تكشف سيرة ماري كوري أن إنجازاتها العلمية لم تكن نتيجة موهبة استثنائية فقط، بل ثمرة سنوات طويلة من الكفاح والدراسة والعمل في بيئة استبعدت النساء من المجال العلمي. ويبرز الكتاب كيف قادها هذا الإصرار إلى أن تصبح أول امرأة تفوز بجائزة نوبل، وأول شخص يحصل على جائزتي نوبل في مجالين علميين مختلفين، رغم ما دفعته من أثمان شخصية وإنسانية على طول الطريق.
يُعد كتاب (هوس العبقرية.. الحياة السرية لماري كوري) من أشهر كتب السيرة الذاتية، ورغم أن الكتاب هو نتيجة عمل شاق للكاتبة باربرا جولد سميث، فإنه يقوم على مسيرة العالمة الكبيرة ماري كوري التي اكتشفت الراديوم، وحصلت على جائزة نوبل، بالإضافة إلى عرض أدبي وممتع لإحدى أهم الفترات التاريخية فيما يخص العلوم الحديثة.
ونرى من خلال الأحداث المجتمع العلمي في أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، والاكتشافات الكبيرة التي حدثت في ذلك الوقت، بالإضافة إلى كثير من الأسرار التي تخص حياة العالمة الكبيرة ماري كوري.
في هذا المقال نقدم لك قراءة سريعة ومبسطة لكتاب (هوس العبقرية.. الحياة السرية لماري كوري) فتابع معنا القراءة.
من هي الكاتبة باربرا جولد سميث؟
باربرا جولد سميث مؤلفة شهيرة، ومؤرخة كبيرة، ولها كثير من الإبداعات والأعمال الفنية الرائعة. فهي تشتهر على مستوى الكتابة الروائية، ولها كثير من الأعمال التي دخلت ضمن قائمة الأكثر مبيعًا في أسواق النشر الأمريكية.
ولعل أبرز أعمالها رواية (رجل القش)، ورواية (غلوريا الصغيرة)، ورواية (جونسون ضد جونسون)، وحصلت باربرا جولد سميث على 4 درجات دكتوراة، بالإضافة إلى حصولها على جائزة إيمي مرتين، واستطاعت أن تقتنص لقب أفضل كتاب في العام من بوسطن غلوب.
عملت باربرا جولد سميث صحفية وكاتبة لعدة جرائد مشهورة، مثل نيويورك تايمز، ونيويوركر، وفانيتي فير. وكانت حياتها مليئة بالإنجازات التي تعبر عن شخصية مبدعة ومتفانية في عملها. فعلى سبيل المثال حصلت على جائزة أكاديمية الفن عن مجمل أعمالها، وحصلت أيضًا على الجائزة الوطنية الأمريكية للكتاب، وجائزة اتحاد الناشرين الأمريكيين، وانتُخبت لعضوية الأكاديمية الأمريكية للعلوم.
أما الكتاب الذي نتناوله بالقراءة فهو أحد أشهر أعمال الكاتبة باربرا جولد سميث، وحصلت من خلاله على جائزة المعهد الأمريكي للفيزياء؛ تكريمًا لها على الجهود التي قامت بها من أجل الخروج بهذا العمل الرائع الذي يتناول حياة العالمة الكبيرة ماري كوري.

كتاب هوس العبقرية ماري كوري
نُشر الكتاب لأول مرة في عام 2005 باللغة الإنجليزية، ثم تُرجم إلى أكثر من 21 لغة على مستوى العالم. يقدم الكتاب نظرة عميقة في حياة العالمة ماري كوري، ويتتبع رحلتها الطويلة من بلدها بولندا إلى فرنسا، وكيف تحولت الطالبة المجهولة إلى عالمة كبيرة، ويركز الكتاب أيضًا على مجموعة من الجوانب النفسية التي تمتعت بها ماري كوري، واستطاعت من خلالها مواجهة التحديات في مجال يسيطر عليه الرجال.
عن ماذا يتحدث كتاب هوس العبقرية؟
تركز الكاتبة باربرا جولد سميث في كتاب (هوس العبقرية) على مجموعة من الجوانب الخفية والشخصية في حياة ماري كوري، خاصة مرحلة ما بعد وفاة زوجها، التي تعد من أصعب فترات حياتها وأكثرها التباسًا على المتابعين لها، وهو ما يُكسب الكتاب بُعدًا جديدًا، بخلاف الحديث المعرفي والمعلوماتي عن العالمة وإنجازاتها العلمية، ويوضح الثمن الذي دفعته ماري كوري لتصل إلى هذه المكانة الكبيرة.
من ناحية أخرى فإن الكتاب يُعد فرصة لدراسة الظروف الاقتصادية والاجتماعية والتربوية التي ساعدت على نشأة عالمة كبيرة، وكيف أن الأحلام والطموحات يمكن أن تتحقق مهما كانت الأوضاع والظروف، بالإضافة إلى إتاحة الفرصة للتعامل مع العلماء والشخصيات المشهورة باعتبارها تجارب إنسانية بعيدًا عن القوانين والمعادلات الجافة.
وذلك من خلال السيرة الذاتية لفتاة صغيرة تشبه أي فتاة في أي مجتمع، إلا إنها استطاعت أن تصبح أول امرأة تحصل على درجة فيزيائية من جامعة السوربون، قبل أن تحصل على جائزة نوبل وتخلِّد اسمها بين أشهر علماء التاريخ.
ملخص كتاب (هوس العبقرية.. الحياة السرية لماري كوري)
يبدأ كتاب هوس العبقرية بمشهد مهيب، حيث يتم نقل جثمان ماري كوري وزوجها بيير كوري إلى مقبرة العظماء، في حدث ضخم يحضره الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتيران، وفي حادثة هي الأولى التي يتم فيها دفن امرأة في مقبرة العظماء.
هذه المرأة هي الأسطورة ماري كوري التي حصلت على جائزة نوبل في الفيزياء بالاشتراك مع زوجها بعد اكتشافها عنصر الراديوم، قبل أن تحصل بعد ذلك على جائزة نوبل في الكيمياء بعد أن استطاعت تحضير عنصر الراديوم كيميائيًا. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، فقد حصلت ابنتها بعد ذلك على جائزة نوبل في الكيمياء أيضًا بعد أن استطاعت تحضير عنصر الراديوم صناعيًا. وخلف الصورة تكمن كثير من التفاصيل والأسرار والسنوات الصعبة التي نبدأ في التعرف عليها من خلال حياة ماري كوري.
يحكي الكتاب عن (ماريا سكلادوفسكا كوري) التي يُطلق عليها مانيا، وهي أخت صغرى لثلاثة أطفال ينتمون إلى أسرة بولندية تعيش حياة الفقر. ورغم أن الوالد كان محبًا للعلوم ويعمل في مجال الفيزياء، فإن الظروف الاجتماعية والاقتصادية كانت صعبة جدًا.
وُلدت الفتاة عام 1867 في العام نفسه الذي صدر فيه كتاب (رأس المال) لكارل ماركس، وفي العام نفسه سجَّل ألفريد نوبل اختراع الديناميت، وهو الوقت الذي شهد الاحتلال الروسي لبولندا، ما أدى إلى سيطرة روسيا على المدارس البولندية، وإجبارهم على تعلم اللغة الروسية وتدريس التاريخ الروسي، واستخدام العملة الروسية.
ورغم هذه الظروف استطاع الأب الفيزيائي البارع أن يزرع في أبنائه حب العلم والثقافة؛ وهو ما جعل ماري كوري تتقن ثلاث لغات وهي في الثامنة عشرة من عمرها، وتقرأ في الفيزياء والرياضيات والطب، وكأنها تقاوم الظروف الصعبة بمزيد من العلم والثقافة.
يرصد كتاب هوس العبقرية رحلة ماري كوري الصعبة، وكيف استطاعت أن تحفر لنفسها طريقًا في مجتمع الرجال، حيث لم يكن للنساء أي دور يُذكر سوى تربية الأبناء وإدارة المنزل.
ويتحدث الكتاب عن هوس ماري كوري بالعلم، بالإضافة إلى هوسها بأن تكون سيدة ناجحة ومميزة، وبالتالي تحصد في طريقها كل الألقاب والجوائز، وتحطم الأرقام القياسية والتقاليد والمنطق القديم لتكون أول سيدة في التاريخ تحصل على درجة علمية في الفيزياء والرياضيات من جامعة السوربون.
وبعد ذلك تصبح أول سيدة تحصل على الأستاذية، قبل أن تفجر المفاجأة الكبرى بحصولها على جائزة نوبل وتكون أول سيدة تنال هذا الشرف، ثم تحصل على جائزة نوبل مرة أخرى لتتخطى كل الحدود الممكنة، وتصبح أول سيدة في التاريخ تحصل على جائزتين من جوائز نوبل في فرعين مختلفين، فقد حصلت على جائزة في الفيزياء وأخرى في الكيمياء.
يتناول الكتاب رحلة ماري كوري الدراسية وتفوقها الدراسي منذ صغرها، وحصولها على الميدالية الذهبية عام 1883 لأفضل طالبة في العام؛ وهو ما مكَّنها من دخول إحدى المدارس العليا رغم الرقابة الروسية الشديدة.
وكانت ماري كوري أصغر من أقرانها دائمًا في الفصل، إلا إنها كانت الأبرز والأنجح، ولأن الطريق لم يكن ممهدًا للوصول إلى هذا النجاح فقد اضطرت ماري كوري للعمل لمدة 8 سنوات من أجل جمع الأموال للدراسة في السوربون.
في فرنسا قابلت ماري كوري زوجها وحبيبها المستقبلي بيير كوري الذي كان شريكها في الحياة والدراسة والتجارب العلمية، وهو من درَّبها على أجهزة القياس الدقيقة، وعرَّفها على المجال المغناطيسي، وساعدها كثيرًا على تحديد مجالات البحث الخاصة بها؛ وهذا ما جعل عمل ماري كوري وبيير كوري يدفعهما للتقدم ولمزيد من الاكتشافات.

فقد كانا يتصدران دائمًا الترشيح لجوائز نوبل. إلا إن مناخ الجائزة كان دائمًا يرفض ترشيح النساء، وعندما قرروا منح الجائزة لبيير كوري رفض الرجل أن يحصل على الجائزة وحده؛ وهو ما دفع الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم إلى الموافقة على منح جائزة نوبل للزوجين كوري مناصفة في الفيزياء عام 1903.
وعندما ألقى بيير كوري خطاب الجائزة نسب الفضل كله لزوجته ماري كوري التي وصلت شهرتها إلى كل مكان في العالم، وطبعت صورتها على طوابع البريد وعلى العملات في فرنسا، بالإضافة إلى إطلاق اسمها على الشوارع والميادين، وأُطلق اسمها أيضًا على أحد أنواع السيارات؛ نظرًا لأن مجال النشاط الإشعاعي والراديوم صار أكثر شهرة من الكهرباء في معارض العلوم والمنتجات الحديثة.
تمر بنا رحلة ماري كوري إلى إحدى أصعب المحطات التي مرَّت بها العالمة الكبيرة -وهي وفاة زوجها- فقد بدأت في الانعزال والاكتئاب، وبدأت تنغمس في العمل بشكل محموم، وربما كان هذا الأمر هو ما أدى في النهاية إلى حصولها على جائزة نوبل في الكيمياء. إلا إن تلك الفترة قادت ماري كوري إلى قصة حب جديدة مع مساعد زوجها (بول لانغفين)، وهي الفترة التي شهدت كثيرًا من الضغوط والفضائح في حياة ماري كوري عندما نشرت الصحافة عن علاقتها السرية.
فقد كانت الظروف السياسية تحمل كثيرًا من التعصب ضد الأجانب؛ نظرًا لهزيمة فرنسا من روسيا في الحرب. وتحدثت الصحافة عن علاقتها بذلك الرجل المتزوج، وكيف أضرَّت هذه العلاقة بزواجه، واتهمتها بكثير من الاتهامات التي أدخلت ماري كوري في حالة نفسية سيئة.
ويضم الكتاب كثيرًا من التفاصيل والأسرار والحكايات التي تخص قصة الحب بين ماري كوري وبول لانجفين، ويتحدث عن دور ماري كوري وابنتيها في أحداث الحرب العالمية الأولى، وكيف استخدمت ماري كوري الأشعة السينية في عمليات الكشف على الجنود من أجل إخراج طلقات الرصاص من أجسادهم، وهو الأمر الذي جسَّد إخلاص ماري كوري في خدمة المجتمع رغم الظروف النفسية السيئة التي تعيشها.
هل تمنحنا العبقرية خلودًا عادلًا؟
وفي نهاية الكتاب الذي يتضمن 21 فصلًا تمثِّل حياة العالمة الكبيرة ماري كوري، يصل بنا الحديث إلى وفاة ماري كوري وابنتها أيرين كوري وزوج ابنتها فريدريك وكثير من العاملين معها في مجال النشاط الإشعاعي بسبب انتشار الراديوم، ويوضح لنا الكتاب أنهم كانوا يعرفون أخطار التأثير الإشعاعي إلا إنهم تجاهلوا الأمر واستمروا في العمل.
حتى إن مذكرات العالمة الكبيرة ماري كوري ما زالت تحتوي على بعض الإشعاع الذي منحها الشهرة والجوائز، وكان سببًا في موتها بعد ذلك.
وفي نهاية هذا المقال الذي تضمن قراءة سريعة ومبسطة لكتاب (هوس العبقرية.. الحياة السرية لماري كوري) والذي يعد سيرة ذاتية لإحدى أشهر النساء في التاريخ العلمي الحديث نرجو أن نكون قدمنا لك المتعة والإضافة والرغبة في قراءة العمل الأصلي.
هل تعتقد أن الثمن الإنساني والشخصي الذي دفعته ماري كوري كان عادلًا في سبيل الخلود العلمي؟ ولا تنسَ مشاركة المقال على منصات التواصل الاجتماعي لتعم الفائدة الجميع وتلهم غيرك بقصة هذا الكفاح الأسطوري.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.