مما لا ريب فيه أن قلم القاصِّ الأستاذ خلدون الدالي يتسم بالفكر الوجداني، وهذا بارز من خلال ما قدَّمه لنا من قصص -في مجموعته "ركام الدموع"- تحاكي القضايا الإنسانية والاجتماعية.
في قالب قصصي بليغ ارتكز من خلاله على التَّكثيف والإيحاء والرمز بصورة مباشرة أحيانًا، وأخرى كانت تميل للإضمار بوضوح .
اقرأ أيضًا الغوص في قلم د.مصطفى محمود
مميزات القصة القصيرة جدًا
امتاز قصُ القاصِّ الراقي الأستاذ خلدون الدالي بتشغيل الملفوظ السَّردي ذي الحجم القصير جدًّا، وتوسَّلت مجموعته بأدوات تعبيرية كالإدهاش والإرباك وانتقاء الأوصاف المشاعرية دون إخلال، واستخدام الأفعال الحركية الدينامية.
لقد تزيَّنت مجموعة ركام الدموع برمزيتها العالية، وجاءت زاخرة بقضايا الإنسانية حاملة رسالتها بكل أمانة.
اشتعلت أحداث النصوص بالتأزّم، والصراع، والاضطراب التي تُجمهَر عيون القراء حولها.
قد استخدم القاص بدايات القصِّ من النوع الحديث كما في قصة "دسيسة"، وكانت النهايات استنكارية مفاجئة، جعلت رتابة النص هشيمًا تأكله الأقلام البارعة، كقلم القاص خلدون الدالي، ليلقيه في غيابة جب اللاتشويق، هنيًا للكاتب ما كتب وخطت حياته الأدبية.
"ركام الدموع" نموذج
لقد حملتْ مجموعة ركام الدُّموع أفكارًا رائعة، تكمن قيمتها في الحفاظ عليها بشكل أنيق وبارع؛ وذلك من خلال سردٍ أنيق وحصيف متصاعد، نلمس فيه قوة اللغة وأناقتها.
وهذا ما يُحسب للكاتب المبدع خلدون الدَّالي، كذلك فقد جاءت القفلة في أغلب نصوص المجموعة مدهشة عميقة المدلول والمعنى، تماهت مع ذلك العنوان الجميل الذي اختاره الكاتب بعناية وبراعة لمجموعته القصصية.
لقد أضفى الكاتب المبدع خلدون الدَّالي على الحدث القصصي في هذه المجموعة التي بين أيدينا حالة حوارية جدلية بين جذب وشد، وهذا ما أعطى هذه المجموعة طابعًا وجدانيًّا دراميًّا بالغ الأثر في النفس.
وإن كانت توجد قصص لفتت انتباهي وشدتني لقراءة نقدية عن هذه المجموعة القصصية الجديرة بالاحتفاء بها، وبالأخص النصوص الآتية:
1. قصة الحلم ص 17.
2. قصة دسيسة ص 18.
3. قصة إنسانية ص 24.
4. قصة مهانة ص 25.
5. قصة الزئير الأخير.
6. قصة الخوف.
7. قصة الأمم المتحدة.
8. قصة الشعائر الأخيرة.
9. قصة بؤس.
10. قصة انكسار ص 34.
11. قصة الصدمة.
وغيرها كثير من النصوص الجميلة في هذه المجموعة.
وإذا كان القاص خلدون الدالي قد تميَّز برؤيته الواقعية في مجموعته "ركام الدموع"، فقد حاول أن يُزاوج بين اتجاهات شتى، وأن يجرب أنواعًا متباينة من التقنيات كان لها دور كبير في إثراء تجربته القصصية، ومنحها أبعادًا مُدهشة سواء على المستوى الإنساني أم على المستوى الفني.
اقرأ أيضًا معارضة قصيدة الأطلال لأمير الشعراء أحمد شوقي
وعلى الرغم من هذه المزاوجة وتنوع التقنيات المستخدمة؛ فإن الواقعية ظلَّت هي الأرضية الممهدة التي بُنيت عليها كل قصص المجموعة.
وإذا أضفنا إلى ذلك النجاح الذي أصابه الكاتب في استخدامه للغة، وتنويعه بين مستويات القص، وانتقاله من مستوى إلى آخر في خفة ورشاقة واتساق؛ لأدركنا أحقية هذه المجموعة في أن تُحسب ضمن أهم الإنتاج العربي في مجال القصة القصيرة جدًّا.
اختيار اللقطة
لعل أهم ما يتميز به القاص خلدون الدالي هو اختياره اللقطة الموحية المعبرة عن موقف إنساني، ففي قصة حلم (ص 17) يلتقط الكاتب عادة بريئة لطفلةِ الرِّيف من أبناء الفقراء عندما لا تجد ما تتلهَّى به، ومن ثمَّ تسأل والدها بكل أسى:
-متى ستشتري لي ثوبًا جديدًا؟
فيجيبها:
-غدًا.
-واللعبة التي وعدتني بها؟
-غدًا.
-غدًا... غدًا، منذ زمن وأنت تقول غدًا، متى سيأتي الغد يا أبي؟
-عندما تشرق الشمس.
إنَّ هذا التَّطور في مستوى السَّرد ينقل القارئ من المستوى العادي البسيط إلى مستوى إنساني خاصة عندما يمتد تيار من الألفة والحب، فيجمع بين هذه الطفلة الصغيرة البريئة وبين والدها.
ويُلاحَظ أن الكاتب لم يشر في هذه القصة إلى الفقر من قريب أو بعيد، وإنما أوحى لنا به إيحاءً قويًّا عن طريق منظر مرسوم بدقة وإحكام، على طريقة التصوير السينمائي، فجاء على أروع ما يكون "عندما تشرق الشمس".
وفي قصة "مهانة" يلتقط الكاتب موقفًا آخر ينطوي على جانب إنساني أيضًا،
مَهَانَةٌ ص 18.
جَلسَ أمَامَها، نَظَرَتْ إليهِ شَزَرَا، سَأَلها:
-أمَا مَرَّ بك؟
عاد صَامتًا.. أفْصَحَتْ
أشَارَتْ إِلى كِسْرَةِ خُبْزٍ بيمينها:
-هو ذا..
لمَسَها بيدٍ رؤومٍ، تَنَحَّى جَانبًا... بَكَى جبنَه..
مهانة، هذا النص برأيي الشخصي من أجمل ما كتبه الأستاذ الدالي من حيث الأداء والفكرة والرمز المنصف.
اقرأ أيضًا كدتُ أُقسِم أنّني يجمعني بهِ قلبٌ واحد..
مهانة (الخزي، والذل)
ومن هذه العنونة نستطيع أن نلج ما عالجه الكاتب بسرده السَّلس عن فكرة إنسانية بحتة، وتحويل الجوع إلى اتِّجار وبيع ما بقي للإنسان في سبيل سدِّ الرَّمق، والحاجة الفطرية للعيش.
هنا نرى شخوص المشهد.. بطل وبطلة يتحاوران.
يسألها بعد الجلوس قبالتها ونظرتها الغاضبة المعجونة بالاستهانة، مستنطقًا إياها (أمَا مَرَّ بِكِ؟) عن شخصٍ متفق عليه سالفًا.
بعد صمت أشارت، وكلمة "أفصحت" أراها زائدة، فلم تقدم أي قيمة للنص بعد أن أشارت البطلة.
أشارت إلى كسرة خبز، "لمسها بيد رؤوم" وهنا دليل كبر سنه ربما أو صغر عمر البطلة.
الحبكة أخذت نصيبها من القوة، وهذا يحسب للنص فنيًّا وبنيويًّا.
نصلُ إلى القفلة المباغتة، والتي هي روح النص: "تنحَّى جانبًا.. بكى جبنه".
هنا تتجلَّى المفارقة المعنوية حقيقة، ويتجلَّى هدف النص، التجارة كانت خاسرة.. فالبطل الثالث الذي دار حوله حوار القصة أخذ نصيبه من المتعة، ولم يترك للبطلة إلا الخزي والعار، وللسمسار ندب جبنه بعد رؤيته كسرة الخبز، وبكى ما صنعته يداه من جريمة في حق البطلة.
هكذا وصلني النص الموسوم "مهانة".
*****
لقد استطاع الكاتب في هذا المشهد الإنساني الرائع أن ينقلنا من المستوى العادي للتصوير إلى المستوى الرمزي الذي ينطوي على أبعاد غاية في القوة والعمق، حتى صار الرمز هو جماع المعاني على نحو ما يقول (رولان بارت) في كتابه "النقد والحقيقة" (طبعة أوسيل، باريس، 1966م، ص 50): "إن الرمز ليس هو الصورة، بل هو جماع المعاني.
ومن ثم فإن اللغة الرمزية الخاصة بالأعمال الأدبية هي في بنيتها لغة جمعية، نجد فيها القاعدة مبنية بطريقة تجعل كل كلمة -وكل عمل- متولِّدة عن ذلك لها معان متعددة".
وهكذا نجد خلدون الدالي في كل القصص يجيد اقتناص الموقف المعبر من بين مئات المواقف التي يقابلها الناس يوميًّا ولا يلتفتون إليها.
وهو لا يكتفي بالإيحاءات والرُّؤى والأبعاد التي يتضمَّنها الموقف في حد ذاته، ولكن يجتهد في تحويل هذا الموقف من الخاص إلى العام، ودفعه في تيار المشاعر الإنسانية الفيَّاضة، وإلباسه ثوبًا مُحكمًا من ثياب الفن.
اقرأ أيضًا الأيام لم تأخذ مني أكثر مما أخذت فيه!.
عالم الفقراء والمطحونين
من الواضح أن خلدون الدالي ينتقي لقطاته من عالم الفقراء والمهمَّشين والمطحونين، سواء في المدينة أم في القرية.
فالقصة الأولى في المجموعة وهي قصة "الحلم" بطلها يعاني من حالة إحباط شديد؛ لعدم استطاعته شراء ثوبٍ جديدٍ لطفلته، وعدم استطاعته شراء اللعبة لها أيضًا.
ومن أهم ما يميز خلدون الدالي أنه يُحدث تداخلًا حميمًا بين المشهدية الواقعية والمشاعر الإنسانية الفياضة، وكذلك بين الضمير الإنساني والفكر الإنساني.
قصة: دَسِيسَة صـ 18.
انتظرتُ بزوغه؛ لم أر إلا سرابًا أسود.
فقدتُ حيلتي، غفوت.
أيقظني صوتٌ قويٌّ، اِنطلقَ من تحت قدمي، وجهتُ ضوء المصباح نحوه؛ شاهدتهُ بقرنيهِ يزحف، أصمَّني فحيحه..
دسيسة
ما أخفي ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻤﻴﻤﺔ ﻭﺍﻟﺨﺪﺍﻉ ﻭﺍﻟﺸﺮ والمؤامرة، ﺟﻤﻊ دسائس، والدسيسة ما أُضمر من العداوة.
هذا نص أثبت قوّته أيضًا من بين ما قدَّمناه، وفتح باب التأويل على مصراعيه؛ البطل تحت حلكة ليل يطول، وتصويره بالسراب الأسود (كما الماء في الصحراء وهم وخديعة من الطبيعة ذاتها).
وانتظاره لبزوغ الضوء يحدثنا ذلك.
فقدُّتُ حيلتي، غفوت، هي شدة التعب والانتظار (ينتظر ظهور الحقيقة)، ولكن يباغته الشَّر بقرنيه، وهنا نتصور عنف المشهدية على هيئة أفعوان أو ثعبان نبت له قرنان يعبِّران عن كِبره، ومدى شُروره وفحيحه الذي أصمَّ البطلَ.
قفلة صارخة، وتصوير بديع.
باختصار برع الكاتب في تصوير الغدر والخيانة بمنتهى الحرفية.
ثراء التقنيات وأهمية اللغة في مجموعة ركام الدموع
استطاع "خلدون الدالي" في لغة قصصية سهلة وبسيطة وشاعرية في آن واحد أن يحشد جملة من التقنيات الفنية في القصة الواحدة، ففي قصة "انكسار" ص 34
على سبيل المثال نجد الكاتب ينوِّع من مستويات القصِّ بالانتقال من أسلوب لآخر في خفة ورشاقة، ففي النَّصِ الآتي سوف نراه ينتقل من أسلوب المتكلم إلى أسلوب المخاطب لنفسه.
