الحرية العابرة في فلسفة العبور: من التحرر إلى صناعة الممكن

إذا كانت الحرية قد عُرِّفت، في أحد أهم مسارات الفكر الحديث، بوصفها تحررًا من التدخل والإكراه، ثم انتقلت في مسار آخر إلى معنى أوسع يجعلها قدرة على الفعل وتحقيق الإرادة، فإن فلسفة العبور تقترح أن نتقدم خطوة ثالثة لا بإلغاء هذين المعنيين، وإنما بالكشف عن حدودهما وإعادة تركيب العلاقة بينهما.

فـ«الحرية مِن» تظل شرطًا أوليًا لا غنى عنه؛ إذ لا يمكن الحديث عن إنسان حر إذا كان جسده مقيدًا، أو صوته ممنوعًا، أو إرادته خاضعة لإكراه مباشر، غير أن إزالة القيد لا تنتج، بمجرد حدوثها، إنسانًا قادرًا على صناعة حياته.

وقد يتحرر الإنسان من السجن لكنه لا يعرف إلى أين يذهب، وقد يسقط عنه القهر لكنه يظل أسير الخوف، وقد تُفتح أمامه أبواب الاختيار لكنه لا يمتلك المعرفة أو الموارد أو الخيال الذي يجعله قادرًا على تحويل الاختيار إلى فعل. لذلك فإن الحرية لا ينبغي أن تتوقف عند سؤال: ممَّ تحررت؟ بل عليها أن تنتقل إلى سؤال أكثر تركيبًا: إلى أين أستطيع أن أعبر بما تحررت منه؟

وهنا يظهر الفرق بين الحرية بوصفها غيابًا والحرية بوصفها إمكانًا. الأولى تقيس مقدار ما أزيل من العوائق، والثانية تقيس مقدار ما أصبح ممكنًا بعد إزالة تلك العوائق. وفي المسافة بينهما يتشكل مفهوم «الحرية عبر»؛ أي الحرية التي لا ترى الحدود مجرد أشياء ينبغي التخلص منها، وإنما تراها شروطًا تتحرك الذات من خلالها، وتعيد تفسيرها، وتتجاوز بعضها، وتحول بعضها الآخر إلى عتبات نحو إمكان جديد.

أولًا: الحرية من القيد

لقد كان التحرر من القيد أحد أقدم معاني الحرية وأكثرها مباشرة. فالعبد يريد التحرر من السيد، والسجين من السجن، والشعب من الاحتلال، والمواطن من الاستبداد، والفرد من الإكراه. وفي كل هذه الحالات تبدو الحرية في صورتها الأولى فعلًا سلبيًا: إزالة قوة تمنع الإنسان من الحركة.

وقد أعطى الفكر الليبرالي الحديث لهذا المعنى صياغة فلسفية دقيقة، ولا سيما في مفهوم الحرية السلبية الذي يجعل السؤال المركزي هو: ما مساحة عدم التدخل التي يستطيع الفرد أن يتحرك داخلها؟ وجعل جون ستيوارت ميل حماية الفرد من تدخل المجتمع والدولة مبدأ أساسيًا في الدفاع عن المجال الشخصي.

وهذا المعنى ليس مجرد مرحلة بدائية ينبغي تجاوزها؛ بل هو شرط أساسي لكل حرية لاحقة. فلا يمكن أن تكون هناك حرية للعبور إذا كان الإنسان ممنوعًا أصلًا من الحركة. ولا يمكن أن نتحدث عن إنتاج الممكن في فضاء مغلق بالكامل. ولذلك فإن فلسفة العبور لا تتعامل مع «الحرية من» باعتبارها مفهومًا ناقصًا ينبغي التخلص منه، وإنما باعتبارها العتبة الأولى للحرية.

غير أن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه العتبة إلى غاية نهائية. فقد يزول القيد الخارجي وتبقى آثار القيد في الداخل. وقد يسقط النظام الذي كان يقمع الإنسان، لكن الخوف الذي أنتجه يستمر في تشكيل سلوكه. وقد يصبح القانون أكثر حرية، لكن العادات الاجتماعية تواصل تحديد ما يستطيع الفرد أن يتخيله عن نفسه. وقد تختفي السلطة الظاهرة، في حين تستمر السلطة في صورة معيار أو عادة أو تصور عن الذات.

ولهذا فإن التحرر من القيد لا يعني بالضرورة التحرر من آثار القيد. والأكثر عمقًا أن بعض القيود لا تكون خارج الإنسان أصلًا. فالإنسان قد يحمل صورة عن ذاته تمنعه من أن يصبح شيئًا آخر، وقد يعد انتماءه قدرًا نهائيًا، وقد يرى ماضيه حكمًا لا يمكن مراجعته، وقد يخشى الاختلاف لأنه تعلم أن الاختلاف فقدان للذات. عند هذه النقطة يصبح القيد جزءًا من الوعي، ويصبح التحرر منه أكثر تعقيدًا من كسر باب مغلق.

لقد كان إبكتيتوس من أوائل الذين أدركوا هذه المفارقة حين فصل بين ما يقع في قدرتنا وما لا يقع فيها، وجعل الحرية مرتبطة بقدرة الإنسان على التحكم في أحكامه ورغباته ومواقفه بدل أن يجعلها رهينة للأشياء الخارجية. فالعبد يمكن أن يكون، في مستوى معين، أكثر حرية من سيده إذا كان السيد أسيرًا لرغباته وانفعالاته.

لكن فلسفة العبور تضيف إلى هذا الدرس سؤالًا آخر: ماذا يحدث عندما نكتشف أن بعض ما نظنه «داخليًا» قد تشكَّل أصلًا بفعل الخارج؟ هنا يصبح التحرر فعلًا مزدوجًا، تحرير العالم من بعض القيود التي تغلقه، وتحرير الذات من بعض الصور التي أُغلقت داخلها.

التحرر من القيد الخارجي عتبة أولى نحو الحرية

ثانيًا: الحرية للفعل

إذا كانت «الحرية من» تعني إزالة القيد، فإن «الحرية لـ» أو الحرية للفعل تضيف إلى التحرر سؤال القدرة. فالإنسان لا يحتاج فقط إلى ألا يُمنع؛ يحتاج أيضًا إلى أن يستطيع. وهنا تنتقل الحرية من مجال الحماية إلى مجال الفاعلية.

وقد كان هذا التحول حاضرًا بقوة في تقاليد الفكر التي ربطت الحرية بالقدرة على تحقيق الذات والفعل السياسي والمشاركة في العالم. فالحرية لا تكون مجرد مساحة خاصة يحتمي فيها الفرد من الآخرين، بل قدرة على الظهور والفعل والتأثير وتغيير الظروف. وفي هذا المعنى تصبح الحرية مرتبطة بالفعل لا بمجرد غياب العائق.

وهذا التمييز بالغ الأهمية بالنسبة لفلسفة العبور؛ لأن العبور فعل، والفعل يفترض قدرة. فمن لا يستطيع الانتقال من موضع إلى آخر، أو من معرفة إلى معرفة، أو من هوية إلى أخرى، أو من وضع اجتماعي إلى وضع آخر، قد يكون «حرًا» بالمعنى القانوني، لكنه يظل محدود القدرة على تحويل هذه الحرية إلى حياة فعلية.

وهنا تظهر المسافة بين الحق في الفعل والقدرة على الفعل. قد يكون للإنسان حق التعليم، لكنه لا يستطيع الوصول إليه. وقد يكون له حق المشاركة السياسية، لكنه محروم من الأدوات التي تمكنه من التأثير. وقد يكون له حق التعبير، لكنه يخضع لضغط اجتماعي يجعله عاجزًا عن استخدام هذا الحق. وقد تكون أبواب التغيير مفتوحة نظريًا، في حين تكون شروط العبور إليها مغلقة عمليًا. ولهذا فإن الحرية لا تكتمل بمجرد توسيع دائرة الاختيار، وإنما تحتاج إلى بناء القدرة على استخدام الاختيار.

وهنا يلتقي مفهوم الحرية العابرة مع مفهوم القدرة عند أمارتيا سن؛ فالحرية لا تُقاس فقط بالحقوق الرسمية أو الموارد المتاحة، وإنما أيضًا بما يستطيع الإنسان بالفعل أن يكونه وأن يفعله. فالحرية تتحول إلى قدرة على تحقيق إمكانات الحياة، لا مجرد غياب الحظر عليها.

لكن فلسفة العبور تريد أن تدفع هذه الفكرة إلى اتجاه آخر. فالقدرة ليست فقط أن أختار بين إمكانات موجودة، وإنما أن أشارك في إنتاج إمكانات جديدة. فالإنسان الحر لا يستهلك الممكن فقط؛ إنه يستطيع، بدرجات مختلفة، أن يعيد تشكيله.

وهنا يصبح الفعل أكثر من تنفيذ لإرادة سابقة؛ يصبح الفعل لحظة يظهر فيها شيء لم يكن موجودًا بالطريقة نفسها من قبل.

إن الحرية، بهذا المعنى، ليست أن أختار بين طريقين مرسومين مسبقًا، وإنما أن أستطيع أحيانًا أن أفتح طريقًا ثالثًا.

وهذا هو المعنى الذي يجعل الحرية مرتبطة بالعبور؛ فالعبور ليس انتقالًا ميكانيكيًا من نقطة إلى أخرى، وإنما قدرة على تحويل العلاقة بين ما هو قائم وما هو ممكن.

الاقتصادي الهندي أمارتيا سن

ثالثًا: الحرية العابرة بوصفها مفهومًا جديدًا

من هنا يمكن لفلسفة العبور أن تقترح مفهومًا ثالثًا للحرية يتجاوز التقابل التقليدي بين الحرية السلبية والحرية الإيجابية. فإذا كانت «الحرية من» تعني التحرر من القيد، وكانت «الحرية للفعل» تعني امتلاك القدرة على استخدام المجال المتحرر، فإن «الحرية عبر» تعني القدرة على الحركة من خلال الحدود وإعادة تشكيل العلاقة معها.

فالحرية العابرة لا تفترض عالمًا بلا حدود؛ لأن العالم الإنساني نفسه مؤلف من حدود: حدود الجسد، والزمن، واللغة، والتاريخ، والقانون، والهوية، والذاكرة، والمجتمع. ولا يستطيع الإنسان إلغاء هذه الحدود جميعًا. لكنه يستطيع أن يتعامل معها بطرائق مختلفة: قد يقبل بعضها، ويقاوم بعضها، ويعيد تفسير بعضها، ويعبر بعضها، ويحول بعضها إلى عتبات.

ومن هنا يصبح الحد مفهومًا مركزيًا في الحرية. فالحد ليس دائمًا سجنًا، كما أنه ليس دائمًا حماية؛ إنه علاقة. وقد يكون الحد مغلقًا حين يمنع الحركة ويحول الاختلاف إلى استحالة، وقد يكون مفتوحًا حين يسمح بالانتقال والتفاوض وإعادة التشكل.

ولهذا فإن الحرية العابرة لا تسأل فقط: أين يقع الحد؟ وإنما تسأل: ما طبيعة هذا الحد؟ وهل يمكن عبوره؟ ومن يملك حق عبوره؟ وما الذي يحدث للذات بعد العبور؟

وهنا تتغير صورة الإنسان الحر. لم يعد هو الإنسان الذي يقف خارج كل الحدود، فهذا الإنسان لا وجود له؛ كما لم يعد هو الإنسان الذي يمتلك ذاته امتلاكًا مطلقًا، لأن الذات نفسها متحولة وعلاقية؛ وإنما أصبح الإنسان الحر هو الإنسان الذي يستطيع أن يتحرك داخل حدود وجوده دون أن يسمح لها بأن تتحول إلى تعريف نهائي له.

إن الهوية، في هذا السياق، ليست شيئًا ينبغي التحرر منه بالكامل، بل مجالًا يمكن العبور داخله. والانتماء ليس قيدًا بالضرورة، لكنه يصبح قيدًا حين يمنع الإنسان من إعادة تعريف علاقته به. والماضي ليس عدوًا ينبغي محوه، بل مادة يمكن إعادة تأويلها. والقانون ليس مجرد سلطة تقيد الإنسان، بل يمكن أن يكون إطارًا يجعل عبور الأفراد ممكنًا. وحتى الآخر ليس حدًا يجب إلغاؤه، بل علاقة لا تكتمل الحرية إلا بإعادة تنظيمها.

ومن هنا فإن الحرية العابرة لا تعني التحرر من كل شيء، لأن مثل هذا التحرر ينتهي إلى وهم الإنسان الذي لا يحتاج إلى أحد ولا يرتبط بشيء ولا تحده شروط. إنها تعني، على العكس، القدرة على التحرك مع الأشياء ومن خلالها وضد بعضها وعبر بعضها.

وهذا يجعلها مختلفة جذريًا عن الحرية بوصفها امتلاكًا. فأنا لا أحتاج إلى امتلاك العالم حتى أكون حرًا، ولا إلى امتلاك الآخر، ولا حتى إلى امتلاك ذاتي بصورة نهائية. يكفيني أن أمتلك قدرة مستمرة على إعادة ترتيب علاقتي بهذه الأشياء.

وهنا يصبح العبور فعلًا للحرية لا نتيجة لها. فالإنسان لا يصبح حرًا أولًا ثم يعبر؛ بل قد يكتشف حريته في أثناء العبور نفسه. عندما يعبر من خوف إلى معرفة، ومن هوية مغلقة إلى هوية مفتوحة، ومن ذاكرة مجروحة إلى ذاكرة قابلة للتأويل، ومن علاقة تبعية إلى علاقة تفاوض، فإنه لا يستخدم حرية مكتملة مسبقًا؛ إنه ينتج حرية جديدة في أثناء حركته.

وهذه النقطة تسمح بإعادة صياغة العلاقة بين الحرية والحدود. فالحرية ليست عكس الحد؛ لأن الإنسان الذي لا يملك أي حدود لا يملك أيضًا نقطة يبدأ منها العبور. إن العبور يفترض وجود حد، لكن الفرق بين الإنسان المستعبد والإنسان الحر هو أن الأول يتعامل مع الحد بوصفه نهاية، بينما يستطيع الثاني أن يراه، في بعض الظروف، بوصفه بداية لإمكان آخر. ومن هنا يمكن أن نضع التمييز الآتي:

الحرية من: أن لا أكون مقيدًا.

الحرية للفعل: أن أستطيع أن أفعل.

الحرية عبر: أن أستطيع أن أتحول من إمكان إلى إمكان، وأن أعيد تشكيل الحدود التي تفصل بينهما.

وهذا المستوى الثالث هو الذي يمنح الحرية العابرة معناها الفلسفي الخاص. فهي لا تنكر التحرر من القهر، ولا تقلل من قيمة القدرة على الفعل، وإنما ترى أن الحرية تبلغ مستوى أعمق عندما تصبح قدرة على إعادة تشكيل مجال الممكن نفسه.

فالإنسان قد يتحرر من سلطة، لكنه يظل يعيش داخل التصورات التي أنتجتها تلك السلطة. وقد يحصل على حق الاختيار، لكنه يظل يختار من قائمة أعدها له الآخرون. وقد يصبح قادرًا على الفعل، لكنه يكرر الأفعال نفسها داخل عالم لم يحاول إعادة تخيله.

أما الحرية العابرة فتبدأ عندما يصبح الإنسان قادرًا على السؤال عن حدود الممكن نفسه:

ما الذي قيل لي إنه مستحيل؟

ما الهوية التي قيل لي إنني لا أستطيع مغادرتها؟

ما الماضي الذي قيل لي إنه لا يمكن إعادة تأويله؟

ما السلطة التي قيل لي إنها قدر؟

ما العلاقة التي قيل لي إنها لا يمكن أن تتغير؟

ما المستقبل الذي أستطيع أن أفتحه إذا غادرت هذه المسلمات؟

بهذا المعنى يصبح العبور فعلًا نقديًا وإبداعيًا في آن واحد. إنه نقد لما يقدم نفسه بوصفه نهائيًا، وإبداع لإمكان لم يكن ظاهرًا من قبل. ولذلك فإن الحرية العابرة لا تعد الإنسان بالخلاص من الحدود، وإنما تمنحه قدرة على تحويل الحدود. ولا تعده بالخروج من التاريخ، بل تمنحه إمكانية إعادة كتابة موقعه داخله. ولا تطلب منه أن يتخلص من هويته، بل أن يمنع هويته من التحول إلى سجن. ولا تمنحه عالمًا بلا قيود، بل تعلمه كيف يميز بين الحد الذي ينبغي احترامه والحد الذي ينبغي عبوره والحد الذي ينبغي إعادة تشكيله.

ومن هنا يمكن القول إن الحرية العابرة تمثل انتقالًا من الحرية كحيازة إلى الحرية كصيرورة، ومن الحرية كمساحة إلى الحرية كحركة، ومن الحرية كحق ثابت إلى الحرية كقدرة متجددة، ومن السؤال «هل أنا حر؟» إلى السؤال الأكثر عمقًا: «ما الذي أستطيع أن أصبحه لأنني حر؟».

وهذا السؤال الأخير هو الذي يفتح الطريق نحو الفصل التالي في فلسفة العبور؛ لأن الإنسان لا يعبر في الفراغ، بل يعبر جسده وهويته وزمنه وذاكرته وعلاقاته وحدوده، ومن ثم فإن الحرية العابرة تحتاج إلى أنطولوجيا تفسر كيف يكون الإنسان قادرًا على العبور أصلًا.

إن الحرية، في أفق فلسفة العبور، ليست حالة يصل إليها الإنسان ثم يستقر فيها؛ إنها قدرة على إبقاء الطريق مفتوحًا.

فالحرية من القيد تفتح الباب، والحرية للفعل تمنح القدرة على الحركة، أما الحرية العابرة فتعني أن نمتلك الشجاعة والقدرة على أن نسأل: ماذا يوجد وراء الباب، وهل يمكن أن نصنع طريقًا لم يكن موجودًا؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة