منارات في طريق الحرية

قال تعالى مواسياً ومبشراً ومثبتاً عباده الذين عُذبوا وهُجِّروا وأوذوا في سبيله وأُخرجوا من ديارهم إلا أن يقولوا ربنا الله [فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۖ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ] (195). آل عمران.

هذا الخطاب الإلهي هو من عظيم رحمة الله للمهجر المكلوم الذي اُخرج من دياره وبلاده يتحّين لحظة أمن وموطئ سلم يواري عنه تراب منزله المقصوف ومدافعاً عن حقه المسلوب صابراً محتسباً لعله يلاقي في هجرته أمله وآمنة. يمضي إلى المجهول خائفاً يترقب وهو في مقتبل عمره حيث لا مستقبل أو استقرار ينتظره يسير حائرَ الفكرِ خاليَ الوِفاض لا يحملُ إلّا الأسى الذي بين جنبيه والدموع التي بين جفنيه يتغمدها مكابراً معانداً كل ما كان..

يهاجر فيحط رحاله في بلادٍ غير بلاده ليجد نفسهُ فيها مجاهداً جهاده الآخر، ولعل الجهاد الذي نقصد هنا هو جهاد طلب العلم في بلاد المهجر واللجوء. فيبدأ بوضعِ أول لَبنة من صرحِ مُستقبله من جديد على أنقاض أحلامه الكبرى التي هدَمها من لا يعرف إلا الاعتقال والقصف والتعذيب يضطرُ إلى أن يغض الطرف عن جرحه الغائر الذي لا يلبثُ أن ينزف في كل مرة يتذكر فيها أرضه وأحبابه واضعاً نصب عينيه صور المشردين واليتامى، ومستحضراً أرضه الجرداء وقبور الشهداء المصطفة التي لا ترجو منه سوى أن يقدرَ مسؤولية ما ضحوا لأجله.

نعم هو جهاده الآخر بأن يعيد سلامه الداخلي الذي تلاشى مع أصوات الثكالى ودموع الحزانى الباحثين عن نهرٍ عذب يرتشفون منه بعيداً عن أنهارِ الدماء التي عاشوا بينها..

يرسم حلمه المنشود طبيباً أو مهندساً أو اقتصادياً أو رجل دين أمين، ويعيد استكمال ثورته، فيطلب العلم ويجد ويتعب لا يلتفت إلى من يعيره، أو من يسأله لماذا لا تحارب في بلدك!؟ لماذا تركتها؟! أنت عالة علينا.. 

يتعلم ليثور تورته على الباطل بالعلم والإيمان على أملِ أنه سيعودُ إلى موطنه حاملاً معه شهادة علمه التي كابدَ من أجلها أيام التهجير والغربة. 

- تأكيدات لا بدّ منها

لعله من نافلة القول التأكيد بأن الجهاد لا يكون جهاداً بحق إلا إذا كان خالصاً لله وحده ولا يعد العلم علماً إلا إذا كان نافعاً بناءً معقوداً بنية الإخلاص محمولاً على قيمِ الأخلاق.

فإذا رافق طلب العلم إخلاص النية لله وتأدية حقه على الوجه المطلوب، عندها يستقيم أن نقول بأننا أقمنا ذلك الجهاد كما أمرنا الله به فكل طالب مهاجر لا يتعلم فقط للتحصيلِ ونيل الشهادة، بل لزاماً عليه بعد أن يأمن على نفسه ويستقر أن يقف، ويتأمل تأمل الطالب الجاد الحر حجم المسؤوليات التي وكله الله بها. وفي هذه الآية نقرأ الدليل الإرشادي الذي يرسم لنا معالم الطريق الدعوي تحصيلاً وبذلاً وتضحية (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) التوبة،١٢٢. آخذًا بعين الاعتبار فقه الأولويات، وأن أولويته الأولى أنه هاجر ليجاهد في العلم وسيعود إلى بلاده لبنائها وليترجم ما تعلمه إلى آليات عمل لإصلاح ما يمكن إصلاحه وتدارك ما يمكن تداركه.

*مهمّات صعبة

مع طول أمد الحرب وقسوتها تزداد الثغور التي تحتاج إلى اختصاصات لتسهيل المهمات فمنهم من يجب أن يعمل في الميدان، ومنهم من يجب أن يعمل في الفكر، أو في مجال الدعوة، أو غيرها من المهن الضرورية، التي توجبها عليهم أولويات الشرع. فيصبح بذلك لكل فرد وظيفة خاصة به توجهه للأخذ بالأسباب التي يحتاجها مجتمعه..

وهنا يأتي دور طالب العلم المتمكن، بحيث تتضافر جهوده مع جهود أقرانه. فالكل يأخذ موقعه ويبرز فيه بحسب اختصاصه لتكون البلاد بذلك معززة من كل الأطراف متوازنة في إمكانياتها فعّالة في نتائجها...

أخيرًا..

لقد أجبرتنا الحياة على أن نعَدل الدفة لنغير المسار، وإذا كنا قد تركنا الإبحار في بحرِ المحن المتلاطم المظلم. فإننا نبحر الآن في مياه غريبة في قرارها الذكرى، وفي سمائها رسائل من الالتزام والمسؤولية. ومخطئ من يظن أن المهاجر قد تخلى طوعاً وجاءَ ليستريح أو يتفيأ. فنحن لم نَترُك إلا بعد أن تُرِكنا، ولم نُهاجر إلا بعد أن هُجِّرنا ففررنا من الأقدار الظالمة إلى أقدار الله العادلة، لكن المؤمن ولله الحمد أمره كله له خير كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد علمنا بأن لكل بداية نهاية وهي سنة من سنن الحياة، غير أن الطموحات لا نهاية لها وهي ضرورة من ضرورات الحياة تعهدناها بالرعاية واسقيناها بهديِّ التوكل ولو كانت في عميق الوجدان لم تتحقق بعد فقد تخللها نور من الرحمن لا ينطفئ فهي نامية باقية محققة ما دمنا صادقي النية أقوياء العزم.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب