منن و فؤاد والخانكة

كنت دائماً أندهش من طلب والدي حين أعود بعد غياب ويسألني:

- "هل الزرع الذي في الأرض كبر؟"

وكنت أسأله:

- "لماذا تسألني أنا؟ وأنت كل يوم في الأرض تستطيع أن تقيّم مدى نمو الزرع من عدمه"، فيقول لي:

- "لأنك تراه بعد فترة غياب فيسهل عليك ملاحظة التغير".

 تذكرت كلام والدي حين عُدت إلى مستشفى الخانكة للأمراض النفسية بعد مدة طويلة من الغياب، وبالفعل لاحظت التغير، ومن هنا جاءت فكرة المقال وعنوانه، وأقول:

حين تركت مستشفى الخانكة كانت أبعد ما يكون عن كونها مؤسسه علاجية، فضلاً عن أنها أكبر مؤسسة علاجية للطب النفسي في الشرق الأوسط، كانت على خصام مع النظام، والنظافة، والقواعد الطبية المعروفة، وكان قد حدث طلاق بائن بينها وبين حقوق المرضى، بل حتى حقوق العاملين بها، كل هذا كان قبل أن تصبح المستشفى تابعة للأمانة العامة للطب النفسي، ومن وقتها وهي في تحسن لا تخطئه عينٌ حتى ولو كان بها من الرمد الشديد.

وحين عُدت الآن إليها وجدت أشياء لو كان أحد أقسم لي أنها ستحدث ما كنت مصدقه، وكيف أصدق وأنا كنت أرى مهازل كل يوم؟ وكنت حديث التخرج لا أملك من أمري شيئاً، اليوم أجد نفسي في مؤسسة علاجية حقيقية، من لحظة دخولك البوابة الرئيسة وانتهاءً بكل شيء وأي شيء، فلجان حقوق المرضى قائمة وفعالة، والمرضى نظيفون هكذا تحب أن تشاهدهم، والزرع موجود في كل مكان، وهناك عيادات لمتابعة الفيروسات -فيروسات الالتهاب الكبدي الوبائي بكل أنواعه-، والكشف عن فيروس نقص المناعة لمرضى الإدمان، وعمل السونار، والباطنية والأسنان، والجراحة والعظام، بالإضافة إلى معمل تحاليل يعمل بشكل احترافي مميز.

كما أصبح هناك فريق للجودة، وفريق لمكافحة العدوى، ومن الأشياء التي أعجبتني للغاية وجود وحدة كاملة لصحة المجتمع (يذهب ممرض وأخصائي اجتماعي بالعلاج إلى المريض لبيته (المريض جاء أول مرة  وتم الكشف عليه، ولكنه لا يستطيع الحضور لصرف علاجه)، ثم وجدت تنظيماً رائعاً في الهيكل الإداري للمستشفى، فالكل يعرف دوره، والأدوار مُقسمة ومعروفة، ثم نأتي إلى منظومة التمريض، وجدت فيها تطوراً كبيراً للغاية في هيكلها الإداري، والجهد الحقيقي الذى يُبذل، حينها شعرت بما أؤمن به دائماً وهو أن التمريض وُجد حين وجد الإنسان ومن أجل الإنسان.

كل ما ذكرته أيها القارئ الكريم كان حلماً لنا لا أقول بعيد المنال، بل كنا نعتقد أنه من المستحيل تحقيقه، فكل ما ذكرته -وهو الطبيعي جداً أن يكون موجوداً أساساً- لم يكن موجوداً، لذلك أجد نفسي حقاً لدي رغبةٌ كبيرة للغاية أن أشكر الأمانة العامة للطب النفسي، وعلى رأسها معالي الدكتورة: "منن عبد المقصود" الأمين العام، فالأمانة هي السبب الأساسي في كل هذا التغير الرائع الذي حدث بالإضافة للجهد الحقيقي الذي بُذل من قِبلِ الفريق العلاجي في المستشفى بعد توفيق الله عزوجل.

ثم هناك الإدارة الرائعة والمحترفة من قبل الدكتور: "وائل فؤاد" مدير المستشفى، فلقد عملت مع الرجل خارج مصر على ما يزيد من عقد من الزمان وأعلم كيف يعمل، وأعلم حماسه ونشاطه وكفاءته.

رسالة المقال: حين نجدُ المُخلصين والمحترفين، حين تتوفر الرؤية والإرادة، حين نجد من يعلمون ويعملون، نستطيع أن ننتقل بمؤسساتنا من حال إلى حال، أخيراً أقول شكراً لكل من ساهم في تغيير المشهد من منتهى الظلام إلى منتهى النور.

حفظ الله مصر أرضاً، وشعباً، وجيشاً، وأزهراً.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.