تعد المسرحية الكوميدية الكلاسيكية طرطوف (Tartuffe) واحدة من أعظم ما جادت به قريحة المسرحي الفرنسي موليير؛ إذ لم تكن مجرد نص ترفيهي، بل كانت مشرط جراح غاص عميقًا في جسد المجتمع البشري ليكشف عورات الادعاء والزيف الأخلاقي. من خلال شخصيات مرسومة بدقة متناهية، يسلط موليير الضوء على الجهل العاطفي والثقة العمياء، وكيف يفتحا الأبواب أمام الانتهازيين لتهديد استقرار الأسر وهدم الكيان الاجتماعي من الداخل.
البعد النقدي والاجتماعي في المسرحية
تعد مسرحية طرطوف أو المحتال واحدة من روائع وملاحم الكاتب الكوميدي الفرنسي موليير، ويوجه موليير فيها نقدًا لاذعًا وقاسيًا لظاهرة النفاق الديني والاجتماعي واستغلال المشاعر الروحية والمقدسة لتحقيق مصالح مادية وشخصية دنيئة.
وتدور أحداثها حول شخصية طرطوف، وهو رجل أفَّاق ومحتال يتظاهر بالتقوى الشديدة والزهد والورع والتبتل لينال ثقة رجل ثري وساذج وطيب القلب يدعى أورغون، ويتمكن موليير في هذا النص من كشف زيف التدين المفتعل وتأثيره المدمر على استقرار الأسرة وتماسكها، وفيما يلي سرد تفصيلي دقيق ومطول جدًا لكافة الأحداث والمواجهات والمؤامرات الدرامية التي دارت عبر فصول المسرحية.

الفصل الأول: الانقسام العائلي ودفاع الجدة المستميت
يبدأ العرض داخل منزل أورغون الثري بجدال حاد وعنيف تقوده الجدة السيدة برينيل، وهي والدة أورغون، وتبدأ بتوبيخ جميع أفراد العائلة من أبناء وزوجة وخادمة، وتتهمهم بالفساد والطيش والتبذير والبعد عن الفضيلة؛ لأنهم يرفضون الانصياع لأوامر طرطوف، وتدافع الجدة بحماس شديد وعناد أعمى عن طرطوف، وتصفه بالرجل القديس والورع الذي جاء لينقذ العائلة من الهلاك.
في حين تحاول الخادمة الذكية دورين والابن داميس إقناعها بأنه مجرد منافق وكذاب يستغل سذاجة ابنها أورغون للسيطرة على المنزل، وتغادر الجدة المنزل غاضبة وهي متمسكة برأيها الأعمى، وتضرب الأرض بعصاها دون الاستماع إلى صوت العقل والمنطق الذي يحاول الجميع إيصاله إليها.
الفصل الثاني: عودة أورغون والسيطرة النفسية المطلقة
يعود رب البيت أورغون من السفر ويلتقي بأخ زوجته كليانت، ويبدأ الحوار بينهما ليظهر مدى غسيل الدماغ والسيطرة النفسية الكاملة التي فرضها طرطوف عليه، ويسأل كليانت أورغون عن أحوال بيته وزوجته إلمير، التي أصيبت بوعكة صحية شديدة وحمى في غيابه، ولكن أورغون يتجاهل أخبار مرض زوجته تمامًا، ويكرر بغباء شديد وبلادة عبارته الشهيرة متسائلًا عن أحوال طرطوف.
وتتدخل الخادمة دورين لتخبره بسخرية أن طرطوف كان في أفضل حال، ويأكل بنهم شديد ويشرب النبيذ الثقيل وينام بعمق، في حين كانت زوجته تعاني الآلام، ويبدأ أورغون بالدفاع عن طرطوف، ويروي للجميع كيف التقى به في الكنيسة وهو يصلي ويبكي خشوعًا ويقدم الصدقات للفقراء، الأمر الذي جعله يستضيفه في بيته ويمنحه سلطة مطلقة لإدارة شؤون العائلة وتوجيه سلوكهم الأخلاقي واليومي.
قرار الزواج الصادم وتدخل الخادمة دورين
يستدعي أورغون ابنته الكبرى ماريان ويفجر في وجهها مفاجأة صادمة وعنيفة، ويعلن لها أنه قرر إلغاء خطبتها من حبيبها الشاب فالير، ويخبرها صراحة أنه قرر تزويجها من طرطوف لكي يضمن بقاء هذا الرجل الصالح في العائلة ويبارك بيته ويحمي ثروته، وتصاب ماريان بصدمة نفسية كبيرة، وتخضع لقرار والدها بصمت مطبق بسبب خوفها الشديد من سلطته الأبوية القاسية.
وعقب ذلك، تتدخل الخادمة الشجاعة دورين بقوة، وتوبخ أورغون على هذا القرار الأناني والغبي، وتحذره من أن إجبار فتاة على زواج لا تريده من رجل منافق ومقزز سيجلب العار والخراب والخيانة على العائلة بأكملها، ويدخل أورغون في مشادة كلامية كوميدية وطويلة مع دورين، التي تقاطعه في كل مرة يحاول فيها إقناع ابنته بالزواج، ويحاول ضربها فتهرب منه بذكاء.
خطة تأجيل الكارثة والتحالف الأسري
تختلي دورين بماريان بعد خروج الأب، وتعاتبها على ضعفها وصمتها أمام والدها، وتحثها على المقاومة والدفاع عن حبها لفالير، ويدخل الخطيب فالير إلى الغرفة بعد سماعه الأخبار الصادمة، ويبدأ عتاب حاد بين العاشقين بسبب سوء الفهم وتظاهر كل منهما بالبرود والكبرياء، حتى تتدخل دورين مجددًا وتصلح بينهما بذكاء، وتضع الخادمة خطة ذكية تعتمد على المماطلة وتأجيل كتابة عقد الزواج بشتى الأعذار الطبية والاجتماعية، في حين تعمل العائلة على جمع الأدلة الدامغة لكشف حقيقة طرطوف أمام أورغون وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح.
الفصل الثالث: سقوط القناع وإغواء الزوجة إلمير
يظهر طرطوف لأول مرة على خشبة المسرح وهو يوجه أوامر مضحكة وخيالية لخادمه لكي يظهر بمظهر الزاهد المتقشف أمام أهل البيت، ويطلب منه إخفاء السوط، قائلًا إن رؤية الأشياء الدنيوية تفسد الروح.
ويلتقي طرطوف بزوجة أورغون الجميلة إلمير بعد أن رتبت دورين هذا اللقاء ليطلب منها التوسط لإقناع أورغون بالعدول عن تزويجه من الابنة ماريان، وفي هذا اللقاء ينكشف قناع طرطوف تمامًا، فيسقط في فخ شهوته الحيوانية، ويبدأ بمغازلة إلمير بكلمات غرامية جريئة، ويعترف لها بحبه الشديد لجسدها وجمالها، ويبرر نفاقه بأن عشق الجمال الأرضي يقود إلى عشق الجمال الإلهي، ويعدها بكتمان السر التام والكامل إذا وافقت على مبادلته الحب سرًا، وترفض إلمير تهديداته وكلماته بذكاء وتعالٍ، وتقرر استغلال الموقف لتهديده بإخبار زوجها إذا لم يتراجع فورًا عن فكرة الزواج من ابنتها ماريان ويترك الأسرة لشأنها.
المواجهة العائلية وتعمق غباء أورغون
يكون الابن داميس مختبئًا في خزانة الغرفة القريبة ويستمع إلى كل تفاصيل المغازلة الخائنة والكلمات الفاحشة، فيخرج غاضبًا ويقرر فضح طرطوف فورًا أمام والده أورغون، ويدخل أورغون، فيبادر داميس بإخباره بخيانة طرطوف ومحاولته الدنيئة لإغواء زوجته في عقر داره، وعندها لا ينكر طرطوف التهمة، بل يسقط على ركبتيه ويبكي ويتهم نفسه بالخطيئة والضعف والفساد، ويطلب من أورغون طرده ومعاقبته لكي يظهر بمظهر المظلوم.
وينطلي هذا التمثيل الخبيث والمتقن على أورغون تمامًا، ويتحول غضبه إلى ابنه داميس، ويتهمه بالافتراء والحقد والكذب على الرجل الصالح، ويطرد أورغون ابنه من المنزل ويحرمه من الميراث بالكامل، بل ويقرر معاندة الجميع بكتابة هبة رسمية وتنازل قانوني يتنازل فيه عن كل أملاكه ومنزله وثروته لطرطوف في الحال.
محاولة كليانت العقيمة وانسداد الطرق
يحاول كليانت الحكيم التحدث مع طرطوف بهدوء، ويطالبه بالتدخل لإصلاح العلاقات العائلية بين أورغون وابنه داميس وإعادة الميراث والمنزل إلى صاحبه الشرعي تماشيًا مع قواعد الدين والرحمة والأخلاق، ولكن طرطوف يتهرب بوقاحة، مدعيًا أن مصلحة الكنيسة والدين تقتضي بقاء هذه الأموال في يد رجل صالح مثله حتى لا تُستخدَم في الشرور والمعاصي، ويغادر طرطوف المتغطرس، لتبدأ العائلة في وضع الخطة الأخيرة والنهائية والخطيرة لكشف الحقيقة أمام أورغون قبل ضياع كل شيء وحلول الكارثة.

الفصل الرابع: خطة الطاولة الخشبية وكشف المستور
تقنع إلمير زوجها أورغون بالدخول في تجربة عملية حية لإثبات حقيقة طرطوف، وتطلب منه الاختباء تحت طاولة خشبية كبيرة في الصالة الرئيسية والاستماع إلى الحوار الذي سيدور بينها وبين المحتال، ويدخل طرطوف، وتبدأ إلمير بالتظاهر بأنها نادمة على صدِّها إياه، وتعلن موافقتها الكاملة على تبادل الحب معه والوقوع في أسر عشقه.
يطلب طرطوف دليلًا ماديًا صريحًا على هذا الحب، ويرفض الاكتفاء بالكلام، بل ويبدأ بالسخرية من أورغون، واصفًا إياه بالرجل المغفل والأحمق والبليد الذي يمكن قيادته من أنفه بسهولة، وعندما يبلغ الفجور بطرطوف مداه ويقترب من زوجة أورغون لينال مراده، ينتفض أورغون من تحت الطاولة وهو في حالة ذهول وصدمة كاملة، ويصرخ في وجه طرطوف ويأمره بمغادرة المنزل فورًا بعد أن انكشفت حقيقته القذرة.
الصدمة الكبرى والتهديد بنزع الملكية والسجن
يضحك طرطوف بسخرية ووقاحة شديدتين، ويفجر المفاجأة المرعبة والقاتلة للجميع، إذ يخبر أورغون أنه هو من يجب عليه مغادرة المنزل؛ لأن أوراق الهبة الرسمية قد كُتبت وقُيِّدت، وأصبح البيت ملكًا قانونيًا لطرطوف، ويضيف طرطوف، مهددًا بقسوة، أنه يملك أيضًا صندوقًا سريًا يحتوي على وثائق سياسية خطيرة تخص صديقًا لأورغون متهمًا بخيانة الملك، كان أورغون قد أخفاها لديه في غسق الليل، ويغادر طرطوف المنزل متوجهًا بسرعة إلى السلطات لتقديم بلاغ رسمي ضد أورغون ليسجنه ويستولي على كل ما يملك ويشرد عائلته في الشوارع.
الفصل الخامس: حصار المحضر القضائي والهروب الوشيك
يجتمع أورغون وعائلته وهم في حالة من اليأس والهلع الشديد، ويصل المحضر القضائي السيد لويال ومعه جنود الحراسة، ويأمر العائلة بإخلاء المنزل فورًا وعلى وجه السرعة تنفيذًا لعقد الملكية الجديد لصالح طرطوف، ويصل الخطيب فالير المخلص ويعلن بصوت مرتفع أنه أحضر عربة هروب سريعة؛ لأن أوامر القبض على أورغون قد صدرت من المحكمة العليا بتهمة الخيانة السياسية بناءً على الوثائق التي قدمها المحتال للسلطات.
ذروة المسرحية والحل الملكي غير المتوقع
تصل المفاجأة الكبرى والحل الدرامي الصادم عندما يدخل طرطوف بنفسه ومعه ضابط ملكي كبير وقوة من الجيش للقبض على أورغون وطرد العائلة أمام الجيران، ولكن الضابط الملكي يلتفت فجأة ويأمر الجنود بالقبض على طرطوف وتكبيله بالحديد وسط ذهول وفزع المحتال، ويشرح الضابط لعائلة أورغون المذهولة أن الملك العادل والذكي قد كشف حقيقة طرطوف فور رؤيته للبلاغ، إذ تبين أن طرطوف هو مجرم عتيد ومحتال هارب مطارد من العدالة بأسماء مستعارة عديدة في أرجاء فرنسا.
ويعلن الضابط أن الملك قد أمر بإلغاء عقد الهبة وتبرئة أورغون من تهمة الخيانة تقديرًا لخدماته السابقة للدولة وولائه، وتنتهي المسرحية بفرحة عارمة ولَمِّ الشمل وموافقة أورغون الفورية على زواج ابنته ماريان من حبيبها المخلص فالير، وسط ابتهاج الحاضرين وزوال الغمة.
خلاصة العبر الدرامية للمسرحية
تختتم مسرحية طرطوف أحداثها بنهاية سعيدة وعادلة ترفع من شأن الحقيقة وتكشف زيف الادعاء والنفاق الديني والاجتماعي الذي يهدد استقرار الأسر، ويتمكن موليير من خلال هذا البناء الدرامي القوي والمطول من إيصال رسالة واضحة توضح أن التدين الحقيقي هو التزام أخلاقي وإنساني، وليس مجرد مظاهر خارجية تستخدم لابتزاز البسطاء والأغنياء.
وتتحقق العدالة الكاملة بتدخل سلطة القانون والملك العاقل لحماية المجتمع من شرور المحتالين والأفَّاقين، ليعود الاستقرار إلى الأسرة المظلومة، وتتحقق بهجة العاشقين مع نزول الستار وسط تصفيق الجمهور.
ولا تزال مسرحية طرطوف حية وتُعرض على مسارح العالم حتى يومنا هذا؛ والسبب في ذلك أن شخصية طرطوف ليست مجرد شخصية تاريخية فرنسية من القرن السابع عشر، بل هي نمط بشري عابر للعصور والأزمنة. لقد نجح موليير في تقديم درس بليغ مفاده أن الوعي والتحليل العقلاني هما الحصن المنيع الوحيد لحماية الفرد والمجتمع من الوقوع في شباك الخداع والمظاهر الزائفة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.