*****
انْكِسار ص 34
أَسْمَعُ الصَّدَى، كَأَنَّهُ الْعَوِيلُ الْعَوِيلُ.
أطِلُّ مِنْ نَافِذَتِي جَزُوعا.
الشوارعُ على امتدادها، تَغصُّ بجثثٍ مُتفحَّمة.
أَفْركُ عَيْنَيَّ مُحَمْلِقًا.
اللهبُ الأسودُ يُعانقُ السماء، يَنْتَحبُ مع نعيق الغربان، فيما الذئابُ تزهو بالعواءِ حدَّ الغنج.
تقدَّمَ (سيَّدُ الزنزانة) نحوَ العرش المُبجَّل، مَحروسًا بالأفاعي، والذئاب، والتماسيح المعمَّمة بعماماتٍ سوداء، ليشهد عيد النحر السنوي.
بهلعٍ أُغْلِقُ النافذةَ على المشهد، أَسْتَدِيرُ، يُفَاجِئُني الْمُهرِّجِون بزخَّاتِ الكلاشينكوف.
فهذه لغة -كما قلنا- تجمع بين السهولة والبساطة والشاعرية، وهذا التنويع في المستوى الأسلوبي بالإضافة إلى ذلك، يمنحها طاقات تعبيرية وبلاغية كبيرة تشد القارئ، وتجعله يتفاعل مع النص.
وفي هذه القصة يقدم لنا الكاتب حوارًا يأخذ شكل الديالوج والمونولوج في وقت واحد، ذلك لأنه على الرغم من دوران الحوار بين الرَّاوي أو البطل ذاته الداخلية؛ فإنه يؤدي أيضًا صورة المناجاة الداخلية، ثُم إننا نعثر أيضًا في القصة على لقطة مؤثرة في صورة عميقة، ومشهد إنساني مؤلم:
أَفْرِكُ عَيْنَيَّ مُحَمْلِقًا.
اللهبُ الأسودُ يُعانقُ السماء، يَنْتَحبُ مع نعيق الغربان، فيما الذئابُ تزهو بالعواءِ حدَّ الغنج.
قصة ص 24.
إنسانية
تحاشيتُها، لكنَّها أصرَّتْ التَنَاسُلَ في مَسامَاتِ جلدي.
أرَدْتُ التَنَصلَ مِنها؛ جذبَتْني نحوها بحُنو.
كُلمَّا قطعوهُ التأمَ: ذاك الشريانُ الذي يصِلُ جذُورها بدمي.
القراءة:
العنونة جميلة جدًا، وكما أشار الناقد الأستاذ: ساجد محمد رضا المسلماوي: "إنها أضعفت النص وفضحته"، وفعلًا كما أكد لقد كان هذا النص هو الأجدر بالتتويج من بيان الثلاثة المرشحة.
جملة الاستهلال (تحاشيتها) غنية جدًّا وثرية في إيحائها، وهذا ما يلفت انتباهنا لماهية شخصية البطل، وعمَّا واجهه من عوائق وظروف اجتماعية؛ حتى جعلته يتحاشى إنسانيته، ويُساير الحياة بما فيها من مساوئ كي لا يشعر بالضعف أو الغباء على أفضل التقدير.
إن طريقة معالجة فكرة النص تميزت بالبراعة وفلسفة وجدانية بحتة لنركز معًا.
اقرأ أيضًا قراءة في ديوان (ليل يديها) للشاعر زاهي وهبي
التناسل: إن الكلمة بحد ذاتها تدل على الحياة والتطور والنمو.
وحينها غالبًا ما نجد أن المرء كلما تقدم في العمر يكون أكثر إنسانية مهما بلغ الشر والحقد في قلبه، إلا أنه يصل لمرحلة لا بد له أن يكون إنسانًا، فإن لم يكن بفعله فحتمًا هو بقلبه.
النص فلسفي وجداني، حيك بإتقان وانزياح جميل جدًّا في تصويراته وتعابيره المكتنزة في عمق الفكرة والمتن "أرَدْتُ التَنَصلَ مِنها؛ جذبَتْني نحوها بحنو".
فنَلْحظ كيف أن المرء مهما حاول أن يتخلى عن فطرته وغريزته الإنسانية سيبقى شيء ما بداخله يردعه، سبحان اللَّه الخالق إذ يقول اللَّه تعالى في محكم تنزيله العزيز: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [سورة الشمس].
النص فيه كثير من العمق، ويحاكي النفس البشرية على حدٍّ سواء، والصراع الداخلي فيما بينها من تقوى وفجور، مثلما جاء على لسان أهل الفلسفة وعلماء النفس أن الإنسان عدائي إن لم تحكمه القوانين أو الشرائع.
فالقوي يقتل الضعيف كما في شريعة الغاب، وهذا كان سائدًا على مر العصور والأزمنة المختلفة، ولا تزال الحروب الواقعة شاهدًا قائمًا بحد ذاته.
"كُلمَّا قطعوهُ التأمَ: ذاك الشريانُ الذي يصِلُ جذُورها بدمي"
وهنا الدلالة على المواقف أو الأسباب الّتي كانت تدعو بطلنا للتخلي عن إنسانيته، ولكن محال أن ينقطع هذا الشريان، كما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 19]
راق لي النص جدًّا، أغبطه وأحيي القاصَّ المبدع الأستاذ خلدون الدالي على فكره النيّر والبصير، وعلى إنسانيته الراقية والخلوقة.
وقد أعطى خلدون الدالي اهتمامًا خاصًا للغة من واقع اعتقاده بأن اللغة لم تعد مجرد أداة لنقل المضمون، بل ترتبط ارتباطًا جوهريًّا بطبيعة الخلق الفني، وفي هذا يقول الروائي العالمي جابرييل جارثيا ماركيز من حوار مع بلينيو ميندوثا ص 86: "أنا أعتقد أن التقنية واللغة أداتان يحددهما موضوع الكتاب.
فاللغة المستخدمة في الكولونيل لا يجد من يكاتبه وفي الساعة السيئة، وفي عدة قصص من مجموعة "جنازة ماما الكبيرة" لغة مقتضبة موجزة يتضح فيها الاهتمام بقيمة الفعالية المأخوذة عن الصحافة، أمَّا في رواية "مئة عام من العزلة" فقد كنت في حاجة إلى لغة أكثر ثراء لكي أفسح مجالاً لدخول هذا الواقع الآخر الذي اتفقنا على أن نطلق عليه اسم الواقعية الأسطورية أو السحرية.
وفي رواية خريف البطريرك اضطررت للبحث عن لغة أخرى بعد أن تخلصت من لغة "مئة عام من العزلة"، ومعروف أن النقاد قد وصفوا رواية "خريف البطريرك" بأنها تبدو مثل قصيدة من النثر".
إذن، فإن طبيعة الموضوع هي التي تحدد مستوى اللغة، وقد وجدنا في مجموعة خلدون الدالي ثلاثة مستويات للغة:
لغة سردية عادية، ولغة شعرية أو قريبة من لغة الشعر، ولغة تستلهم لغة الحكائية، وتحاول أن تشكلها في بناء نحوي وصرفي يقربها من اللغة الدلالية والمجازية، وقد تأتي اللغة الشعرية سائدة في بعض القصص مثل قصة "انكسار"، وقصة "الزئير الأخير".
وقد تسود اللغة الحكائية في قصص أخرى مثل السؤال النازف، والأمم المتحدة، وإن كانت مساحة هذا المستوى الثالث أوسع وأكثر انتشارًا في المجموعة، ما يعطيها خصوصية متميزة في استخدام اللغة الدلالية والمجازية.
في ختام تحليلنا لهذه المجموعة القصصية الرائعة، لا بد أن نهنئ الكاتب على إجادته للغة، وتملكه لزمام الأسلوب، ورؤيته الأسلوبية المتميزة التي تجعل الناقد يقول بملء فيه: إن هذا كاتبٌ من أصحاب الأساليب الخاصة التي تنطبق عليها مقولة "السهل الممتنع".
اقرأ أيضًا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.