يحافظ عليها، أم كائن لا يكتمل إلا بقدر ما يظل قادرًا على إعادة تشكيل صورته؟
أولًا: الوجود بوصفه ثباتًا
لقد احتاج الفكر، منذ بداياته، إلى مفهوم الثبات لكي يجعل العالم قابلًا للمعرفة. فما دام الشيء يتبدل بلا توقف، يصعب أن نطلق عليه اسمًا ثابتًا، أو أن نعرّفه، أو أن نميزه عن غيره. ومن هنا نشأت العلاقة العميقة بين المعرفة والهوية: نعرف الشيء لأننا نستطيع أن نقول إنه هو نفسه، وأن نعيد التعرف عليه على الرغم من تغير بعض أحواله. إن الهوية تمنح الموجود قدرًا من الاستمرار، والثبات يمنحه قابلية لأن يكون موضوعًا للفكر.
وليس في هذا المعنى خطأ في ذاته. فالإنسان يحتاج إلى قدر من الاستقرار لكي يقول «أنا»، ويحتاج إلى الذاكرة لكي يربط لحظاته المتباعدة، ويحتاج إلى الاسم والسيرة والعلاقات لكي يتعرف إلى نفسه ويتعرف الآخرون إليه.
ومن دون هذا الحد الأدنى من الاستمرار يصبح الوجود تفككًا لا يمكن معه بناء مسؤولية أو علاقة أو تاريخ. ولذلك لا يجب أن يكون نقد الثبات دعوة إلى إلغائه؛ فالمشكلة ليست في أن يكون للإنسان شكل من الاستقرار، وإنما في أن يتحول الاستقرار إلى قدر نهائي.
هنا تحديدًا يظهر الفرق بين الثبات بوصفه شرطًا للهوية، والثبات بوصفه إغلاقًا لإمكانها. ففي الحالة الأولى يكون الثبات ذاكرة تحفظ استمرارية الشخص، وفي الثانية يتحول إلى حكم مسبق عليه. وبين الأمرين مسافة فلسفية واسعة. فإن أقول: «أنا هو أنا» يمكن أن يعني أنني أستطيع أن أتعرف إلى نفسي عبر الزمن، لكنه قد يعني أيضًا أنني أضع نهاية للسؤال عن نفسي، وأنني أحوِّل ما صرت إليه إلى ما يجب أن أبقى عليه.
وهذا ما يجعل مفهوم الماهية شديد الحساسية حين يتعلق بالإنسان. فالماهية، في استعمالها الفلسفي التقليدي، تتصل بالسؤال «ما هو؟»؛ أي بما يجعل الشيء هو هو، ويميزه عما عداه. وفي الفلسفة الإسلامية تطورت العلاقة بين الوجود والماهية إلى واحدة من القضايا المركزية، ولا سيما في النقاش حول أصالة الوجود وأصالة الماهية.
لكن المشكلة التي تهمنا هنا ليست حسم ذلك النزاع الميتافيزيقي في ذاته، وإنما ملاحظة ما يحدث حين تنتقل فكرة الماهية من تحليل الموجود إلى تعريف الإنسان تعريفًا مغلقًا: حين يصبح السؤال عن الإنسان بحثًا عن صفته النهائية بدل أن يكون بحثًا في إمكان تحوله.
فالإنسان يستطيع أن يقول: أنا ابن هذه البيئة، صاحب هذه المهنة، المنتمي إلى هذه الجماعة، حامل هذه الذاكرة، صاحب هذه الصفات. وكل هذه الأوصاف قد تكون صحيحة، لكنها لا تصبح تفسيرًا كاملًا للإنسان إلا إذا افترضنا أن ما تصفه هذه الأوصاف هو ما لا يمكن تجاوزه. هنا تتحول الهوية من أداة للتعرف إلى قيد للتشكل.
إن أخطر ما يفعله الثبات ليس أنه يمنع الحركة الجسدية، وإنما أنه يجعل صورة معينة للذات تبدو وكأنها حقيقتها الوحيدة. عندها لا يعود الإنسان يسأل: «ماذا يمكن أن أفعل؟»، لأن الجواب يصبح مستخرجًا مسبقًا من جواب آخر: «أنا هكذا». ولا يعود الماضي تاريخًا عاشه الإنسان، بل يتحول إلى حكم يصدر عليه. ولا تعود التجربة مادة لإعادة التشكل، بل تصبح دليلًا على استحالة التشكل؛ لكن الوجود الإنساني لا يستنفد في هذه الصورة.
ثانيًا: الوجود بوصفه صيرورة
إذا كان مفهوم الحالة يمنح الوجود استقراره، فإن مفهوم الصيرورة يعيد إليه حركته. والصيرورة هنا ليست مجرد انتقال من مكان إلى آخر، ولا مجرد تغير في الصفات الخارجية، وإنما هي أن يكون الموجود في علاقة مستمرة بما يمكن أن يصير إليه. ولذلك فإن القول إن الإنسان في صيرورة لا يعني أنه يتغير في كل لحظة بصورة عشوائية، بل يعني أن وجوده لا ينفصل عن الزمن، وأن الزمن ليس مجرد وعاء تمر فيه حياته، بل أحد الشروط التي يتشكل فيها وجوده.
وهنا يصبح الإنسان مختلفًا عن الشيء الذي يمكن النظر إليه بوصفه حاضرًا أمامنا في صورة مكتملة. فالإنسان لا يوجد فقط في صيغة «ما هو»، بل كذلك في صيغة «ما يمكن أن يكونه». وهذه النقلة هي التي تجعل مفهوم الإمكان أكثر أهمية من مفهوم التغير. فقد يتغير الشيء دون أن تتغير طريقة وجوده، وقد يتحرك دون أن يعيد تشكيل نفسه. أما الصيرورة الإنسانية فتبدأ حين يصبح التغير قابلًا لأن يدخل في علاقة بالوعي والفعل والاختيار.
وقد كان هيدغر من أكثر الفلاسفة الذين أعادوا بناء الوجود الإنساني من داخل هذه العلاقة بين الوجود والإمكان. فالـ «دازاين» ليس شيئًا حاضرًا مكتملًا يمكن تعريفه من الخارج كما نعرّف الأشياء، وإنما هو موجود تتصل بنيته بإمكاناته وبطريقة انفتاحه على ما يمكن أن يكونه. ولذلك لا يكون الإنسان حاضر، بل موجودًا «يتقدم نفسه» في صورة إمكان. إن وجوده لا ينغلق في اللحظة الراهنة؛ فهو يحمل ماضيه، ويعيش حاضره، ويتجه إلى إمكاناته.
وهذا يعني أن الزمن لا ينبغي أن يُفهم بوصفه تعاقبًا محايدًا للحظات، بل بوصفه المجال الذي يعيد فيه الإنسان تشكيل علاقته بنفسه. فالماضي ليس كتلة صلبة لا يمكن لمسها، لأن الإنسان يستطيع أن يعيد تفسيره؛ والمستقبل ليس شيئًا لم يحدث بعد فحسب، لأنه يدخل في الحاضر بالتوقع والمشروع والقرار؛ والحاضر ليس نقطة محايدة بين زمنين، لأنه الموضع الذي يستطيع فيه الإنسان أن يتدخل في علاقته بما كان وما سيكون.
ومن هنا تصبح الصيرورة أعمق من الحركة. الحركة تجيب عن سؤال: «إلى أين ذهب الشيء؟»، أما الصيرورة فتفتح سؤالًا آخر: «ماذا أصبح؟». والحركة قد تعيد الشيء إلى النقطة نفسها، في حين تفترض الصيرورة أن هناك تحولًا في نمط الوجود. ولذلك فإن كل صيرورة تتضمن حركة، لكن ليس كل حركة صيرورة، وليس كل تغير تحولًا.
يمكن للإنسان أن يغيِّر عمله ويبقى الشخص نفسه بالمعنى الأكثر انغلاقًا؛ يمكنه أن ينتقل من مدينة إلى مدينة دون أن يتغير شيء أساسي في طريقته في الوجود؛ يمكنه أن يكتسب معرفة جديدة ويظل أسيرًا للعادة القديمة؛ ويمكنه أن يغير مظهره دون أن يمس شيئًا من بنيته الداخلية. لذلك فإن المسألة ليست في كثرة التغيرات التي تقع في حياة الإنسان، وإنما في قدرته على تحويل التغير إلى إعادة تشكُّل.
هنا تلتقي الصيرورة بفلسفة الفعل: فالإنسان لا يكون صائرًا فقط لأنه يتغير، بل حين يستطيع أن يدخل في علاقة بتغيره، وأن يسأل عما يفعله بهذا التغير. وهذه النقطة بالذات هي التي تفتح الطريق من أنطولوجيا الوجود إلى أنطولوجيا الفعل.
ثالثًا: مشكلة اختزال الإنسان في ماهية أو هوية
ربما لا تكمن مشكلة الماهية في أن الإنسان يحتاج إلى تعريف، بل في أن التعريف قد يتحول إلى نهاية. فالقول إن الإنسان كائن عاقل، أو حر، أو اجتماعي، أو تاريخي، أو جسدي، أو لغوي، يمكن أن يكون محاولة مشروعة لفهم أحد أبعاده. لكن الخطر يبدأ حين يتحول أحد هذه الأبعاد إلى حقيقة كلية، وحين يصبح الإنسان هو تعريفه بدل أن يكون أكثر من كل تعريف يمكن أن يقال عنه.
والشيء نفسه يحدث مع الهوية. فالهوية ضرورية للحياة المشتركة؛ فمن دونها لا يمكن أن نعرف الأشخاص، ولا أن نحفظ الحقوق، ولا أن نبني المسؤولية، ولا أن نتذكر التاريخ. لكن الهوية تتحول إلى مشكلة حين تُفهم بوصفها جوهرًا سابقًا على التجربة، أو قدرًا لا يمكن تجاوزه. عندها لا تعود الهوية طريقة للإجابة عن سؤال «من أنا الآن؟»، وإنما تصبح إجابة مسبقة عن سؤال «من يمكنني أن أكون؟».
وحينئذ يجب التمييز بين الهوية بوصفها استمرارية، والهوية بوصفها إغلاقًا. الأولى تمنح الإنسان إمكانية أن يقول: «هذا أنا، على الرغم من أنني تغيرت». والثانية تقول: «هذا أنا، ولذلك لا يمكنني أن أتغير». في الأولى يصبح التغير جزءًا من السيرة؛ وفي الثانية يصبح التغير تهديدًا للذات.
لقد دفعت الوجودية هذا السؤال إلى أقصى حد حين رفضت أن تكون للإنسان ماهية مكتملة تسبق وجوده الفردي. فصيغة «الوجود يسبق الماهية» عند سارتر لا تعني أن الإنسان بلا تاريخ أو شروط، ولا تعني أنه يستطيع أن يصبح أي شيء بصورة مطلقة، بل تشير إلى أن الإنسان لا يستنفد في تعريف سابق على وجوده، وأنه يصنع نفسه من داخل وضع تاريخي وواقعي محدد. فالإنسان لا يبدأ من فراغ، لكنه لا ينتهي أيضًا إلى ما بدأ منه.
وهذه نقطة حاسمة في إعادة بناء مفهوم الحرية. فالإنسان ليس حرًا لأنه يختار خارج كل الشروط، بل لأنه يستطيع أن يتخذ موقفًا من شروطه، وأن يعيد تفسير ما حدث له، وأن يحول بعض المعطيات إلى إمكانات جديدة. إن وجوده «موقع» تتقاطع فيه الضرورة والإمكان، والماضي والمستقبل، والمعطى والمشروع.
ولهذا فإن القول إن الإنسان صيرورة لا يعني أن له القدرة على محو كل ما هو عليه. فهناك جسد لا اختيار له فيه، وذاكرة لا يستطيع إلغاءها، وتاريخ شخصي واجتماعي لا يمكنه البدء من خارجه، وعلاقات وظروف تحد من إمكاناته. غير أن وجود الحدود لا يعني انعدام الإمكان؛ بل قد يكون الإمكان نفسه هو الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الحد.
وهنا يصبح الحد أقل شبهًا بالجدار وأكثر شبهًا بالعتبة. فالحد يقول: «هذا ما أنت عليه الآن»، لكنه لا يملك بالضرورة أن يقول: «هذا كل ما يمكنك أن تكونه». وبين العبارتين يقع الفعل.
رابعًا: من «ما أنا؟» إلى «ما الذي يمكن أن أصير إليه؟»
السؤال «ما أنا؟» سؤال ضروري؛ لأنه يطلب التعرف إلى الذات، ويمنحها اسمًا وسيرة وموقعًا. لكنه يصبح ناقصًا حين يُعامل بوصفه السؤال الأخير. فالإنسان لا يعيش فقط داخل ما هو عليه، وإنما يعيش أيضًا داخل ما يمكن أن يصير إليه. وإذا كان السؤال الأول يبحث عن الهوية، فإن السؤال الثاني يبحث عن الإمكان. وهنا يتغير مركز الثقل في التفكير كله.
عندما أسأل: «ما أنا؟» أبحث غالبًا عن شيء يمكن وصفه: صفة، هوية، تاريخ، وظيفة، انتماء، شخصية. أما حين أسأل: «ما الذي يمكن أن أصير إليه؟» فإنني أدخل في مجال لا يمكن اختزاله في الوصف؛ لأنني لم أعد أبحث عن حقيقة مكتملة، بل عن اتجاه محتمل. السؤال الأول يتجه إلى الحاضر والماضي لكي يثبت صورة الذات، أما السؤال الثاني فيستدعي المستقبل لكي يعيد فتح هذه الصورة.
