خاطرة «ملل الانتظار».. خاطرة إنسانية

يشعر الإنسان بالملل في عصرنا الحديث، ويصيبه كثير من الأمراض النفسية والجسدية.. نتيجة انتظاره الأمل في أن يحقق أحلامه. ترى كم من الوقت مضى وهي تنتظر؟ ساعة، ساعتين، ثلاث، لا بل كأنه عقد من الزمان جلست على مقعدها التقليدي تسترخي بعض الوقت بعد مجهود قضته في إنجاز مسئولياتها اليومية، النظافة، والغسيل، وإعداد الطعام، التي اعتادت القيام بها يوميًّا، على الرغم مما تعانيه من وهن وضعف نتيجة لأمراض استوطنت جسدها النحيل أساسًا، وترعرعت فيه كما تترعرع نباتات الأرض. 

عقارب الساعة تمر بطيئة كسلحفاة، وهي ما زالت تنتظر نتيجة التحاليل التي أمرها الطبيب بإجرائها. يعتريها اليأس أحيانًا، وأحيانًا أخرى يحتويها الأمل، وما بين الاثنين يظل الخوف مستمرًّا في قلبها وكل كيانا ينهش ما تبقى من صحتها.

في أثناء ذلك تجولت بذاكرتها لسنوات عديدة مضت، بعضها قريب وبعضها بعيد، استعرضت خلالها تاريخ حياتها منذ وعت الحياة. استرجعت سنوات الطفولة، صورة رمادية قاتمة، لم تكن سعيدة وهانئة خصوصًا بعد موت رب الأسرة في سن مبكرة، وقيام الوالدة بدورها ودوره معًا، فمنذ بلوغها السابعة كانت تمارس بعض أدوار الأم لإخوتها الصغار في أثناء وجود الوالدة بعملها مدرسة أطفال بإحدى المدارس.

سنوات الطفولة لم تكن سعيدة

كل أحلام الطفولة عندها كانت مجهضة، لم تكن تجرؤ أن تملك عروسة لعبة خاصة بها، أو تشارك أطفال البيت والمدرسة لعبهم وانطلاقهم وحيويتهم، بل كانت تنتظر بفارغ الصبر انتهاء اليوم الدراسي لتهرع إلى المنزل لتباشر مهامها اليومية. 

وجهلت بعدئذ مراحل الصبا، ولم تكن أقل قسوة من مرحلة الطفولة، فلم تكن تسمع ممن يهمهم أمرها كلمة رقيقة حانية، بل إنذارات التحذير والتخويف المبالغ فيه من أشياء قد تحدث أو لا تحدث، هذا غير حرمانها من الصداقات البريئة؛ لذا كانت تنتظر بفارغ الصبر الانتهاء من دراستها الجامعية حتى تستطيع أن تجد متنفسًا لها في العمل والاندماج في الحياة الاجتماعية التي افتقدتها كثيرًا.

وهكذا قضت حياتها مقيدة بسلسلة لا تنتهي من الانتظار، أول مرة أدركت أمرًا لم يكن يخطر ببالها، إطلاقًا، أدركت أن الحياة من البداية إلى النهاية ما هي إلا حلقات متصلة من الانتظار المستمر لشيء ما يحدث، قد يبعث على البهجة أو يثير الأحزان. هي مثل شجرة ينتظر أن تورق وتزدهر في الربيع، وتأتي بألذ الثمار، ثم يجتاح إليها الخريف فتجف الحياة، وتتساقط أوراقها ورقة تلو الأخرى، ثم يحل الشتاء حيث تسكن الأمراض والآلام الأجساد التي أجهدتها الرحلة، تندثر الأحلام والآمال الجميلة، وها هي الآن ما بين اليأس القاتل والرجاء المنتظر، تنتظر نتيجة التحاليل، والخوف ما زال مستمرًّا في كل مرة من كيانها. 

وتعلم جيدًا أن نتيجة التحاليل التي أجرتها، ولا تفهم محتواها سوف يخبرها الطبيب بما فيها، سيخبرها بأمراض لم تكن تتوقع حدوثها، وإذا ما يئست من هذا الطبيب ذهبت إلى آخر، فيخبرها بأمراض تختلف عن أمراضها السابقة، وكأن الطب والأطباء في وادٍ آخر غير وادي الدنيا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

خاطرة رائعة بالفعل...
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة