يرتبط اسم نابليون بونابرت في الوجدان العربي بصورة الغازي الذي وطأت أقدام جنوده أرض الكنانة، مخلفًا وراءه جدلًا لم ينقطع حول النهضة والاستعمار. لكن ما يغفله كثير من المؤرخين هو تلك الرابطة العجيبة التي نشأت بين القزم الكورسيكي وأعدائه اللدودين: المماليك.
في هذا المقال، نسبر أغوار قصة مذهلة بدأت من أسوار القاهرة وانتهت بمأساة في شوارع مرسيليا، حيث تحول الفرسان الذين هزمتهم مدافع فرنسا إلى حرس خاص يفدون إمبراطورها بالأرواح.
عاد نحو مائة مملوك مع نابليون إلى فرنسا وشكّل منهم كتيبة في حرسه الإمبراطوري، قبل أن تُباد مستوطنتهم في مرسيليا عقب هزيمته النهائية عام 1815.
نابليون بونابرت: الكورسيكي الذي غير وجه أوروبا والشرق
حين نعلِّم أولادنا اسم هذا الكورسيكي القزم، نابليون بونابرت، نحكي لهم في الغالب حكاية حملته المشهورة على مصر قبل أكثر من 200 سنة. الرجل دوَّخ أوروبا كلها؛ أراق فيها الدماء، وقلب العروش، ونشر الفكر السياسي الحديث، وجعل الدنيا تدور حوله وحول إعلامه ومع أحذية جنوده خمس عشرة سنة.

ولكنه، بالنسبة إلينا، أحد الغزاة؛ تحرك ما بين القاهرة وعكا سنتين، ثم انصرف. ويزعم الغربيون لنا، ونصدق الزعم، أن حملة نابليون كانت بداية العصر العربي الحديث ومطلع النهضة.
ألم يقف جيش نابليون المعبأ على الطرق الحديثة، القائمة على القهر ونهب الرعايا؟ وانتصر على جيش المماليك المهترئ المتداعي عند أهرام الجيزة. ألم يقف السيف الحديث أمام المدفع، والفروسية الفردية أمام عبقرية الاستراتيجية الحربية الحديثة؟ ليست هذه النظرة الغربية للموضوع من همي الآن؛ فمناقشةُ الخطأ والأنانية فيها قصةٌ أخرى من مفاهيم الحرية والعدالة والمساواة التي حملها جنود نابليون، أبناء الثورة الفرنسية، في مواجهة مفاهيم الاستبداد السابقة لنابليون بكثير فيما بين نجد والشام وليبيا، وملامحها أنها تنكر اليقظة العربية الإسلامية الذاتية.
الهزيمة النفسية: حين استنسخ نابليون نظام المماليك
ولكن اسم نابليون إنما ركض على هذه الأسطر لأمر آخر، هو صلة هذا الرجل بالمماليك. بلى، كان نابليون بدوره مملوكًا. إن نابليون الذي هزم المماليك انهزم بدوره أمامهم. صحيح أنه أنهى سلطانهم في مصر، ولكنهم، بالمقابل، غزوه؛ هزموه في ذاته. لم يلبس فقط الحمال والطراز، ولم يدَّعِ الإسلام ويتقرب من العلماء فحسب، ولكنه أخذ أيضًا بالأسلوب المملوكي في الجندية، فاصطنع المماليك مثله كمثل أي قائد مملوكي عريق.
والخبر، على ما فيه من المفارقة، صحيح، وتزداد المفارقة إذا علمنا أن نابليون يدين، في جانب من انتصاراته الكبرى التي حققها في أوروبا، إلى الجماعة المملوكية؛ يدين لها بالكثير، وإن بقي هذا الكثير في غياهب الصمت والجهل.
رحلة المائة مملوك من صحراء مصر إلى قصور باريس
نابليون، وهو في مصر، اشترى واستخدم جماعة واسعة من المماليك؛ جعلهم أولًا أدلاء للجيش في هذه الأرضين التي يجهلها، وفرسانًا بعد أن انقطع عنه المدد من وراء البحار وحاصرته القوى الإنجليزية على سواحل مصر والشام. وحين عاد نابليون، ثم عادت الحملة إلى فرنسا، عاد منها نحو المائة مملوك، يصطحبون معهم عائلاتهم وذوي القربى والنساء والأطفال والشيوخ وحتى الأقرباء الأبعدين. رابطة الولاء المملوكية ساقتهم وراء نابليون، مولاهم الجديد، يفدونه حتى الموت.

كانوا عبيدًا من مختلف الأسواق، بل كان أحدهم فرنسي الأصل من سان دينيس، ويدعى عليًّا. الرابطة الوحيدة التي كانت تجمعهم أنهم أجهزة قتال، وقد وجدوا في نابليون السيد المقاتل. أدخلهم نابليون أول الأمر في صحبته أدلاء للجيش، وحين أصبح سيد فرنسا غير منازع سنة 1804، ألَّف من هؤلاء المماليك كتيبة ألحقها بفرقة فرسان الحرس، وجعلهم من حرسه الخاص. كان يزهو بملابسهم الشرقية المزركشة: السراويل الفضفاضة، والأردية المطرزة بالذهب، والسيوف المحنية البراقة، والعمائم من الحرير.
المماليك في قلب المعارك الأوروبية
استكمل بذلك إطاره الإمبراطوري المزخرف، وجعل حارسه الشخصي مملوكًا من هؤلاء، أصله من جورجيا، يدعى رستم، كان يقضي الليل على بابه أينما كان، في القصر أو في خيمة المعركة.
كانت النساء من المماليك يقبضن المرتبات للمعيشة من الإمبراطور، أما الرجال فكانوا للحرب، ودخلت فرقة المماليك في حروب نابليون كلها وفي كل مكان. وأية حروب تلك؟ كانوا مع قائده «مورا»، ومع «لاسال»، ومع لوفيفر ـ دي نويت، وهم الذين انتزعوا لنابليون أعلام الحرس الروسي المهزوم في أوسترليتز، أروع معارك نابليون، وهم جازوه بأعلام الأرشيدوق شارل النمساوي في معركة واهرام. دُمِّرت الفرقة بالقتال، لكنها خرجت مكللة بالغار.
مستوطنة ميلون ومرسيليا
الإمبراطور المغامر أسكن المماليك أول الأمر في بلدة ميلون؛ أقام لهم هناك مستعمرة أشبه بالمستودع، لكنهم تحولوا بعد ذلك إلى مرسيليا في جوار المرفأ القديم. شمس البحر الأبيض المتوسط هناك راقتهم؛ كانت تذكرهم، على الأقل، بشمس الإسكندرية والدفء. كوَّنوا في جانب المدينة مستوطنة إسلامية صغيرة، لكن أهل مرسيليا لم يتقبلوا هذه الجماعة الغريبة؛ أبغضوها وأنكروا جوارها، لا لأنها تمثل الإسلام والإمبراطورية العثمانية فقط، ولكن لأنهم أضحوا يبغضون الإمبراطور نفسه أيضًا.
مرسيليا من قلعة للثورة إلى معقل كارهي الإمبراطور
المرسيليون هؤلاء الذين زحفوا سنة 1792 حتى باريس واستولوا، أيام الثورة، على التويلري، حتى أضحى النشيد الذي كانوا ينشدونه في تلك الآونة النشيد الرسمي الفرنسي إلى اليوم «المارسيليز». هؤلاء أنفسهم أضحوا، في أواخر العهد الإمبراطوري، شعلة حقد ضد الإمبراطور الطاغية؛ انقلبوا ملكيين، وألقى نابليون عليهم الحصار الذي دمر المدينة وأوصلها إلى حافة الجوع.
فسال حقدها والغضب في الدروب، ورفضت دفع الضرائب، ورفضت التجنيد للحروب، وأعادها العناد إلى الهوى الملكي: هوى «الزنبقة»، شعار آل بوربون، والعلم الأبيض الملكي لا العلم المثلث الألوان، بالرغم من أنهم كانوا أحد أعمدة الثورة الفرنسية التي طردت آل بوربون ورفعت العلم المثلث الألوان وأنهت نابليون في النهاية. وجرح الإمبراطور مشاعرهم الكاثوليكية حين ألقى القبض على البابا وسجنه، فأوصلهم ذلك إلى ذروة النقمة.
عودة الملكية وبداية الفوضى في فرنسا
وحين هُزم نابليون سنة 1814 أمام التحالف الأوروبي، ودخل الحلفاء باريس وأعادوا إليها الملكية، صاحت الجموع في مرسيليا «عاش الملك»، وحطمت تماثيل نابليون كلها في الشوارع، في حين كان الإمبراطور ينطلق إلى منفاه في جزيرة إلبا. وحين عاد مرة أخرى فدخل فرنسا ليحكمها مدة «المائة يوم» المعروفة، خرج المرسيليون أنفسهم في الجنوب لقتاله ومنعه.

وإذ لم يفلحوا في قطع الطريق عليه، فإنهم لم يعطوه الجنود بعد ذلك للحرب، بل اضطر، بالعكس، إلى إبقاء حامية عسكرية من الجيش في المدينة خوف التمرد. وحين أُعلنت هزيمة الإمبراطور الأخيرة في واترلو سنة 1815، أفلت زمام الجماهير في شوارع مرسيليا، وهرب قائد الحامية خارج البلد.
ما من قوة كان في إمكانها كبح الحقد الدفين؛ تحت كل حجر في المدينة، كما قال هذا القائد، تنبت زهرة زنبق، ومن كل نافذة خرج علم أبيض. الجندي الذي لم يكن يدوس شارته المثلثة الألوان كان مصيره السحل. تسلحت مرسيليا بكل سلاح، من البندقية والحربة إلى سكين المطبخ والزجاجة الفارغة، بينما مُنع الجنود من الخروج من الثكنات؛ فالمدينة فوضى.
إبادة المستوطنة: المماليك يدفعون ثمن ولاؤهم لنابليون
هنا يأتي دور المماليك ومستوطنة المماليك في هذه القصة التاريخية التي طالت: كانت المستوطنة، بأزقتها السكنية، هي السوق الرمزية للإمبراطور وللحكم الإمبراطوري البغيض، وكان عليها أن تدفع الثمن الدموي الرهيب.
في الشوارع كانت المذابح تسحق الجنود القدامى واليعقوبيين وأنصار الإمبراطورية. ويوم توجهت الجماهير إلى مستوطنة المماليك المصرية، لم يسأل أحد ما ذنب هؤلاء، ولم يتذكر ما صنعوا لمجد فرنسا؛ كانوا يمثلون شخص الإمبراطور، وانهالت الجموع المسعورة على بيوت المماليك السكنية رصاصًا وتمزيقًا وطعنًا وسحقًا بالأحذية. تقرير للشرطة ذكر أن الغوغاء أحاطوا بخادمة سوداء كانت تعيش هناك، وطلبوا إليها أن تصيح «عاش الملك». رفضت.
ـ لا، إن نابليون هو الذي يعطيني العيش.
وخزتها الحراب، وألقتها الأقدام في الماء. المذبحة الوحشية ملأت مياه المرفأ القديم في مرسيليا بالجثث، بالضحايا. المستوطنة المملوكية أُبيدت كلها. القلائل الذين تمكنوا من الهرب أو نجوا من السكاكين والعيون الهستيرية أُخذوا فحُبسوا في قلعة إيفا، حيث ماتوا.
نهاية حكاية المماليك المغتربين
وانتهت حكاية المماليك «المغتربين» في مستنقع الدم. أما أمجادهم فابتلعها التراث الفرنسي، مثلهم كمثل الكثير من أهلنا المغاربة ومن مسلمي السنغال، وسقطت القصة كلها في بئر النسيان.
كانت قصة مماليك نابليون فصلًا مختلفًا في تاريخ الجندية، وتجسيدًا للتداخل الثقافي والإنساني الذي يفرضه الصراع. لقد ضاعت تضحياتهم بين صفحات التاريخ الفرنسي المنسية، وسالت دماؤهم في مرفأ مرسيليا دون بواكٍ، ليظل هؤلاء المغتربون مثالًا صارخًا على ضحايا الولاء الأعمى للقادة والتحولات السياسية الكبرى.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.