إن الانتقال من السؤال الأول إلى الثاني لا يعني التخلي عن الهوية، بل تحويلها من نقطة وصول إلى نقطة عبور. فأنا أحتاج إلى أن أعرف من أنا لكي أعرف من أين أتحرك، لكنني لا أحتاج إلى أن أحوِّل ما أنا عليه إلى نهاية الطريق. الهوية، بهذا المعنى، تصبح بداية للحركة لا نقيضًا لها.
ومن هنا يمكن إعادة صياغة الوجود الإنساني في صورة مختلفة: الإنسان ليس «ما هو»، وإنما هو كذلك «ما يمكن أن يكونه». وبينهما لا توجد فجوة فارغة، بل توجد ممارسة: قرار، وفعل، وتجربة، وخطأ، وتراجع، وإعادة نظر، وعلاقة، ومواجهة للحدود. إن الممكن لا يتحول إلى واقع بمجرد التفكير فيه، ثم إن الواقع لا يتحول إلى إمكان جديد بالرغبة؛ كلاهما يحتاج إلى الفعل.
وهنا تظهر أهمية العبارة: «أن أكون قادرًا على إعادة تشكل نفسي». فإعادة التشكل لا تعني اختراع ذات جديدة من العدم، وإنما إعادة تنظيم العلاقة بين عناصر موجودة فعلًا: الذاكرة، والجسد، واللغة، والعادة، والرغبة، والخوف، والمعرفة، والآخر، والظرف. الإنسان لا يصنع نفسه من مادة لا تاريخ لها؛ إنه يعيد تركيب المادة التي صنع منها تاريخه.
وهذا ما يجعل الفعل أكثر من مجرد نشاط. فالفعل، حين يكون فعلًا تحويليًا، لا يغير العالم الخارجي فقط، وإنما يغير صاحبه أيضًا. قد أبدأ الفعل وأنا أظن أنني أعرف من أكون، ثم أكتشف أنني لم أكن أعرف نفسي كما ظننت.
وقد أدخل تجربة بحثًا عن نتيجة معينة، ثم أخرج منها وقد تغير السؤال نفسه. وقد أغير موقفًا، أو أراجع اعتقادًا، أو أرفض عادة، أو أعتذر، أو أتراجع، أو أبدأ من جديد؛ وفي كل مرة لا يكون التغير مجرد انتقال في السلوك، بل احتمالًا لإعادة بناء طريقة الوجود.
من هنا يصبح الإنسان كائنًا عابرًا، لا بمعنى أنه لا يستقر أبدًا، بل بمعنى أن كل استقرار عنده قابل لأن يتحول إلى عتبة. فالثبات يمنحه صورة مؤقتة عن نفسه، والصيرورة تفتح هذه الصورة، والإمكان يمنح الانفتاح اتجاهًا، والفعل يمنح الإمكان قدرة على التحقق، ثم يأتي التحول ليعيد تشكيل الإنسان الذي قام فعلًا.
وبذلك لا يعود الوجود حالة نمتلكها مرة واحدة، بل طريقة نمارسها. ولا تعود الهوية جوابًا نهائيًا عن الإنسان، بل صيغة مؤقتة من صيغ استمراره. ولا يصبح المستقبل مجرد زمن سيأتي، بل أفقًا يدخل في الحاضر كلما سأل الإنسان نفسه عما يستطيع أن يفعله بما هو عليه.
إن المسألة، في نهايتها، ليست أن نختار بين الوجود بوصفه ثباتًا والوجود بوصفه حركة؛ فالثبات ضرورة، والحركة ضرورة، لكن الإنسان لا يوجد في أحدهما منفردًا. إنه يوجد في التوتر بينهما: يحتاج إلى ما يحفظ استمراره، وفي الوقت نفسه يحتاج إلى ما يفتح إمكان تغييره. ولذلك فإن السؤال الأكثر دقة ليس: «هل الإنسان ثابت أم متغير؟»، بل: كيف يمكن لثباته أن يصبح قابلًا للتحول؟
عند هذه النقطة يبدأ الوجود في الاقتراب من الفعل. فالإنسان لا يملك أن يختار نقطة البداية التي وجد نفسه فيها، لكنه يستطيع، ضمن حدود وضعه، أن يشارك في تحديد بعض اتجاهات الطريق. ومن هنا تبدأ النقلة التي ستقوم عليها هذه السلسلة من المقالات القادمة بعد هذه المقالة: من وجود يحدث للإنسان إلى وجود يستطيع الإنسان أن يمارسه، ومن التغير الذي يقع فيه إلى الفعل الذي يعيد به تشكيل نفسه.
فالوجود لا يصبح فعلًا لمجرد أن الإنسان يتحرك، وإنما حين يصبح قادرًا على أن يجعل من حركته تحولًا، ومن تحوله إعادة تكوُّن، ومن إعادة تكوين إمكانًا جديدًا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.