يتحدث الكتاب عن الافتراض السيكولوجي مثلما وصفه توماس هارس، وعن هيكل الشخصية التي تتحكم في انفعالاتنا وسلوكياتنا وتصرفاتنا، وكيف يكون الاتصال الفعال في العلاقات الإنسانية، وما العوامل التي تؤثر فيه؟
أولًا: الحالات الثلاث للذات
الذات الوالدية
لها أهمية كبيرة في تكوين شخصياتنا، ودونها لا يكون الإنسان إنسانًا ذا قيم وضمير، أو يوجد ترابط اجتماعي.
تبدأ هذه الحالة من اللحظات الأولى إلى سن خمس سنوات.
وهي عدد كبير جدًّا من التنبيهات والتحذيرات والنصح والإرشادات المتمثلة في افعل ولا تفعل، التي تلقيناها سابقًا من غير تحرير وتدقيق، تلقيناها مباشرة وسجَّلناها صورة وصوتًا بالمخ منذ صغرنا من الشخصيات الوالدية.
وهذا الكم الكبير من الرسائل كوَّن أنماط سلوكنا، ويُعد الخروج عنه بمنزلة خزي وعار، ويسميه سيغموند فرويد الأنا الأعلى (الضمير)، ويسميه إريك بيرن بالذات الوالدية.
وهذه الذات تحتوي على انفعالات وسلوك وعواطف ومواقف واتجاهات الشخصيات الوالدية، والشخصيات الوالدية لا يُشترط أن تكون متمثلة في الأب أو الأم فقط.
فقد تكون مربية أو أقارب مثل جد وجدة وأعمام وعمات وخالات وأخوات، أو ما شاهدناه في التلفزيون وسمعناه في الراديو، يعني كل ما أثَّر بنا واتخذناه قدوة لنا. يقول الكاتب: عندما ننضج ونتعلم ونمر بكثير من الخبرات، وينضج لدينا ذات البالغ.
نكتشف أن بعض الرسائل المسجلة في الذات الوالدية تأخذ انطباعًا سلبيًّا أو ليست صحيحة، وتصلح لكل زمن وموقف، مثل النقد الشديد والعصبية والسيطرة غير الواقعية والتحيز، بمعنى يجب إسقاط بعض هذه الرسائل السلبية.
لذلك ينصحنا الكاتب بمراقبة أنفسنا بوعي وبصيرة حتى لا نقع تحت تأثير الذات الوالدية، وهذا عن طريق ذات البالغ لدينا.
اقرأ أيضًا النقد الأدبي وعلم النفس.. ما العلاقة بينهم؟
ذات الطفل
نوع آخر من التسجيلات بالمخ تحتوي على الطريقة التي نظرنا بها للحياة، والأحاسيس والتكيف والخبرات التي جمعناها في داخلنا في السنوات الخمس الأولى.
ومهما بلغ بنا العمر فإن ذات الطفل تظهر أحـيانًا فجأة، وتؤثر في كثير من تعاملاتنا، وتحدد بعض اتجاهاتنا، وتتحكم أحيانًا في تصرفنا وسلوكنا.
مثلًا الشخص الذي يطلب ويثور ويريد اللذة الوقتية، ويفعل ما يحلو له دون تفكير أو نظر للعواقب، يكون تحت تأثير ذات الطفل، والشخص الذي يبدأ شيئًا ولا يُكمله وييأس؛ يكون تحت تأثير ذات الطفل؛ لأن الطفل لا يصبر وهو حر غير مسؤول.
مثال آخر: الشخص الذي يخاف من التحدث أمام الناس وعقله الواعي لا يجد أي مبرر لهذا الخوف، فالسبب في هذا الشعور هو بداخل ذات الطفل الخائف المرتعش الذي تعرَّض لموقف مشابه لهذا، وشعر بهذا الشعور واستقر في داخله، حتى إذا مر عليه موقف مشابه مهما بلغ من العمر، فإن الشريط المسجل يدار ويعود به إلى إحساس خوف الطفولة، من تنمر أو نقد شديد يذكِّره بالخوف الذي شعر به في طفولته.
يقول الكاتب: إن المسئولية الكبيرة تقع هنا على الوالدين أن يجعلا الأبناء ينمون اجتماعيًّا، ويتعاملون مع الآخرين بشجاعة وحرية.
ويقول الكاتب: إن الطفل غير مسؤول وحر، وحله لأمور الحياة يكون بالدفاع عن نفسه أو الهروب لراحته.
ويقول: إن كثيرًا من مشاعر الطفولة تعيق النجاح والتقدم؛ فيجب أن نراقب أنفسنا ولا نترك الزمام بيد ذات الطفل حتى لا تتضخم بداخلنا.
لكن أيضًا لا نخنق ذات الطفل بداخلنا، فنحن بحاجة إلى المرح والى أحاسيس الطفولة بوعي منا، ونحن بحاجة إلى الذات الوالدية أيضًا، فلكل منهما دوره المهم والحيوي.
لذلك يؤكد الكاتب على ما قاله في الذات الوالدية أن بعض الرسائل تكون سلبية، فيجب علينا الإدراك ببصيرة ذاتية تحليلية لنستطع أن نوقف ونسيطر ونتحرك بذات البالغ؛ لأنها الأقدر على التحليل والمواجهة واتخاذ قرارات مناسبة.
اقرأ أيضًا مجالات علم النفس بين النظرية والتطبيق
ذات البالغ
تنمو هذه الحالة في الطفل بعمر عشرة أشهر، وتستمر معنا باقي الحياة إذا لم يحدث لها شيء يعيقها.
وذات البالغ هي القدرة على التفكير الراشد والواقعي المبني على تحليل الحقائق، والربط بين الأحداث وتقدير الاحتمالات قبل اتخاذ القرار.
فكلما زادت المعلومات في موضوع معين؛ زاد اتخاذك القرار على نحو أفضل في هذا الموضوع؛ لأن ذات البالغ تتكون من التعليم والمعرفة التي نُظمت وخُزنت على شكل خبرات أشبه (بالبرمجة).
وهي لا تتعامل مع العالم الخارجي فقط بل تتعامل مع العالم الداخلي، وتدير الشخصية وتكون الحكم الجيد الذي يعمل بقوة وحزم بين ذات الطفل والذات الوالدية، وتتعرف على الجانب السلبي في الحالتين وتسقط وتعزل هذه الرسائل، وتتعرف على الجانب الإيجابي أيضًا في الحالتين فتدعمه.
وتتسم ذات البالغ بالتفكير الواضح، وأحيانًا يُصاب هذا التفكير بالتشوش، والسبب في ذلك تأثير ذات الطفل والذات الوالدية.
مثال: صاحب العمل عندما يختار عاملًا جديدًا، ويناقشه يكون هذا قرار ذات البالغ، وفجأة يرفض هذا العامل لأنه في مناقشته اكتشف أنه وُلد في منطقة محددة، وهذه المنطقة يربطها في ذهنه بمثل شعبي سمعه من كبار السن أن أهل هذه المنطقة لا يصلحون للعمل الشاق، في هذه الحالة يخرج عن التفكير الواقعي والمنطقي، ويكون تحت تأثير تحيز الذات الوالدية.
مثال آخر: قد يأتي التشويش من ذات الطفل، فأغلب الناس يترسب في خيالهم مهما بلغوا من العمر اعتقاد السحر، أي سيحدث شيء سحري، فتراه يؤجل الأعمال والقرارات في انتظار هذا الشيء.
وهذا يُطلق عليه تلوث البالغ بعاطفة وخيال الطفولة؛ لذلك ينصحنا الكاتب بفهم منطق الحالات الثلاث وأن نكون أكثر إدراكًا وبصيرة.
اقرأ أيضًا علم النفس و علاقته باختبارات تحليل الشخصية
ثانيًا: اتصالات البشر
توجد أربعة أحاسيس نشعر بها عند التحدث إلى إنسان نتعرف عليه للمرة الأولى، وهذا الإحساس نشعر به تحديدًا بعد خمس دقائق من بدء الحديث. هذه الأحاسيس هي:
الارتياح العقلي والوجداني
وهذا قمة الاتصال الفعال في العلاقات الإنسانية؛ لأنه يحدث تناغم بين الطرفين على المستوى الذهني والعاطفي في الاهتمامات والثقافات والذكاء وتنقلات حالات الذات الثلاث.
إحساس التعاطف
مثل ما يحدث عندما يحدثك شخص عن ألمه ومعاناته فيحرك لديك الذات الوالدية.
عدم إثارة الحماس للحديث وعدم الاهتمام به
مثل رجل يذهب إلى حفلة تنكرية والناس فيها يستمتعون كالأطفال ويتحدث مع صديقه عن الأعمال في الشركة.
النفور
مثل رجل يتحدث بانتقاد حاد أو إساءة.
وفي أثناء التواصل مع الآخرين تحدث ثلاثة أنواع من التبادلات:
تبادلات مكملة
مثال: عندما ترسَل رسالة من ذات البالغ، وتحصل على استجابة بالتوازي من الذات نفسها التي تحدثها، فينتج عن هذه الاستجابة الشعور بالارتياح والتناغم.
تبادلات متقاطعة
تخاطب ذاتًا فترد عليك ذات أخرى عكس ما أنت متوقع، وهذا يثير مشكلات في بعض الأحيان بين الناس.
مثال: رجل يسأل زوجته بذات البالغ ويقول أين القميص الأزرق إنه مفقود؟ فترد عليه زوجته بالذات الوالدية: اعثر عليه بنفسك، أنت تريد أن يخدمك الناس وأنت جالس.
تبادلات خفية
عندما توجد رسالة أو أكثر غير مباشرة مع الرسالة المباشرة يعني رسالة تحمل أكثر من معنى.
مثال: صديق يكسر لصديقه النظارة عن غير قصد فيقول لصديقه: هل أغضبتك؟ فيقول صديقه بوجه عابس ويضغط على أسنانه: لا عليك، لا تشغل بالك، أنا لست غاضبًا منك. هنا يرسل رسالة غير لفظية عكس الرسالة اللفظية.
اقرأ أيضًا علم النفس.. تعرف على سمات الشخصية النرجسية والشخصية المظلمة
لمسات سحرية في العلاقات الإنسانية
كل إنسان منا بحاجة إلى الاهتمام والتقدير والرعاية والإحساس بالانتماء، وبحاجة إلى الاعتراف به من الآخرين، والناس تختلف في هذا، فشخص يحب الاعتراف به أنه ذكي، وشخص آخر أنه قوي، وشخص ثالث بإنجازه الأكاديمي، وشخص رابع بموهبته وما يملك من إمكانيات، فيجب أن نعرف هذا ونُظهره في علاقاتنا مع الآخرين.
كن أنت المؤلف والمخرج
لتدير الحوار بذكاء لا تتحدث إلا إذا تعرَّفت على الذات النشطة عند المتحدث إليه. بمعنى إذا أردت أن تحصل على استجابة ناجحة من الآخرين يجب أن تتحدث معهم من ذات معينة عندك، لا تتقاطع أو تتصادم مع الذات النشطة عندهم، ثم بعد ذلك تنتقل بهم وبنفسك إلى حالة ذات البالغ.
اقرأ أيضًا علم النفس..تعريفه وأهميته
ثالثًا: مباريات سيكولوجية: افتراضات البشر عن أنفسهم والآخرين
تعبر الملامح النفسية عن الشخصية مثل ملامح الوجه تمامًا، وهذه الملامح النفسية هي المواقف والأفكار والخبرات والفلسفة والطموح والسلوك والثقافة والطباع، وعن طريق هذه الملامح نتبنى افتراضات عن ذاتنا والآخرين.
وتوجد أربعة أنواع من الافتراضات، واحد منها صحي وطبيعي والباقي مؤلم ومؤذٍ وغير سوي لنا وللآخرين، وهذه المباريات لها شكل ظاهري اجتماعي طيب بريء ظاهرها علاقات وتبادلات إنسانية، ولكن يكمن في باطنها شيء أشبه بالسم الاجتماعي. هذه الافتراضات هي:
أنا بخير والناس بخير
وهذا الافتراض الذي يجب أن نتبناه عن أنفسنا والآخرين ويكون بمنزلة شعارنا في كل يوم.
أنا بخير والناس ليست بخير
كأنه يقول ابتعد عن طريقي. صاحب هذا الافتراض لا يشعر بالسعادة؛ لأن السعادة والخير لا يتحققان إلا إذا شعرنا أننا بخير والناس بخير.
ومشكلة هذا الشخص بدأت في طفولته. الجانب الأول من إحساسه هو الاضطهاد، فهو يعتقد بوجود حرب ضده دائمًا من الآخرين والشك، ويتملك تفكيره التوقع السيئ.
والجانب الآخر هو الغرور، فهو يُسقط على الآخرين ما بداخله دائمًا ليشعر أنه بخير، وأن الناس ليست بخير.
مثال: رئيس العمل يطلب من الموظفين المساعدة في حل مشكلة، فيبدأ الموظفون بتقديم حلول منطقية وواقعية لهذه المشكلة، فيرفضها كلها واحدة تلو الأخرى، ويترك الآخرين مستنزفي الطاقة؛ ليشعرهم بالهزيمة، وأنهم عاجزون عن حل المشكلة، ويشعر هو أنه منتصر، وأنه بخير وهو وحده القادر على حل المشكلة.
وعندما يقع أحد في مشكلة يبدأ لاعب المباراة السيكولوجية بالهجوم، ويستخدم سلاح الشعور بالذنب، ويتفنن في تأنيب ضميره ليحصل على إشباع وإثبات لذاته أنه هو بخير والناس ليست بخير.
ولا يتحمل مسؤولية أخطائه، بل يرتكب الخطأ ويُسقطه على الآخرين، ويختلف معهم ليثبت لنفسه أنه هو بخير ما دام مبتعدًا عن الآخرين.
اقرأ أيضًا مفاهيم في علم الاجتماع: مسألة البنية والطريقة
أنا لست بخير وأنت بخير
تُعرف باسم الشخصية الاكتئابية، كأنه يقول أنا لا شيء إذا قارنت نفسي بك، فهو يقنط وييأس لأنه يضخِّم ما يقابله من عوائق ليخفي عجزه وقلة حيلته وتقليله من ذاته وراءها؛ ليستقطب مشاعر التعاطف والإشفاق من الناس.
أنا لست بخير وأنت لست بخير
كأنهم يقولون لا فائدة من حياة اللاعبين في هذه المباراة السيكولوجية، وكأنهم في مسابقة تنافسية على من يستحق التعاطف والإشفاق أكثر من الآخر، ومن يكون صاحب المعاناة والألم الأكبر.
مثال: شخص يقول أنا مرهق في العمل ويحكي عن المعاناة، والشخص الآخر يحكي له عن المعاناة نفسها في العمل، وكلما يتحدث طرف عن ألم ومعاناة يتحدث الطرف الآخر عن معاناة وألم أكبر.
ختامًا
قد تمر علينا مواقف ونحن على غير علم بمنطق الافتراضات، ونحن معرضون أن نخرج عن إطار الافتراض الصحي، لكننا على علم الآن أننا إن خرجنا سوف نرجع أكثر اشتياقًا إلى بيتنا الأصيل؛ لننعم بالحياة فيه.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.