إن النظر إلى البحر يجذب روحك إلى عالم آخر من السكون العجيب، يجعلك تسبح معه بوجدانك متناسيًا كل شيء حولك كأنه قد سلب روحك بعيدًا.
فكلما أطلت النظر إليه يأسرك بزرقته النقية الصافية ويمنحك شعورًا من السلام التام، فتتولد لديك الرغبة بالتحدث إليه وإخباره عن مكنون قلبك؛ لأنك تشعر أنه سيجيبك عن أسئلتك التي لا تجد لها إجابات.
وعندها ستجد نفسك من غير ما تشعر؛ تبدأ بالتحدث إليه والكلام معه كأنه صديقٌ يستمع إلى جروحك وقت الضيق.
مرآة الأعماق: تساؤلات أمام الأمواج
كلما جلست على شاطئه، تستهويني مشاعر عميقة وغير مفهومة، تتبدد من داخلي كالشظايا، فتنعكس على البحر كأنه مرآة تكشف ما بي من أسرار، قد خبأتها أصداف محملة بماضٍ مغمور بأحزان وآلام!
فتجدني أنظر بعين سارحة منجذبة إلى أعماقه؛ فتنطلق الكلمات من داخلي لا شعوريًا، ويعتريني الفضول متسائلة عن عمقه، وماذا سيكون في آخره؟ وهل يتقارن عمقه الشاهق مع عمق الأحزان التي تسكن فؤادي؟
فيا أيها البحر اشتكيت لك ما بي، فهل تسمع شكواي؟ فلا طاقة لي على النسيان، فإن تلك الحياة أوجعتني كثيرًا بما تحمله من آلام، جئت إليك لعلِّي أجد السبيل، فهل من نهاية لما أعانيه؟

حنين إلى البراءة: اصطدام الأحلام بواقع الحياة
كنت ذات يوم فتاة مشعة بالأحلام، لا أعرف ظلمًا ولم أكن أقاسي أي عبء، فظننت هكذا الحياة، إلى أن كبرت فعرفت أني كنت أعيش في وهم، وأن الحياة ليست مكتنزة بالجمال مثلما اعتقدت، فها هنا أنا أجري وحدي فلا أعلم أين موئلي، أحاور نفسي باحثة عن إجابة، هل أخطأت في شيء؟ أم لم أحاول جاهدة بما يكفي.
غسيل الروح: دروس من مدّ البحر وجزره
فيا أمواج البحر هلمي إليَّ بكل جهد، انزعي عني ظلامًا بقي معي طويلًا، وأعيديني نقية بريئة مثلما كنت، وها هي الأحزان المكبوتة بداخلي طويلًا، قد أصبحت متناثرة، كأنها قد ذهبت مع أمواج البحر.
وكأنه قد استمع لشكواي المتواصلة بمنحي قطرات من الدفء التي أذابت جميع مشاعر السلب الدفينة على المدى الطويل في لحظة، وجعلتني أشعر بصفاء ونقاء غريب في نفسي.
وكأنه يخبرني بأن الحزن زائل وليس دائمًا، فمثلما البحر بصورته النقية التي تبدو أمامك، فهو أيضًا عند السباحة الدائمة فيه، دون أخذ الاحتياط، ستغرق عند نقطة معينة، ولن تستطيع النجاة.
وهكذا هي الحياة لا تتحرك فيها باندفاع دون أخذ وقايتك منها فيغلبك الندم لاحقًا دون عودة.
كاتم الأسرار: ملاذ النفوس التائهة
في البحر كثير من الأسرار التي سكنت داخله، فكم من نفس كانت تائهة وهمَّت إليه لتشكو قسوة الأيام، فكساها بقطرات عذبة مروية تزيل عنها شوائب الذكريات المريرة، فتغدو مسالمة روحيًا خالية من زبد الآلام.
ولادة جديدة: إشراقة الأمل من رحم المعاناة
فيا بحر كنت لي ملاذًا في أتعس سبل حياتي؛ فكلما وطأت قدمي ناحيتك تستقبلني ببلسمٍ يداوي جراح الخيبات، ويغسل عن قلبي غبار الأيام، فترتد إليَّ روحي هانئة، وكأنها تولد من جديد.
إنك لا تغدر بمن يلجأ إليك، وحين أبوح لك، تكون خير كاتمٍ للأسرار، فأنت أوفى صديق عند المحن تحتوي كل ظلام مظلل يكمن بداخلي، يكسوني نسيمك لباسًا يحمل طاقة من الأمل تودي بي إلى الأمام بكل قوة.
فقد انجرفت الجراح مع الأمواج إلى باطنه، وتلاشت كل الذكريات المريرة، وانتعشت بصور جديدة تغرس في الأذهان، فتتبدل كل الأحزان بألوان من الأمل والسعادة، وتعود الأحلام التي ضاعت لتتفتح من جديد، ينبض الأمل أحيانًا في الظلام، فمن يخشى عسر الحياة لن يستطيع النهوض.
وسيبقى في قوقعة اليأس يعيش في ظلمته، يظن كأن كل شيء أصبح منتهيًا، فلا يحاول الأخذ بنفسه والخروج لاكتشاف ذاته، بل يبقى منغمسًا بفكره الذي أشغله بنفسه.
إن الحياة بئر المعاناة والفائز من يتعلم منها ويحاول التغيير؛ فأخذ العبرة من كل أمر شاق ينير لك درب النجاح.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.