منظمة مهندسون بلا حدود.. كيف يسخر الطلاب الهندسة لخدمة الإنسانية؟

في عالم تتسارع فيه التحديات الإنسانية والبيئية، يبرز دور الهندسة قوة دافعة للتغيير الإيجابي، وعلى غرار المنظمات الإنسانية الشهيرة مثل (أطباء بلا حدود)، ظهرت منظمة (مهندسون بلا حدود) منصة عالمية لتسخير المهارات الهندسية في خدمة القضايا الإنسانية. ولا تقتصر مهمتها على بناء الجسور أو حفر الآبار، بل تمتد لتشمل بناء مستقبل أكثر استدامة وعدالة للمجتمعات الأكثر احتياجًا في العالم. وبنموذج فريد يعتمد بشكل كبير على طاقات الطلاب والشباب، تقدم المنظمة حلًّا مبتكرًا يجمع بين التعليم الأكاديمي والخبرة العملية الميدانية، بهدف سد الفجوة بين النظرية والتطبيق في مواجهة مشكلات العالم الحقيقية.

مفهوم إنساني برؤية هندسية

سعى الأطباء والمراسلون إلى تكوين منظمة دولية لتحقيق أغراضهم الإنسانية التي تتعلق بالإنسان في كل مكان في العالم، وعلى دربهم أنشأ المهندسون منظمة دولية تهتم بتلبية احتياجات الأفراد والمجتمعات الذين يعانون الحرمان فيما يخص المشرعات الهندسية، إذ تعمل المنظمة على إنشاء المشروعات وتطوير مشروعات أخرى في خدمة المجتمعات دون أي حسابات سياسية أو دينية أو عرقية.

لكن منظمة مهندسون بلا حدود (Engineers Without Borders) تختلف قليلًا عن المنظمتين السابقتين، إذ تضم عددًا من المجموعات الوطنية التي تعمل عملًا منفصلًا ولا ترتبط ببعضها بعضًا في كيان واحد، وإنما تتعاون فيما يخص التطوير والتنظيم. ومعظمها يرتبط بالأكاديمية الطلابية؛ لذا فإنّ نشاط منظمة مهندسون بلا حدود في أغلبه يقوم على الطلاب.

مفهوم إنساني برؤية هندسية

نشأة الفكرة وتطورها من فرنسا إلى العالمية

تأسست المنظمة الأولى في فرنسا عام 1982 قبل أن تتبعها مجموعة من المؤسسات التي تحمل الاسم نفسه في بلدان أخرى مثل إيطاليا وإسبانيا وكندا وبريطانيا وأمريكا، لكن هذه المنظمات المنتشرة في بلدان عدة لا تمثل كيانًا واحدًا ولا ترتبط ببعضها كما يحدث في منظمة أطباء بلا حدود أو منظمة مراسلون بلا حدود، وقد تتعاون بعض هذه المنظمات مع بعضها في مشروعات أو أعمال مدةٍ من الوقت ثم ينتهي هذا التعاون. ومع ذلك، يوجد كيان تنسيقي دولي يُعرف بـ(مهندسون بلا حدود الدولية) يعمل على تسهيل التعاون ودعم المجموعات الوطنية الأعضاء.

مستويات المشاركة وطبيعة الأنشطة

ولأن معظم الناشطين في منظمة مهندسون بلا حدود هم طلاب في الكليات والمعاهد الهندسية، فإن معظم الأنشطة تتركز في تبادل الخبرات الفنية والأساليب الهندسية. ويتواصل أعضاء المنظمة مع بعضهم من أجل الحصول على المساعدة في مشروعات اجتماعية لا تهدف للربح التي يتم تقسيمها إلى ثلاثة مستويات:

أنشطة مهندسون بلا حدود

  • المستوى الأول: المساهمة الداعمة (المالية والمعنوية) التي تعتمد على المساهمة المالية.

  • المستوى الثاني: مستوى العمل الميداني، فيشارك فيه الأعضاء في المشروعات بأنفسهم.

  • المستوى الثالث: مستوى صناعة القرار والخبرة، فيشارك فيه أعضاء المؤسسة بصناعة القرار والقيادة وتوفير الاستشارات الهندسية اللازمة للمشاريع والأعمال.

الأثر الميداني والتعليمي: بصمة مهندسون بلا حدود

قد لا يكون تأثير أعضاء المنظمة كبيرًا إعلاميًّا مثل ما يحدث في منظمة أطباء بلا حدود، لكن توجد كثير من المشروعات الحيوية المتعلقة بالمياه والصرف الصحي في أماكن عدة عمل عليها أعضاء منظمة مهندسون بلا حدود، مثلما حدث في مشروعات المياه في فلسطين، إضافة إلى النشاط الكبير لأعضاء المنظمة فيما يخص إدارة الأنهار وتوزيع المياه والحواجز البيولوجية.

فقد أشارت دراسة حالة لمنظمة مهندسون بلا حدود - السويد إلى تنفيذ مشروعات ناجحة في الضفة الغربية ركزت على بناء أنظمة لتجميع مياه الأمطار ومعالجة المياه الرمادية، ما أسهم في تحسين وصول المجتمعات المحلية إلى المياه النظيفة على نحو مستدام وفعال وفقًا لـWB-Sweden.

أما الدور الأكثر وضوحًا لأعضاء منظمة مهندسون بلا حدود فهو الدور التعليمي، إذ يتبادل أعضاء المنظمة الخبرات والوسائل، وهو ما يجعل الطلاب يستفيدون كثيرًا من المعلمين وأصحاب الخبرات، لا سيما في دراسة التصاميم الهندسية والتكنولوجيا، وتبادل الأفكار وحل المشكلات المتعلقة بالهندسة كمادة دراسية وكمهارة تواجهها عددٌ من التحديات، خاصة لدى حديثي التخرج وأصحاب الخبرات الضعيفة.

نماذج من مشروعات في أنحاء العالم

لإعطاء صورة أوسع عن أنشطة مهندسون بلا حدود، إليك بعض الأمثلة:

  • الطاقة النظيفة في غانا: عمل فرع مهندسون بلا حدود - أمريكا (EWB-USA) مع مجتمع محلي في غانا لتصميم وتركيب نظام طاقة شمسية لتشغيل مركز صحي، مما أتاح حفظ اللقاحات وتشغيل الأجهزة الطبية ليلًا.

  • جسور للمجتمعات في بوليفيا: قام فرع مهندسون بلا حدود - كندا (EWB Canada) ببناء جسور للمشاة فوق الأنهار التي تعزل القرى خلال موسم الأمطار، مما يضمن وصول الأطفال إلى المدارس والوصول إلى الأسواق.

التعلم الخدمي: نموذج مبتكر لبناء الخبرات

وقد ابتكرت المنظمة طرقًا حديثة لتدريب الطلاب على عدد من المهارات، ولعل أشهرها ما أطلق عليه اسم «التعلم الخدمي» الذي يستطيع بواسطته الطلاب اكتساب كثير من الخبرة العملية في مجال البنية التحتية والاستدامة. ومن الجميل أن هذا البرنامج يتخطى الحدود الجغرافية، وينتسب إليه عدد من الطلاب من كل مكان في العالم.

التعلم الخدمي

كيف يمكنك المشاركة في منظمة مهندسون بلا حدود؟

إذا كنت مهتمًا بالهندسة من أجل التنمية، فإليك طرق المشاركة:

  • للطلاب: ابحث عن الفرع الطلابي للمنظمة في جامعتك أو فكر في تأسيس فرع جديد.

  • للمهندسين المحترفين: يمكنك الانضمام إلى فرعك الوطني كمرشد (Mentor) للمشاريع الطلابية أو كمتطوع محترف بخبرتك.

  • لغير المهندسين: تحتاج المنظمة دائمًا إلى متطوعين في مجالات غير هندسية مثل الإدارة، جمع التبرعات، والتسويق.

مهندسون بلا حدود من النظرية إلى التطبيق وسد الفجوة في التعليم الهندسي

تسعى منظمة مهندسون بلا حدود إلى توسيع مجال التدريب ليشمل استخدام الموارد الطبيعية مثل الطوب والأخشاب، والتعامل مع الكوارث الطبيعية، والعمل على مساعدة الناس في أوقات الأزمات بحفر الآبار وتوفير مصادر المياه، إضافة إلى محاولة المنظمة سد الفجوات بين ما يدرسه الطلاب والمشكلات الحقيقية الموجودة في بيئة العمل.

لا تمثل منظمة مهندسون بلا حدود مبادرة خيرية فقط، بل هي حركة عالمية تعيد تعريف دور المهندس في القرن الحادي والعشرين. بالتركيز على الاستدامة، والشراكة المجتمعية، وتنمية مهارات الجيل القادم من المهندسين، تثبت المنظمة أن الحلول الهندسية يمكن أن تكون جسرًا نحو عالم أكثر إنصافًا ومرونة. إنها دعوة مفتوحة لكل مهندس وطالب علم لاستخدام معرفته أداة قوية لبناء الأمل وتشييد مستقبل أفضل للمجتمعات في كل مكان.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.