قليلة هي الأعمال الإبداعية التي تستطيع تسريب خطابها الثقافي في ثنايا العمل كجزء أساسي من نسيجه، دون أن يشعر المتلقي بأي نتوء في بناء العمل، أو أية قصدية وعظية أو تنظيرية، ولعلنا ندَّعي أن رواية "كيميا" للكاتب المصري وليد علاء الدين واحدة من تلك الأعمال.
اقرأ ايضاً ملخص رواية ساعة الخطيئة وأهم أحداثها
الأعمال الإبداعية في رواية كيميا
لا تتوقف الرواية الصادرة عن دار الشروق 2018، عند انشغال المؤلف بالبحث عن قبر الفتاة "كيميا" – كما توحي بذلك تيمة الحكي الرئيسة فيها -، و(كيميا) ربيبة جلال الدين الرومي والتي تزوجها شمس الدين التبريزي.
كمعادل موضوعي للبحث عن كينونتها، وبالتالي طرح تساؤلات كثيرة عن مصير عدد لا نهائي من الفتيات اللاتي استسلمن لأقدارهن التي رُسمت حدودها بواسطة غيرهن.
تتعدى الرواية - من خلال الإعلاء من قيمة السؤال في ذاته - ذلك إلى تصدير خطاب ثقافي يرصد أشكال السلطة والنموذج الحضاري الإسلامي ونقده، وموقعه من المشروعات الحضارية التي مرت على العالم، بالإضافة إلى الإعلاء من قيمة السؤال في ذاته، دون ربطه بإيجاد إجابات.
حيث حرص وليد علاء الدين في هذه الرواية (وهي العمل الروائي الثاني له) على الاحتفاء بالمزج بين أكثر من شكل كتابي، مصدِّرًا بعض الأطروحات النقدية في ثنايا الرواية، ليتضافر الشكل والمضمون في تكوين الخطاب الثقافي الخاص الذي تبناه العمل.
اقرأ ايضاً جزء حصري من رواية "تلاوات المحو" للكاتب المصري مصطفى منير
الشخصيات الروائية
وربما سنبدأ الإضاءة من العبارة المضيئة التي يقول فيها على لسان كيميا/ طيف كيميا: "بقدمين اثنتين، وخطوات كثيرة نقطع الطريق" صـ 2000.
والتي يقطر من خلالها أهمية التساؤل كقيمة في ذاته، وتحرر السؤال من الزمن والمكان؛ كونه حقًّا مشروعًا للجميع، ولعل هذا ما اتضح من خلال رسمه للشخصيات الروائية بعناية، وما قام بتحميله إياها من تساؤلات ورؤى.
فمن خلال شخصية علاء الدين ولد (ابن جلال الدين الرومي، وحبيب كيميا، والمعادل لشخصية الراوي/ المؤلف في الزمن الماضي)، يستطيع الإضاءة على محنة أصحاب الرأي، من خلال صنع توازٍ زمني بين كل منهما.
مستلهمًا التركيبة الثقافية لزمن الرومي، والتي كانت قائمة على فكرة الاستقطاب، والتي لم تتغير إلى الآن رغم اختلاف المسميات، يقول على لسان علاء الدين ولد، والذي يتمثل طيفه له ليحدثه: "صرت أنا العمل غير الصالح لمجرد أنني حاولت إنقاذ كيميا أخت روحي من السقوط في فخاخهم.
اقرأ ايضاً جزء حصري من رواية "عن بعد ".. للكاتب أحمد فريد
أحداث من رواية كيميا
صرت أنا "ليس من أهلك" لمجرد أنني وقفت أمام بطشهم وعبثهم بحبي لها وحبها لي، صرت عدوًّا لهم ينسبونني مرة للتكية الحنبلية ومرة لملاحدة قونية ومرات يتهمونني بالجنون لمجرد أنني لم أفرط في حقي في كيميا. يلهجون بالعشق ليل نهار ويقتلون العاشق الصادق الوحيد بينهم".
إن الفضاء الذي يخلفه المعنى المطروح في المقطع السابق يمكن قراءة تجلياته في أزمنة عدة، وتصور إسقاطاته على أي زمن، وصولًا إلى زمننا هذا.
فما (أصحاب التكية الحنبلية) إلا تأسيسًا مبدئيًّا لحالة الاستقطاب والدخول في القطيع القائم على الاستقطاب الديني، وما (ملاحدة قونية) إلا تأسيسًا لتصورات ممتدة عن من كوَّنوا خصومة ما مع التراث الروحي والعقائدي للإنسان، حتى زمننا هذا.
وبطرح الضدين تتجلى أزمة علاء الدين ولد/ وليد علاء الدين في دفاعه عن حقه في تكوين موقف خاص من خلال تكوينه هو، ومن خلال معطياته هو، ليصل إلى النتائج التي يطمئن إليها أو لا يصل.
فالوصول الحتمي ليس غاية في ذاته كما هو الحال لدى كل ما هو سلفي (التكية الحنبلية)، وكذلك التهويم المقصود، والعيش من خلال سلسلة من الشك السفسطائي (ملاحدة قونية) ليس غرضًا في ذاته، وإنما الغرض هو التمسك بالحق (حق النظر/ التفكير).
وارتباط الخطاب الروائي هنا بإنتاج دلالات جديدة تشير إلى آفاق واعدة من النظر العقلي والرؤى المنهجية المعنية بفهم الواقع من خلال آليات خطابية مختلفة.
هو الذي مكَّن الرواية من إعادة طرح الأسئلة الخاصة بمدى مناسبة الهامش والمتن لما يحتويه كل منهما، فمن خلال بحث الكاتب/ الراوي.
اقرأ ايضاً رواية أرض زيكولا للكاتب عمرو عبد الحميد.. مفاجآت بدون نهاية
اختفاء كيميا
فإن كيميا (وهي التي تشغل بحكايتها الجزء الأكبر من متن الرواية) هي الوحيدة التي لم يُعثر لها على قبر من شخصيات الرواية التي عايشت الرومي، في حين كان معلومًا للجميع أماكن قبور جلال الدين الرومي وأولاده وأبرز تلامذته.
فتنتصر الرواية بذلك لكيميا على من أرادوا طمس حكايتها، كنموذج لا نهائي على عدد غير معلوم من حكايات أصحاب الهامش التي طُمست لضخ الدماء في صنع أسطورة الشاعر الصوفي الأعظم.
وقد احتفت "كيميا" في بعض أداءاتها اللغوية بما هو إشاري، مع تضفيره فيما هو حكائي، فنجد أن الرواية - وهي تتبنى فكرة التساؤل عن المحرَّم والممنوع - تحتفي بفعلي (الطرق)، و(النقر).
فالطرق والنقر هنا إنما هما طرق ونقر في جدار العقل الذي استقر فيه مجموعة من الثوابت التي باتت بمرور الوقت غير قابلة للمراجعة وإعادة القراءة، لتتخذ من أزمة الفتاة الصغيرة كيميا طريقًا ممهدًا لطرح تلك الأسئلة المهجورة.
حيث تراها زوجة شمس الدين الرومي إلهاءً مناسبًا لشمس الدين التبريزي الذي استولى على كل وجدان زوجها وجل وقته وفكره، وشغله عما سواه، فتوحي إليه بالزواج منها، بعد أن قرأت في عينيه الرغبة في ذلك.
سجَّل فعل (الطَّرْق) في الرواية ثلاثة عشر حضورًا، ارتبطت كلها بفعل التفكير، تبدأ بنمط غير مباشر "طرقاتٌ على باب الغرفة؛ كنتُ نسيت أمر عامل الصيانة. بدا لي الآن أن الغرفة ليست باردة... لعلها أقرب إلى السخونة!".
اقرأ ايضاً ملخص رواية " الجانب المظلم من الحب" لرفيق شامي.. أحداثها وشخصياتها
بعض أحداث الرواية
الرواية صـ 10، وتنتهي بارتباطها بالفكرة في نمط إشاري مثل "إن لم تكن على علم بالمكان؛ فسوف تحتار طويلًا في تفسير أصوات تلك الطرقات المكتومة التي تنطلق من كل الاتجاهات، كأنما هي نابعة من داخلك؛ تتتابع في إيقاع مدهش لا تستطيع معه تصديق أن صناع الشواهد هؤلاء لا يتبعون نوتة موسيقية واحدة.....".
الرواية صـ 186، وصولاً إلى ارتباط الفعل بفكرة التساؤل عن مصير كيميا في أحد تجلياته (التساؤل عن مكان قبرها) بنمط مباشر، مثل "المكان الذي أقف بداخله.
لو كان ضريحًا كبقية الأضرحة التي زرتها خلال جولتي السابقة... فلماذا أغلقوا بابه؟ طرق السؤال ذهني فاقشعرت له أطراف جسدي". الرواية صـ 212.
كذلك يتعدى خطاب الرواية إلى التساؤل عن مدى إمكانية نقد نماذج الإسلام الحضارية، حيث تسجل الرواية انحيازًا لمنجز الشام الحضاري، من خلال الإشارة الرهيفة التي تجلت في المقارنة بين نوعين من شجر العاج بشكليه السعودي والشامي.
يقول "على الطريق يتكرر وجود شجر العاج، سعودي عاجي، وشامي عاجي - كما قال السائق مفرقًا بين نوعين أحدهما يحتفظ بكامل خضرته، بينما الآخر شجراته جرداء وجافة" الرواية صـ 117.
ثم يعود ليوضح القصد مرة أخرى بشكل أكثر تفصيلًا، حيث يصف في موطن آخر شجر العاج الشامي بأنه "جذع رشيق فاتح اللون ينطلق من الأرض بانسيابية، ثم ينفرج إلى غصنين اثنين لا أكثر؛ أحدهما إلى اليمين والآخر إلى اليسار.
الخطاب الروائي بين السعودي والتركي
كأنهما ذراعا إنسان مبتهج يهلل معبرًا عن فرحه، أو عابد يبتهل بشوق إلى إلهه. أو كأنهما ذراعا راقص مولوية منهمك"، ثم يصف شجرة العاج السعودي بأنها "بالفعل مختلفة. ليست هي. حتى إنَّ السائق نفسه قال إنه لا يعرف لها اسمًا. إنها: "بس عاجي"، يعني مجرد أشجار". الرواية صـ 121.
وكذلك يتساءل هذا الخطاب الروائي الحيوي عن النموذجين السعودي (الوهابي الجامد) بتصوراته الفقيرة، والتركي (العثماني العسكري) الذي تعامل مع فكرة الدين ببرجماتية شديدة، وتفكيك بعض مفرداتهما كمحاولتين لتجسيد صورة موقع المشروع الإسلامي بين المشروعات الحضارية العالمية والاعتراض على التنميط والنمذجة، يقول "قصة اللون الأخضر تحتاج إلى دراسة. لا بد أن العثمانيين ابتكروها.
كما ابتكروا رمز الهلال، ثم أضافوا إليه النجمة بعد ذلك. الأتراك، ركبوا ظهر الإسلام وغزوا العالم باسم الخلافة، ولم يتنازلوا عن لغتهم ولو لصالح لغة القرآن، ولم يرتدوا الجلابيب القصيرة أو يحملوا السواك". الرواية صـ 73.
آليات الكتابة المختلفة
وكذلك وقوف الرواية موقفًا واضحًا من التشويه الذي لحق بكنيسة آيا صوفيا، كمنجز حضاري جمالي بالأساس.
"كنيسة آيا صوفيا نموذجًا"، بدءًا من تحويلها على يد محمد الفاتح إلى مسجد، واستقرارها في وعي العوام من الأتراك بأنها مسجد آيا صوفيا، حتى تحويلها إلى متحف عام 1935، مرورًا بقصة بنائها الأصلية ككنيسة والمجهود المعماري الجبار الذي بُذل فيها (بتصرف من صـ 26).
ولعل آليات الكتابة التي ارتضتها الرواية من حيث الاشتباك مع آليات كتابة مختلفة (أدب رحلة - رواية تاريخية - رواية نفسية - رواية وقائعية - رواية فانتازية)، والوقوف على الحافة من كل شكل من هذه الأشكال الكتابية.
حتى إن الرواية وصلت من الجرأة إلى طرح بعض الأطروحات النقدية! فالقلق الدائم المولِّد للتساؤلات هو الأيقونة في خطاب الرواية النفسي والفكري، وهو ما يفسر وجود هذه الأطروحات.
تطرح الرواية أفكارًا نقدية عدة، مثل الاعتبار بالتناول الفني لا بالمعنى الأولي، وذلك من خلال إشارته في صفحات الرواية الأولى إلى رواية "بنت مولانا" في الصفحات الأولى "بدأت أنتبه؛ سقطت في النوم أمس خلال انهماكي في قراءة رواية "بنت مولانا".
أذكر تمامًا مرارة الغصة التي انتابتني وأنا أتابع رحيل "كيميا"، رغم أنها المرة الثالثة التي أقرأ فيها هذا النَّص المرهف". الرواية صـ 9.
رأى جلال الدين الرومي
وكذلك رأيه في منجز جلال الدين الرومي الشاعر، والذي تكوَّن بالطبع عبر استقرائه لشعره، والذي سجله في عدة مواضع، كان أبرزها في صفحتي (160 و 161) وهو رأي موضوعي إلى حد بعيد خالٍ من المبالغة في قيمة إرث الرجل أو المبالغة في إجحافه.
والانشغال بأسئلة الزمان والمكان، من حيث كونه انشغالًا فلسفيًّا بالأساس يطرح مرة أخرى مدى مناسبة المكونات الفكرية لزمن ولمكان معينين لزماننا ومكاننا نحن، وصلاحية طرح الأسئلة ذاتها حول إعمال العقل، باعتبار أن التاريخ لا يختلف كثيرًا عن حكاية اليوم، بل يتوقف دوره عند الاستعداد لروايتها فيما بعد.
فنجده يقول "منشغلًا عن الرومي ومتحفه، اندمجت في مراقبة الناس. أدركت أن المكان أبدًا ليس مكانًا واحدًا، إنه أمكنة تتعدد وتختلف بتعددنا، واختلافنا"، وكذلك يمكننا أن نقرأ "كانت الأسماء تتداعى إلى ذهني، كلهم كانوا أجسادًا.
عاشت هنا ذات يوم، ربما وقف أحدهم مكاني هنا قبل ثمانمائة سنة... أكثر... أقل! لا يهم الزمن؛ المكان يختزل الأزمنة ولا ينفيها، وإلا فكيف نستحضرها؟".
تصويرات الرواية عن المكان والزمان
وكذلك تسير أطروحات الرواية وتصوراتها عن المكان والزمان والتي وردت في صفحات (34، 35، 55، 55، 57، 117..........).
وكذلك تصوراته عن فكرة الزمان (صفحات 35، 55، 112، 133، 163، 165، 215، 220) وهي غير منفصلة في بعض أحوالها عن تصورات الرواية عن المكان.
لكن رغم انشغال الرواية بناتج معرفي قائم على بحث بل جهد كبير، ورغم احتفائها بإشارية اللغة، إلا إنها وقعت في بعض التفصيل الذي مثَّل عبئًا على المساحة السردية للنص، ومن ذلك وصف الأشجار السعودية والشامية، وتوزيع الإشارات لتركيا في أزمنتها المختلفة، بما لم يضف جديدًا في بعض الأحوال.
لكنه في النهاية اختيار الكاتب الذي ربما اختار الوصول إلى كم كبير من القراء لتوصيل هذا المنتج السردي المفعم بجماليات قلقة، على غير الحال في عمله الأول "ابن القبطية" والذي انحاز فيه إلى التكثيف والتجريب دون حسابات أخرى.
نهاية الرواية
في النهاية، تبقى رواية "كيميا" - في ظني - الرواية التي حققت هذه المعادلة من تحقيق انتشار واسع، دون التنازل عن روح تجريبية مغامرة اعتمدت مزج أكثر من شكل كتابي.
وحملت على عاتقها تصدير نتائج بحث معرفي ضخم يُعنى بتقديم نظرة أخرى للمتصوفة، وقضايا المرأة منذ القديم، وموقع الإسلام من الحضارة العالمية، من خلال إطار رؤيوي يتسع لذلك كله تحت عنوان رئيس وهو (الإعلاء من قيمة السؤال).
ويبقى وليد علاء الدين مُصرًّا على اختياره السير في طريق التجريب الوعر، متحسسًا علاماته بوعي كبير عملًا بعد عمل، بعد روايته الأولى (ابن القبطية) والتي تفاعل فيها مع آليات كتابة مسرحية، إضافة إلى الاعتناء بالرسم واللون والحركة والرقص.
وكذلك تضمين نصوص شعرية، وتقطير التجربة في النهاية كلها فيما يشبه أبيجرامات خاطفة باذخة في دلالتها في نهاية الرواية، وارتباط ذلك كله بخطاب الرواية الثقافي الرئيس (البحث في هوية مصر).
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.