من التخلف إلى الإصلاح والانفتاح.. الصين على مسار التنمية

عاشت الصين قرونًا طويلة في تخلف وجهل حتى عام 1949 عندما تأسست جمهورية الصين الشعبية بقيادة الرئيس الصيني الراحل ماو تسي تونغ الذي حكم البلاد من خلال قيادته للحزب الشيوعي منذ تأسيسه عام 1949 حتى وفاته عام 1976.

الصين ونهج جديد

منذ ذلك الحين بدأت الصين في تنفيذ نهج جديد لتحقيق التنمية الاقتصادية. حاول "ماو تسي تونغ" إصلاح البلاد من خلال تطبيق النظرية الاشتراكية، فاستعان بالخبرات السوفيتية لتأسيس دعائم النظام الاشتراكي، فمنها على سبيل المثال: الإصلاح الزراعي، وذلك من خلال قانون 8 يونيو 1950 الذي أعاد توزيع الأراضي على الفلاحين على أساس سدس هكتار كحد أدني لكل فرد راشد.

قد نتج عن التعاون السوفيتي مع الصين أن تم إعادة توزيع ملكية كل الأراضي الزراعية بطريقة يضمن استفادة جميع المواطنين بما فيها الأراضي المملوكة تقليديًّا، إذ توزَّعت على المشاع في القرى.

اقرأ أيضاً الوجه الآخر للصين.. تعرف عليه

مبدأ الملكية العامة

أما عن تحقيق مبدأ الملكية العامة للموارد وأدوات الإنتاج فقد تم إنشاء التعاونيات عام 1950، والتي ضمنت للفلاحين امتلاك أسهم لملكية الأراضي الزراعية، وكان ذلك في حدود القرى الطبيعية، ولكن بعد تطويرها عام 1957 وإنشاء كوميونات الشعب عام 1958 تحوَّل الوضع إلى تأميم للموارد الإنتاجية، إذ فقد الفلاح حصته في الملكية الزراعية.

بعد عام 1962، ونظرًا لحالة المجاعة التي كانت تمر بها البلاد أُعيد النظر في السياسات المتخذة، وعُدِّلت فأصيح يُسمح جزئيًّا بعودة الملكية الخاصة والسوق الحر ونظام التعاقد، وسُمح للفلاحين بالاحتفاظ بجزء صغير من الأرض لضمان معاشهم الخاص. في أواخر السبعينيات أعادت الحكومة أغلب حقوق الملكية مرة أخرى للفلاحين.

لتطوير قطاع الصناعة، استعانت الصين بالخبرات السوفيتية في تعظيم الإنتاج، فقد اهتمت أكثر بتنمية الصناعات الثقيلة. ما أدى لتضاعف الإنتاج الصناعي من الموارد الإنتاجية والمواد الخام مثل الفحم والحديد والفولاذ.

الخطط الاقتصادية قصيرة المدى

تطبيقًا للفكر الصيني في الدقة والتنظيم، فقد استحدثوا تنمية القطاعات الاقتصادية من خلال تطبيق نظام الخطط الاقتصادية قصيرة المدى.

فقد وُضعت الخطة الخمسية الأولى عام 1953، والتي انتهت عام 1957. والجدير بالذكر أن ذلك النظام معمول به في الصين إلى الآن.

فهو يمثل إطارًا حاكمًا للتنمية الاقتصادية منذ عهد الإصلاح والانفتاح في السبعينيات.

نتيجة لتطبيق السياسات الاشتراكية في تنمية الصين، فقد تحقق عدد من الإنجازات، منها ارتفاع معدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي بين عامي 1952 و1978 إلى 6.2 %، 4.3% للقطاع الزراعي، و4.9% للقطاع الصناعي، و5.4% لقطاع الخدمات.

إضافة إلى تضاعف حجم الإنتاج الصناعي 3.2 مرة، وتضاعف إنتاج الفحم مرتين، والحديد الزهر ثلاث مرات، والفولاذ أربع مرات.

بغض النظر عن الآثار الجانبية الناتجة عن قسوة السياسات الاشتراكية في قطاع الزراعة، قد ارتفع معدل إنتاجها السنوي من 160 إلى 280 مليون طن من الحبوب بين 1952 – 1978، بذلك فقد ضمنت الصين أمنها الغذائي أكثر من أي دولة نامية في تلك المدة.

اقرأ أيضاً المجازفة في المشاريع.. تعرف على طرق تحقيق النجاح

اختلافات الآراء

لكن هذا التقدم لم يستمر طويلًا، فقد أدت الاختلافات النظرية في الآراء بين أعضاء الحزب الشيوعي الصيني إلى اختلال التنسيق في عملية اتخاذ القرار.

إضافة إلى اتساع قوة المعارضين لنظام الرئيس "ماو تسي تونغ" وظهورهم بقوة على الساحة السياسية.

الأمر الذي جعل الرئيس ماو يطلق ما يسمى بالثورة الثقافية عام 1966 لتقوم ثورته على أفكاره ومعتقداته هو فقط، وقد اعتمد في ذلك على الشباب الصيني.

قد قرر نقل معركته مع المعارضين إلى الشارع، فأطلق العنان لطاقات وعنفوان الشباب في هدم ومحاكمة كل من يعارض الرئيس "ماو تسي تونغ" حتى من المعلِّمين وأساتذة الجامعات.

بل وصل الأمر إلى إلصاق تهمة الخيانة العظمى بكل مَن لا يحفظ على الأقل مقتطفات من الكتاب الأحمر للرئيس ماو.

الفوضى وتدهور الاقتصاد

قد أدت معتقدات وسياسات ماو تسي تونغ إلى انتشار الفوضى في البلاد وسوء الأوضاع الاقتصادية، أي بمعنى أدق فشل النظام الاشتراكي في الصين.

بنهاية عام 1968 كانت الصين على وشك المعاناة من حرب أهلية طاحنة بسبب الثورة الثقافية للرئيس ماو، عانت الصين بعد ذلك من تردي الأوضاع الاقتصادية للبلاد، وذلك بسبب الانغلاق الذي فرضه "ماو تسي تونغ" تطبيقًا للنظام الاشتراكي، ما أفقد النظام الإنتاجي للصين مزايا كثيرة بسبب عدم الابتكار وانخفاض مرونة وقوة القدرة الإنتاجية للاقتصاد الصيني.

قد جعلها ذلك في منافسة غير عادلة مع كثير من الدول الصغيرة التي حققت تقدمًا صناعيًّا واضحًا في مدة الستينيات مثل ماليزيا واليابان وغيرها؛ لذلك كان على الحزب الشيوعي الصيني إعادة حساباته مرة أخرى لانتشال الاقتصاد الصيني من التخلف الذي حلَّ به، وقد كان.

اقرأ أيضاً الفرق بين رجل الأعمال ورائد الأعمال

عودة مسار التنمية

بعد حالة التخلف التي عاد إليها الاقتصاد الصيني كان لا بد من استئناف مسار التنمية على أساس من الفكر الذاتي للدولة. بناءً على ذلك، فقد وضع الحزب الشيوعي الصيني خطة دقيقة وواضحة للتنمية ترتكز على الإصلاح والانفتاح على العالم الخارجي لكن بجهود مقننة.

تقوم خطة الإصلاح الاقتصادي الصيني على تشجيع الاستثمارات، وخاصةً الاستثمار الأجنبي المباشر لتنمية القطاع الصناعي، لكن ليس لتعزيز دور القطاع الخاص هدفًا أساسيًّا، بل لجعل القطاع الخاص يخدم خطة الإصلاح الاقتصادي.

استفادت الصين من ميزاتها التنافسية خير استفادة، فتمتلك الصين أيدي عاملة كثيرة بأجور رخيصة وكونها تتمتع بكثافة سكانية كبيرة، قد جعلها مركزًا مهمًّا لتصريف المنتجات الغربية وتوسيع استثمارات الشركات الأجنبية؛ ولذلك، فقد استطاعت أن تملي شروطها على المستثمرين، بحيث تخدم استثماراتهم الخطة الخمسية الاقتصادية.

لتعزيز دورها القومي في جذب الاستثمارات الأجنبية، أنشأت الصين عدة مناطق صناعية واقتصادية مهمة لتحظى بأهمية استراتيجية واقتصادية مهمة.

أكبر منطقة اقتصادية

ففي عام 1980 قررت الصين إنشاء أربع مناطق اقتصادية خاصة في شنتشن وتشوهاي وشانتو بمقاطعة قوانجدونج وشيامن في مقاطعة فوجيان.

في إبريل عام 1988، تأسست مقاطعة هاينان، التي أصبحت أكبر منطقة اقتصادية خاصة في الصين.

قد مثلت تلك السياسة خطوة مهمة نحو إعادة تنظيم العلاقة بين الحكومات المحلية والحكومة المركزية في بكين.

إذ أعطت الحكومة المركزية للحكومات المحلية عددًا من الصلاحيات التي تمكِّنها من توفير تسهيل أكثر للمستثمرين لخدمة أهداف التنمية الاقتصادية في المقاطعات.

إلا إن استمرار ذلك أدى إلى عدد من المشكلات التي نتجت عن استقلالية الحكومات المحلية، ما أدى إلى توتر العلاقة بينها وبين الحكومة المركزية وظهور بعض حالات الفساد المالي.

قد أولت الصين اهتمامًا كبيرًا للمشروعات الصغيرة والمتوسطة بعدها أهم المدخلات الإنتاجية التي تساعد على تنمية المشروعات الكبيرة للقطاع الخاص.

اقرأ أيضاً ما هي أخلاقيات الوظيفة العامة وكيف يمكن اكتسابها؟

القطاع المصرفي

لتشجيع المواطنين على الاهتمام بالمشروعات أعطت عدة تسهيلات للبنوك في إطار إصلاح الحكومة للقطاع المصرفي للمساهمة في تشجيع الاقتراض لخدمة المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

قد مثَّلت تلك السياسة خطوة مهمة في تحقيق التمكين الاقتصادي؛ نظرًا لضعف مستويات المعيشة للمواطنين، وبالتالي قلة الضمانات المادية التي يمتلكها المواطنون.

استطاعت الحكومة الصينية خلال أربعة عقود تحقيق إنجازات غير مسبوقة في تاريخ التنمية، إذ بلغ الناتج المحلي الإجمالي عام 2016 نحو 11.23 تريليون دولار.

وارتفع نصيب الفرد من الدخل القابل للتصرف إلى 23 ألف و821 يوان (نحو 3469 دولارًا أمريكيًّا) خلال عام 2016.

ارتفع حجم الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 133710 ملايين دولار عام 2016 كما حافظت الصين على وضعها كثاني أكبر اقتصاد في العالم.

والأهم أن نحو 700 مليون مواطن صيني ارتفع عن خط الفقر وفقًا لخط الفقر الذي حددته الصين لتحقيق التنمية بأقل من واحد دولار يوميًّا.

ومن أبرز التوقعات التي وضعها الخبراء أنه بحلول عام 2020 ألا يعيش أي شخص في الصين على أقل من 1.90 دولار أمريكي في اليوم، أي دون الخط العالمي للفقر المدقع.

استمرار نظام الخطة الخمسية 

اعتمادًا على نظام الخطط الخمسية لتحقيق التنمية، فقد استطاع الرئيس "شي جين بينغ" أن يعيد الصين إلى المسار الصحيح للتنمية بفكر وطني وجهود ذاتية.

نتيجةً لهذا التقدم الملحوظ الذي حققته الصين في مجال تعظيم الإنتاج وصل حجم إنتاجها إلى أكثر من 30% من حجم الإنتاج العالمي، ما يعطيها أهمية استراتيجية عالية ومركزًا سياسيًّا قويًّا.

لكن على الرغم من ذلك؛ فإن جهود التنمية المتسارعة قد أثرت بالسلب في الجانب البيئي، فتعدُّ الصين من أكبر مستهلكي الموارد الأولية في العالم.

في عام 2004 استهلكت الصين ثلث الصادرات العالمية من الحديد، و23% من صادرات الألومنيوم، و18% من النحاس، و16% من الزنك.

في القطاع الزراعي استهلكت ما يزيد على 50 % من الصادرات العالمية من الصوف، و40 % من الخشب والقطن، و%45 من الصويا، و25 % من زيت النخيل. ما أدى الى ارتفاع الأسعار العالمية لهذه السلع.

وأيضًا استهلك الاقتصاد الصيني 60% من الإنتاج العالمي للأسمنت، و20.3 %من منتجات الطاقة، و50% من خام الحديد بعد أن كان 5% فقط عام 1990.

اقرأ أيضاً الاستفادة من الإنترنت.. كيف تحقق الأرباح من وسائل التواصل الاجتماعي؟

التقدم الاقتصادي.. ضرر البيئة

بذلك نفدت كثير من الموارد، وانخفض متوسط ملكية الفرد من تلك الموارد. أما عن الضرر بالبيئة، فطبقًا لمعايير الجودة في توفير بيئة نظيفة.

جد أنه من بين أكثر من 330 مدينة صينية، يوجد نحو ثلثين لم يصلوا إلى الدرجة الثانية من متطلبات معايير الجودة، ومن ضمنهم المنطقة الشمالية من الصين، لأنها أصبحت أحد أكثر المناطق تلوثًا في العالم؛ لذلك كان لا بد من صياغة سياسات جادة لتفادي تلك الأخطاء التي تضر بالبيئة وبالمجتمع الصيني في آنٍ واحد.

قد ظهرت تلك السياسات في الخطة الخمسية الثالثة عشرة، وقد أولت الصين لها أهمية كبيرة كونها أول خطة خمسية توضع في عهد الرئيس "شي جين بينغ".

الخطة الخمسية الثالثة عشر 

هي ترتكز على عدد من الدعائم التي من شأنها أن تصحِّح مسار التنمية مرة أخرى، وهي:

  1. اعتماد التنمية على أسس الابتكار.
  2. الحفاظ على نمو اقتصادي مستقر وسريع نسبيًّا.
  3. رفع دخل الفرد عامة.
  4. تعزيز البناء الاجتماعي بدرجة ملحوظة.
  5. تحسين نظام الطاقة، وتعميق الإصلاحات الضريبية والمالية.
  6. تحسين القدرة التنافسية الدولية.
  7. تعميق إصلاحات الأراضي الزراعية.

إضافة إلى تخفيض الاعتماد على مصادر الطاقة الضارة بالبيئة والاعتماد أكثر على مصادر طاقة متجددة.

الأمر الذي يسهم في إصلاح الوضع البيئي في الصين، وقد أكدت تصريحات الحكومة الصينية أنه يجب إبراز الحماية البيئية من خلال دعم التنمية المنخفضة الكربون ومكافحة تلوث الهواء والمياه والتربة.

لقد استطاعت الصين أن تصنع لنفسها فكرًا جديدًا حوَّلت به جهودها من مجرد وسيلة للإصلاح الاقتصادي إلى معجزة اقتصادية لم تستطع أي دولة نامية تحقيقها.

اقرأ أيضاً 10 دول يهرب منها أصحاب رؤوس الأموال.. الثانية منها ستدهشك

التنمية الاقتصادية بالجهود الذاتية

استطاع الحزب الشيوعي الصيني من خلال ريادته الدائمة أن يغيِّر مسار التنمية الاقتصادية في العالم؛ إذ أثبت أن أي دولة في العالم تستطيع تحقيق التنمية الاقتصادية بجهودها الذاتية وبفكرها الوطني دون الاعتماد على أي مؤسسة أو دولة أخرى.

فقد استطاعت الصين أن تجمع بين النظريات الاقتصادية العالمية، وأن تطوِّعها لمصلحتها القومية في إطار حاكم من الفكر الوطني الصيني.

من ثم أنتجت مدرسة اقتصادية جديدة، ألا وهي " اشتراكية السوق" أو "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية المتميزة".

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة