الشعراء في العصر الأموي.. ونشأة فن النقائض في الأدب العربي

تُقام بين البشر حروبٌ وفتنٌ عدة، يختلف فيها الأطراف حول فكرة الحصول على العيش الأتمِّ في الحياة، فيمكن أن تتمحور الفكرة الاقتصادية غايةً مُثلى من وجود الخلاف.

لكنَّ قديمًا، وفي العصور الغابرة يتّضح المعنى الخلافي حول تمكُّن الفرد من قوة لسانه، ورجاحة عقلة، وقوة البرهان والإقناع، وتمرُّس الرد الأمثل لموقف طرأ في مجلسٍ، أو نادٍ اجتماعي، أو لفخر بنسب، أو لمنزلة عشيرة.

اقرأ ايضاً الأدب الرقمي.. الشعر العربي وسبب تطور الوسائل الحديثة

حرب البسوس

فحين قامت حرب البسوس، وقد دامت أربعين سنة؛ لأجل ناقة عُقرت، تغنَّى الشاعر والحكيم بن عباد في رجولته وفروسيته، وفي قوة حصانه "النعامة"، متحديًّا الضدَّ في فروسيته، ورجاحة عقله، وحكمته، فقال في ذلك شعرًا:

قرِّبَا مربط النعامة مني   لَقِحَت حربُ وائلٍ عن حيالِ

قرِّبَا مربط النعامة مني   ليس قولي يُراد لكنْ فعالي

وقد سمع بهذا الفخر العميق الشاعر المهلهل، وحسب مؤرِّخي الشعر القدامى، أن المهلهل هو أول مَن قرض الشعر، وقاله، فردَّ عليه ينقضُ قول ابنِ عُباد، بفخر عتيد، وسمعة بين العرب عميقة، وتميُّز حصانه "المُشهَّر" الذي يشقُّ صفوف العدو في المعارك، فقال في ذلك:

قَرِّبا مَربَطَ المُشَهَّرِ مِنّي         وَاسأَلاني وَلا تُطيلا سُؤالي

قَرِّبا مَربَطَ المُشَهَّرِ مِنّي        سَوفَ تَبدو لَنا ذَواتُ الحِجالِ

قَرِّبا مَربَطَ المُشَهَّرِ مِنّي          إِنَّ قَولي مُطابِقٌ لِفِعالي

اقرأ ايضاً الأدب العربي بين شاعر التنوير وشاعر التصوير

التناقض اللفظي في المعنى

ومن هذا التناقض اللفظي في قوة المعنى، ومحاولة التغلب على الخصم فخرًا في السيادة، أو الشجاعة، أو في نفاسة التملُّك، نتج فنٌّ ذو شجون طويلة.

وذو قوة مكينة في الأدب العربي، وفي الشعر عامة، حتى أصبح درَّة الدارسين، وزادًا كبيرًا للعارفين، وقد أعطى الثقافة عامة مصدرًا ثرًّا لها، نقدًا ودراسة، واتجاهاتٍ سياسيةً عديدةً، وهو ما عُرف في تاريخ الأدب العربي بفن النقائض.

وحين نسمع النقائض ترجع الذاكرة، والهوى إلى عصر بني أمية، الذي انتشر فيه هذا الفن النبيل في اللفظ والصورة، ودقة العبارة والذكاء الخارق في طبيعة الردّ، وفي قوته، ولكن يأسرني هنا المعنى، فأتفكّك من أغلاله، وأصبح حرًّا في تعريف هذا الفن، مستندًا إلى اللغة والاصطلاح في معرفة هذا الجانب من الأدب عامة، ومن الشعر خاصة.

اقرأ ايضاً الأدب العربي وبعض القصص والمواقف الطريفة من التراث

النقائض ودفة المعنى

فالنقائض تتجلَّى عظمتها في اقتناص رؤية الخصم، وفراسة المُبتغى في الخصم، وتغلَّب الردُّ، الذي يؤول إلى دافع شعوري، فعَّال غير انفعالي يبرز بقوة عند المقابل.

وبهذا المعنى تتضح لفظة النقائض في اللغة، أنها جمع للمفردة "نقيضة" والنقض إفساد ما أُبرم من عقود، أو أبنية، أو هدمها، إن شئتَ، ونقض العهود إذا تحلّلتَ منها، وفي المراد الأدبيّ هي تهاجي شاعرين أو أكثر حول صفة مُثارة، قد تكون فخرًا بالنفس، أو بالقبيلة، أو بالحكمة والمعرفة، فيردُّ الآخرون على القائل بقصيدة مبنيَّة على بحرٍ، وقافية، وحرف الرَّوِيِّ نفسه في القصيدة الأولى، وفي الموضوع نفسه.

وحينها تتجلَّى العظمة الشعرية والأدبية والموسيقى والعروض عند الشاعر المقابل، فيُقْحِمُ حذقَه لعناصر النقيضة كلِّها، حتى يأخذ مكان التفوق، إن كان بارعًّا، إذ لا بدَّ في فنِّ النقائض أن يتحدَّ الوزن والقافية والموضوع وحرف الروي في القصيدتين.

فمن ذلك ما قاله الأخطل في هجاء قبيلة جرير "كليب اليربوعية"، ومفتخرًا بقبيلة "بني دارم" قبيلة الفرزدق، قَدحًا في منزلة نسب جرير، وفي القصيدة نفسها مدحٌ لعبد الملك بن مروان، فنجد أن الشاعر عالم بالأنساب ومنازل القوم، ومستخدمًا أساليب حسن التخلُّص من كل موضوع، حتى ينتقل لآخر بإجادة لفظية أسلوبية، غاية الذكاء والتمكُّن:

أما كليبُ بن يربوعِ فليسَ لهمْ           عِنْدَ التّفارُطِ إيرادٌ ولا صدَرُ

مخلّفونَ ويقضي الناسُ أمرهمُ          وهُمْ بغَيْبٍ وفي عَمْياءَ ما شَعروا

فيرد عليه جرير:

أرجو لتغلبَ إذْ غبّتْ أمورهمُ         ألاّ يُبارَكَ في الأمرِ الذي ائتَمَرُوا

خابَتْ بَنُو تَغْلِبٍ إذ ضَلّ فارِطُهم       حوضَ المكارمِ إنَّ المجدَ مبتدرُ

الظاعنونَ على العمياءِ إنْ ظعنوا     والسائلونَ بظهرِ الغيبِ ما الخبرُ

فحينما نعرج بتحليل بسيط لهذين القولين، نجد أنهما على حرف روي واحد، وهو الراء المضمومة، وبحر عروض نفسه، وهو بحر البسيط، ويتضح أيضًا الموضوع ذاته فيهما، وهو الهجاء، وعلى هذا تبنى أساسيات فن النقائض.

اقرأ ايضاً العرب وأهتمامهم بالشعر دوناً عن كل فنون الأدب الأخرى

ظهور فن النقائض

وفي مرجعيتنا لظهور هذا الفنّ، الذي صبغ العصر الأموي بصبغة الإبداع، ونشوء فن مُميّز ذي قيمة فنية، ولفظية وصور إبداعية لمنهج المحاورة والردّ والتخلُّص وإقحام المناقشة والحوار الشعري.

نجد أنَّ التمايز اللغوي بين شعراء فحول، تتَّخذُ من منازل الشرف وقيمة القبيلة طرقًا للإبداع الشعري عند كل شاعر من شعراء النقائض، وحينها تظهر عوامل عدة في بروز هذا الفن الشعري، فأول هذه العوامل غايات سياسية، فالعصر الأموي ترعرعت فيه النظرة السياسية بعد القضاء على الحكم الراشدي، وما آل إليه من أحزاب وفرق وشيع ومذاهب.

أخذت في العصر الأموي مأخذ النشوء والقوة، وقد ظهرت هذه الغاية في هرم الخلافة الأموية، في ترك الشعراء يتصارعون في الألفاظ والمعاني في معارك هجائية، بلا هوادة ضخمة، لكنها على الغالب تكون سلمية.

رأي الدارسين في الأدب

وفي رأي جُلِّ الدارسين للأدب، أن النقائض ظهرت لإلهاء العامة عن المعترك السياسي، وتركها تغوص في حرب كلامية طاحنة، بدل نقد الواقع السياسي.

فبدأ الشعراء بالتحزّب والانتماء للفئة، والعشيرة التي ينتمون إليها، وتوجد غايات أخرى لظهور فن النقائض، وهي نفسية مردُّها إلى الأحقاد والكراهية للبعض، والاستهزاء بهم في قصائد تُثار فيها هذه المعاني، لكن الغاية المثلى لظهور هذا الفن.

هو لجوء الشعراء عامة في العصر الأموي إلى التحلل رويدًا رويدًا عن المنهج التقليدي للقصيدة الجاهلية، فلم تعد المقدمة الطللية، ووصف الراحلة والرحلة.

ذاتَ أهميّةٍ عند بعض الشعراء، ولم تعد القصة الشعرية مثارَ بحثٍ واهتمامٍ عند البعض الآخر؛ لذلك لجؤوا إلى فنٍّ مستحدثٍ نسبيًّا على صيغة لفظية جاهلية متينة ورزينة؛ ما أنتج هذا الشعور فنًّا جديدًا أثرى المكتبة العربية عامّة، بروائع من القصائد، التي قيلت بهذا الشأن.

القصص الشعرية وأهميتها

ويمثل الشعراء الثلاثة، جرير والفرزدق والأخطل، هذا التيار الجديد، الذي أقبل عليه جمٌّ من الشعراء؛ حتى أصبحت تُدار فيهم حربٌ كلاميّةٌ طاحنة شعواء، تُعرَض فيها معاني السخرية في المنازل والمراتب الاجتماعية.

والسب، والطعن في الأحساب والأنساب والاستهزاء في شأن الشاعر المقابل كله، وفي هذه المعركة، سقط شعراءُ كُثر ومُحِي أثرُهم، فلم يبقَ في المعركة هذه، غير القوي في القول واللفظ، وفي الرد الارتجالي، الذي يغلب فيه التحدي والفحولية الشعرية، متمثلين ثلاثي الهجاء في العصر الأموي، بلا منازع.

في حين تروي كتب التراث الأدبي أن الشعراء الثلاثة اجتمعوا في مجلس الخليفة عبد الملك بن مروان؛ فأحضر كيسًا مملوءة بالدنانير والدراهم، فقال: فليقل كل واحد منكم بيتًا يمدح فيه نفسه، فأيُّكم غلب؛ فله الكيس بما حوى، فقال الفرزدق:

أنا القَطْرانُ والشعــــراءُ جربَى              وفى القَطْــــرانِ للجَربَى شفاءُ

وبعده قال الأخطل:

فـــإن تــك زقَّ زاملة فإنِّي                 أنا الطاعــــونُ ليس لــــه دواءُ

وبعدهما قال جرير:

أنا المــوتُ الذي أتى عليكم                    فليس لهـــــاربٍ منى نَجــــاءُ

الشعراء الثلاثة في تاريخ الأدب

فقال الخليفة عبد الملك بن مروان لجرير: خذِ الكيسَ، فلعمري، إن الموت يأتي على كل شيء. وحينما يُمايَز الشعراء الثلاثة حول تفضيل بعضهم على بعض، يكاد النقاد يحارون لترتيب الثلاثة، أيهم الأجود بهذا الفنِّ.

وذلك للتقارب اللغوي المتين بأسلوب الفحول من الشعراء، لأننا في هذا المجال لا يسعنا أن نخوض في التفاضل والتمايز في المنزلة بين الشعراء الثلاثة، وإن مال الناس والنقاد إلى جرير في ذلك، لكن ظلَّ هذا الفن الناشئ الجديد من نصيب هؤلاء الثلاثة العمالقة في التاريخ الأدبي.

والآن، ونحن في معرض الحديث عن الفحولة الشعرية في الهجاء، والرد عليه نذكر للفرزدق قولًا:

ولو تـــُرمى بلوم بنى كليب         نجــومُ الليل ما وضحت لِسَارِ

ولـــو يُرمى بلؤمهم نهــــــارٌ       لدنَّس لؤمهم وضــحَ النهـــــارِ

فيسارع جرير بالرد متهمًا الفرزدق:

لَقَد وَلَدَت أُمُّ الفَرَزدَقِ فاجِرًا                    وَجاءَت بِوَزوازٍ قَصيرِ القَوائِمِ

وَما كانَ جارٌ لِلفَرَزدَقِ مُسلِمٌ                    لِيَأمَنَ قِردًا لَيلُهُ غَيرُ نائِمِ

ثم يرد عليه الفرزدق:

أولئك آبائي فجئني بمثلهـــم           إذا جمعتنا يا جرير المجامع

فيرد عليه جرير بقوله:

قوم إذا حضر الملوك وفودهـم     نتفت شــواربهم على الأبواب

وأيضًا عندما تدخل الأخطل مناصرًا للفرزدق، ومهاجمًا جرير:

أزعمت أن بنيي كليب سادة           قبحًا لذلك معشرًا مذكورا

فيرد عليه جرير مهاجمًا:

الله فضلنا وأخزى تغلبــــا         لن تستطيع لما قضى تغييرا

قال الفرزدق:

إن الذي سمك السماء بنى لنا       بيتًا دعائمه أعز وأطول

بيتًا بناه لنا المليك وما بنى         حكم السماء فإنه لا ينقل

وقد قال جرير:

أعددت للشعراء سمًّا ناقعًا                فسقيت آخرهم بكأس الأول

لما وضعت على الفرزدق ميسمي      وضغا البغيث جدعت أنف الأخطل

أخزى الذي سمك السماء مجاشعًا        وبنى بناءك في الحضيض الأسفل

إِنّي اِنصَبَبتُ مِنَ السَماءِ عَلَيكُمُ             حَتّى اِختَطَفتُكَ يا فَرَزدَقُ مِن عَلِ

مِن بَعدِ صَكَّتِيَ البَعيثَ كَأَنَّهُ                     خَرَبٌ تَنَفَّجَ مِن حِذارِ الأَجدَلِ

وَلَقَد وَسَمتُكَ يا بَعيثُ بِمَيسَمي               وَضَغا الفَرَزدَقُ تَحتَ حَدِّ الكَلكَلِ

وتتناقل كتب الأدب المختلفة أخبارًا من تهاجي الشعراء، التي أسست لفن النقائض في العصر الأموي، فقدم أعرابيٌّ إلى مجلسٍ ضم الفرزدقَ والأخطل وجريرَ، وقد أنشأ الأعرابي يقول:

فحيا الإلـه أبا حـرزة          وأرغم أنفك يا أخطل 
وجد الفرزدق أتعس به     ورق خياشيمه الجندل

فأنشأ الفرزدق يقول:  

يا أرغمَ اللهُ أنفًا أنتَ حاملُه           يا ذا الخنا ومقالِ الزورِ والخَطلِ 
ما أنت بالحكم الذي ترضى حكومتُه   ولا الأصيلُ ولا ذي الرأي والجدلِ

ثم أنشأ الأخطلُ يقولُ:

يا شرَّ مَنْ حملَتْ ساقٌ على قدمٍ   ما مثلُ قولِك في الأقوام يُحتملُ 
إنَّ الحكومةَ ليست في أبيك ولا     في معشر أنت منهم أنهم سُفُلُ

فقام جرير مغضبًا وقال:

أَتَشتُمانِ سِفاهًا خَيرَكُم حَسَبًا                فَفيكُما وَإِلَهي الزَورُ وَالخَطَلُ

أَتَشتُماهُ عَلى رَفعي وَوَضعِكُما             لا زِلتُما في سِفالٍ أَيُّها السَفَلُ

النقائض في العصور المختلفة

ولم يكن عبثًا أن يظهر فنٌّ ثريٌّ باللغة والصور وحسن الرد، على الرغم من قبحه أحيانًا؛ لأن العصر الذي قِيلت فيه النقائض عصر قريب من الجاهلية، التي تحكم أهلها الحميّة، وثوران النفس البدوية، التي لا تنتظر وقتا للردّ على نقيصةٍ، أو شتمٍ أو تدني منزلةٍ.

وهذا ما جعل لفن النقائض ميزة الردّ السريع، والارتجالي المباشِر، وهذا لا يتمُّ إلا من شاعر فحلٍ، متمكنٍ من القيمة الشعرية، ومن قوة المعنى، وتركيب اللفظ، فحينما أراد الشاعر عَرادة النميري، أن يدخل في معركة الهجاء بين الشعراء الثلاثة، وأن يقدم رأيًا نقديًا في الشعر الهجائي الدائر حين قدم البصرةَ، قال:

يا صاحِبَيَّ دَنا الأَصيلُ فَسيرا               غَلَبَ الفَرزدقُ في الهجاءِ جَريرا

فن النقائض

فلما بلغ جريرا هذا البيت من النميري، ذهب إليه، ودعاه أن يبقى بعيدًا عن صروف المعركة، وقال له: "إني وابن عمي الفرزدق، نَستَبُّ صباحَ مساءَ، فلا تتدخَّل بيننا، فقال له الراعي: صدقت"، ثم حدث أن جاء عُبيد بن الراعي النميري إلى أبيه وهو واقف مع جرير.

فاستاء من ذلك، وقال لأبيه: مالك واقف إلى كلبٍ من كُليب، فغضب جرير من ذلك أشدَّ الغضب، وذهب وقضى ليلته في نسج قصيدةِ هجاءٍ للنميري، حتى قال، في قصيدة عصماءَ سماها "الدامغة": وقد بدأها بمطلع غزليٍّ:

أَقِلِّي اللَّومَ عاذِلَ والعِتابا                وقُولي إِنْ أَصَبتُ لقد أَصابا

إلى أن يأتي إلى هجاء الراعي النميري بأشد أنواع الهجاء، وقد صرفته تلك القصيدة عن الهجاء برمَّته، حتى قيل في الأدب: أن الراعي ظل يتألم ويعاني من تلك القصيدة شهورًا؛ حتى مات غمًّا كمدًا، وقلةَ حيلةٍ في ردِّه لجرير:

أَتاني عَن عَرادَةَ قَولُ سوءٍ              فَلا وَأَبي عَرادَةُ ما أَصابا

أَنا البازي المُدِلُّ عَلى نُمَيرٍ            أُتِحتُ مِنَ السَماءِ لَها اِنصِبابا

إِذا حَلَّت نِساءُ بَني نُمَيرٍ                 عَلى تِبراكَ خَبَّثَتِ التُرابا

وَلَو وُزِنَت حُلومُ بَني نُمَيرٍ            عَلى الميزانِ ما وَزَنَت ذُبابا

فَغُضَّ الطَرفَ إِنَّكَ مِن نُمَيرٍ             فَلا كَعباً بَلَغتَ وَلا كِلابا

إذا غَضِبَت عَلَيكَ بَنو تميمٍ              حَسِبتَ الناسَ كُلَّهُمُ غِضابا

وفي القصيدة نفسها لا يهدأ لجرير بالٌ، إلا أن يهجو غريمّه الفرزدق، حيث يقول فيه:

لَقَد خَزِيَ الفَرَزدَقُ في مَعَدٍّ                       فَأَمسى جَهدُ نُصرَتِهِ اِغتِيابا

وَلاقى القَينُ وَالنَخَباتُ غَمًّا                      تَرى لوكوفِ عَبرَتِهِ اِنصِبابًا

فَما هِبتُ الفَرَزدَقَ قَد عَلِمتُم                      وَما حَقُّ اِبنِ بَروَعَ أَن يُهابا

فلما بلغ الفرزدق هجاء جرير المقذع هذا؛ انبرى الفرزدق لهجائه، وقد أجاد في ذلك:

أنَا ابنُ العَاصِمِينَ بَني تَمِيمٍ            إذا مَا أعْظَمُ الحَدَثَانِ نَاب

مُلُوكٌ يَبْتَنُونَ تَوَارَثُوهَا             سُرَادِقَهَا المَقَاوِلُ وَالقِبَابَا

أتَطْلُبُ يَا حِمَارَ بَني كُلَيْبٍ           بَهانَتِكَ اللّهامِيمَ الرِّغَابَ

وَتَعْدِلُ دارِماً بِبَني كُلَيْبٍ            وَتَعْدِلُ بالمُفَقِّئَةِ السِّبَابَا

فَقبّحَ شَرُّ حَيّيْنَا قَدِيماً             وَأصْغَرُهُ إذا اغتَرَفُوا ذِنَابَ

وَطاحَ ابنُ المَرَاغَةِ حينَ مَدّت     أعِنّتُنَا إلى الحَسَبِ النِّسَابَا

التراث الأدبي والتراكيب الشعرية

فمن المعتل من القريض، ومن المتشابه في الألفاظ والصور والتراكيب الشعرية العميقة، خَلُد في التراث الأدبي نوع تفرَّد عن غيره من الأجناس الأدبية، التي كانت معروفة في العصر الجاهلي، وبداية عصر صدر الإسلام، كان يتمثل في فن النقائض.

التي كَثرت شعبيته، ومثلت أفكاره في عديد من المجالس الأدبية، وأسواق العرب الأدبية، كما أثرى المكتبة العربية بالنفائس من الكتب، ومرجعية الألفاظ الكبيرة لطول القصائد التي قِيلت؛ وهذا ما ألجأ شعراء النقائض إلى النحت اللغوي، والاشتقاق في المعاني، وإحياء أساليب جديدة من النموذج للقصيدة التقليدية المعروفة.

فن النقد والمنهج الجديد

وبهذا النهج الجديد من الشعر ظهر فن للنقد الأدبي، الذي جعل الدارسين والنقاد القدامى والمستحدثين يعرجون إلى دراسة هذا الفن، وبيان خصائصه، وموازنة ومفاضلة الشعراء، الذين أنشؤوا فن النقائض، لما له من فائدة تاريخية شملت أيام العرب.

ومفاخرها ومثالبها، وكانت القصائد مرجعًا لمعرفة أحوال الناس وأنسابهم، وكانت النقائض مرجعًا للدراسات اللغوية، والأساليب البلاغية، وخزانة للغايات السياسية، والاجتماعية والأدبية.

ولكن، لأن لكل نموذج أدب ألّا يصلَ إلى مرحلة المثالية في الأسلوب والتطبيق والمنهج وفرادة اللفظ، يكون للفن النقائض عيوب قد اعترت سبيل قيامه.

الهجاء بين الشعراء

فالهجاء المقذع بين الشعراء قد أنشأ ألفاظ فحش في القول، التي تخدش حياء المجتمع المحافظ، التي ربما لا ترتقي إلى لمستوى الأخلاقية الشعرية، وتأجيج العصبية القبلية، التي تنشئ بذور العنصرية، وكثيرًا ما كان بيت هجاء صادر من جرير أو الأخطل أو الفرزدق.

يكون سببًا لقيام حرب وقتال بين القبائل، لا سيما ما قاله الأخطل الذي كان سببًا في وقعة البشر، التي تعد من شر أيام قيس على تغلب، وكانت قصيدة الأخطل في هجاء جرير وقبيلته، من أشد المؤثرات النفسية لقبيلة كليب، حتى قال عنها جرير: ما هُجينا بشيء قط، أشد علينا من قول الأخطل فمن ذلك:

ما زالَ فينا رِباطُ الخَيلِ مُعلِمَةً               وَفي كُلَيبٍ رِباطُ الذُلِّ وَالعارِ

النازِلينَ بِدارِ الذُلِّ إِن نَزَلوا                    وَتَستَبيحُ كُلَيبٌ مَحرَمَ الجارِ

وَالظاعِنينَ عَلى أَهواءِ نِسوَتِهِم                  وَما لَهُم مِن قَديمٍ غَيرُ أَعيارِ

لا يَثأَرونَ بِقَتلاهُم إِذا قُتِلوا                      وَلا يَكُرّونَ يَومًا عِندَ إِجحارِ

وَلا يَزالونَ شَتّى في بُيوتِهِمِ                   يَسعَونَ مِن بَينِ مَلهوفٍ وَفَرّارِ

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة