نتوصل إلى نظريات وحقائق عن طريق الدراسة والبحث العلمي المنظم، وهذا هو ما حدث بالنسبة للأنثروبولوجيا، فقد استطاع المتخصصون فيها تطوير مناهجها إلى الحد الذي أصبحت عليه الآن.
والواقع أنه بدون النظريات والفروض فلن يمكن إجراء أي بحث أنثروبولوجي، لأن الكشف عن الأشياء لا يكون إلا بالبحث عنها، وكل تاريخ العلم والبحث، سواء في ميدان العلوم الطبيعية أو في الإنسانيات.
اقرأ أيضًا صفات وأنواع الأنثروبولوجيا الاجتماعية
الأنثروبولوجيا والشعوب البدائية
لا يزال من الناس من يقول إن علماء الأنثروبولوجيا الأوائل كانوا يذهبون لدراسة الشعوب التي يسمونها البدائية، وفي أذهانهم بعض أفكار نظرية سابقة تؤثر ولا شك في دراساتهم للحياة التقليدية وتلونها.
وتاريخ الأنثروبولوجيا الاجتماعية يمثل -من بعض نواحيه- المحاولات المستمرة لإحلال المعرفة اليقينية عن الشعوب البدائية محل الأفكار القديمة التي لا تستند إلى حقائق مؤكدة.
وكل خطوة حققتها الأنثروبولوجيا في هذا الشأن كانت تتناسب مع ازدياد المعرفة المنظمة.
إن التفكير النظري عن الرجل البدائي كان يراوح بين طرفي نقيض: كانت الكتابات الأولى تضع الرجل البدائي في منزلة لا ترتفع كثيرًا عن منزلة الحيوان، وتصور حياته مزيجًا من الفقر والعدوان والخوف.
فإذا بالكتابات التالية تمثله إنسانًا رقيقًا مهذبًا يعيش في رخاء وسلام، وكان الكتاب الأوائل يتصورونه إنسانًا متمردًا لا يخضع لأي قانون أو عُرف، ثم أصبحوا يتصورونه خاضعًا لكل قانون ولكل عُرف.
اقرأ أيضًا أهمية محو الأمية حول العالم من وجهة نظر علماء الأنثروبولوجيا
تصحيح المعلومات عن الرجل البدائي
وفي المرحلة التي انقضت بين ذيوع كتابات الفلاسفة الأخلاقيين، بدأ ظهور الكتابات الأنثروبولوجية بالمعنى الدقيق للكلمة، أي بين منتصف القرن الثامن عشر ومنتصف القرن التاسع عشر، كانت معلوماتنا عن الشعوب البدائية وشعوب الشرق الأقصى قد زادت زيادة كبيرة.
إن كثيرًا من الأفكار المسلم بها عن الشعوب البدائية كانت غير صحيحة.
وإن وفرة المعلومات والحقائق مكنت العلماء من أن يخوضوا تلك التأملات النظرية للفحص وأن يضعوا فروضًا جديدة تقوم على أساس متين من الحقائق الإثنوجرافية.
وعندما نقول إن الحقائق هي التي قررت في النهاية مصير النظريات، فإننا لا نقصد الحقائق العارية المشخصة، وإنما نقصد العلم اليقين بتوزيعه ومعانيه.
وتعد كتابات ماكلينان من أفضل الأمثلة التي توضح لنا العلاقة بين الحقائق والنظريات التي تقوم عليها، ولم يكن ماكلينان مخدوعًا في القيمة الحقيقية لكثير من الكتاب الذين كان يعتمد عليهم، فقد كان يصف كتاباتهم بأنها سطحية وهزيلة، وأنها تعاني كل أنواع التحيز والهوى الشخصي.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.