ملخص كتاب عندما يقول الجسد لا لجابور ماتيه: العلاقة بين التوتر والمرض

من بين الكتب الأربعة التي حققت نجاحًا كبيرًا وانتشارًا هائلًا على مستوى العالم للطبيب الكندي جابور ماتيه، يأتي كتاب «عندما يقول الجسد لا» ليطرح مجموعة من الأسئلة الجريئة والصعبة التي تتناول العلاقة بين التوتر النفسي والأمراض الجسدية من خلال تجربة شخصية كبيرة للطبيب الذي عمل مع مئات المرضى وخرج بكثير من الإجابات حول رسائل الجسد والصراعات الصامتة التي تقود إلى أمراض مزمنة.

وفي هذا المقال، نقدم لك ملخصًا لكتاب «عندما يقول الجسد لا» لنتعرف على أهم الأفكار التي يقدمها الكتاب وأهم النصائح التي يمكن أن تفيدنا في التعامل مع أجسادنا وتجعلنا قادرين على قراءة رسائل الجسد.

عن الكاتب جابور ماتيه

هو طبيب نفسي كندي من أصول مجرية، وله خبرة واهتمامات كبيرة في مجالات الأسرة والطفولة والصدمات التي يمكن أن يكون لها تأثير على الصحة البدنية والعقلية، بالإضافة إلى اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة، وأمراض المناعة. كما يهتم بشكل خاص بالإدمان وأنواعه وحالاته المختلفة.

وكان جابور ماتيه قد وُلِدَ في مدينة بودابست في المجر عام 1944 وهاجرت عائلته إلى كندا عام 1956 بينما تخرج من جامعة كولومبيا في بريطانيا وعمل مدرسا للغة الإنجليزية لعدة سنوات قبل أن يحصل على ماجستير في طب العائلة ويدير عيادته الخاصة لأكثر من 20 عاما.

وعلى مستوى الكتابة، فإن جابور ماتيه قد ألّف أربعة كتب حققت جميعها نجاحًا كبيرًا على مستوى الانتشار والمتابعة، وتمت ترجمتها إلى أكثر من 30 لغة. وكان له كتاب حصد جوائز هامة بعنوان «في عالم الأشباح الجائعة». كما حصل جابور ماتيه على وسام الشرف الكندي، بالإضافة إلى جائزة الاستحقاق المدني في كندا، وذلك تقديرًا له على كتاباته الطبية الرائدة.

كتاب عندما يقول الجسد لا

صدر كتاب «عندما يقول الجسد لا» لأول مرة باللغة الإنجليزية عام 2003 ولقي نجاحًا كبيرًا وتم ترجمته إلى أكثر من 23 لغة في غضون عدة سنوات، وبيع منه أعداد كبيرة في بلدان العالم، كما ظهرت الترجمة العربية للكتاب عام 2023.

يتناول كتاب «عندما يقول الجسد لا» الرسائل والعلامات التي يعبر بها الجسد عن الأوجاع النفسية التي تتطور إلى أمراض بدنية. ويطرح الكاتب من خلاله مجموعة من الأسئلة على غرار: ماذا يحدث داخل الجسد عندما لا يستجيب الإنسان لنداءات النفس؟ وما هو الثمن الذي يمكن أن يدفعه الجسد إذا طالت فترة الصمت والمعاناة؟

يعد الكتاب حصيلة خبرات كبيرة للكاتب جابور ماتيه الذي عمل لسنوات طويلة في الطب النفسي السريري وكان له تجارب عدة على حالات تطور فيها الألم النفسي إلى ظهور أمراض بدنية بالإضافة إلى تأثيرات التربية والطفولة والصدمات النفسية في ظهور أمراض مزمنة بعد ذلك.

كذلك، لا يعد الكتاب مجرد استعراض للرسائل التي يرسلها الجسد والأمراض التي يمكن أن تصيب الإنسان نتيجة هذا التجاهل، وإنما يقدم مجموعة من النصائح والإرشادات، ويحث القارئ على الاستماع إلى جسده وتقبل مشاعره، ويوضح أهمية اللجوء إلى العلاج النفسي كجزء أساسي من العلاج البدني.

ملخص كتاب عندما يقول الجسد لا

بعد الاطلاع على الكتاب يمكننا تلخيص النقاط الأساسية التي ذكرها الكاتب، وهي 4 أمور:

العلاقة بين العقل والجسد

يعد الكاتب جابور ماتيه العلاقة بين العقل والجسد ليست فقط مجرد علاقة فلسفية أو روحية، وإنما علاقة علمية ولها تأثيرات كبيرة على صحة الإنسان، حيث تؤدي المشاعر والأفكار دورًا هامًا في الحالة البدنية، وبالتالي يؤكد الكاتب أن الضغوط والتجارب المؤلمة لا تؤثر فقط في الصحة النفسية، وإنما تظهر في هيئة أعراض جسدية قد تكون متوسطة أو مزمنة، وهي الرسائل التي يصرخ من خلالها الجسد من أجل التحرك للعلاج والتوقف عن التجاهل والصمت.

ثم يفسر الكاتب الأمر بطريقة علمية ويشرح كيف يؤدي إطلاق المواد الكيميائية عند التعرض لضغوط نفسية مستمرة إلى حدوث أخطار كبيرة على القلب وظهور الخلايا السرطانية. والعكس صحيح، حيث يمكن أن تعمل المشاعر الإيجابية على تقليل الالتهابات وتقوية جهاز المناعة مما يعزز من عملية الشفاء.

وبالتالي، فإن العلاقة أو الاتصال السليم بين العقل والجسد والوعي في التعامل مع المشاعر قد يجنب الإنسان الكثير من الأمراض، مثل ما يحدث عندما يقوم الإنسان بالتكيف مع الأعراف الاجتماعية والصدمات بطريقة تؤدي إلى قمع المشاعر السلبية مثل الحزن أو الغضب، وهو ما قد يكون له عواقب جسدية خطيرة. أما الأشخاص أصحاب الوعي والاتصال العقلي الجسدي السليم فيعملون على التخلص من هذه المشاعر السلبية بطريقة سليمة وآمنة ويتجنبون هذه الأمراض.

الضغط النفسي المزمن والأمراض الجسدية

يؤكد الطبيب جابور ماتيه في كتابه، عندما يقول: «الجسد لا على ارتباط الصحة النفسية والجسدية»، ويشير إلى الضغط النفسي المزمن باعتباره سببًا رئيسيًا في الأمراض الشديدة التي تظهر في الجسم بعد فترة، ويقول إنه مدمر صامت داخل النظام، وذلك نتيجة تراكم الضغوط اليومية، والعواطف المكبوتة، والصدمات غير المحلولة، والإرهاق النفسي، واليقظة المرتفعة، وهي جميعها أمور تؤدي إلى عدم توازن الجسم وإفرازه هرمونات الضغط مثل الأدرينالين والكورتيزول.

وعندما يتم إفراز هذه الهرمونات بدرجة مرتفعة مدة طويلة يحدث عدد من الاستجابات السلبية في الجسم وهو ما يؤدي مع الوقت إلى ضعف الجهاز المناعي ويصبح الإنسان أكثر عرضة للأمراض وهكذا تظهر (متلازمة التعب المزمن) وبعض أنواع السرطان وأمراض المناعة الذاتية، والغريب أن الطبيب جابور ماتيه يقول إن هذه الأمراض هي وسيلة الجسد في التعبير عن عدم التوازن والخلل الموجود في النظام والتي يجب أن ينتبه إليها الإنسان من البداية ليتعامل معها بطريقة صحيحة.

الشفاء من خلال الوعي

يركز الكاتب جابور ماتيه في كتابه «عندما يقول الجسد لا» على فكرة الشفاء من خلال الوعي، حيث يؤكد أن فهم العواطف المكبوتة لتفريغها هو السبيل الأفضل للوصول إلى حالة الشفاء من الأمراض الجسدية الناتجة عن الضغوط النفسية. ويتسع الأمر للمشاعر والعواطف المكبوتة منذ الطفولة، والتي يعتاد كثير من الناس على تجاهلها بسبب توقعات المجتمع أو الظروف العائلية، ويسعون بذلك للتكيف، الذي قد يكون مفيدًا على المدى القصير، لكنه قد يكون سببًا في ظهور العديد من الأمراض على المدى الطويل.

كذلك فإن عملية الكبت المستمر للعواطف القوية مثل الغضب أو الحزن قد تؤدي مع الوقت إلى إفراز مستمر لهرمونات التوتر، وهي التي تسبب التهابات خطيرة قد يكون لها عواقب وخيمة في هيئة ظهور أمراض مزمنة، وبالتالي فإن الوعي بهذه المشاعر المكبوتة هو الحل الأمثل للعلاج وهو الأمر الذي يحتاج إلى التعرف على أنماط هذه المشاعر وفهم المحفزات من أجل الوصول إلى عملية تواصل إيجابية مع الجسد من أجل الوصول إلى عملية شفاء كامل ومستدام.

الضغوط العاطفية والجهاز العصبي

كما يسعى الطبيب والكاتب جابور ماتيه في كتابه عندما يقول الجسد لا إلى تسهيل فكرته حول العلاقة بين الحالة النفسية والعصبية والأمراض الجسدية المزمنة، فإنه أيضًا يقدم شرحًا علميًا مبسطًا للعلاقة بين الضغوط العاطفية وكيف يمكن أن يكون لها تأثير كبير على الجهاز العصبي، وهو ما يمكن إيجازه في عدة نقاط:

  1. يجب أن نعرف أن الدماغ يعيد تشكيل نفسه كل فترة، وهو ما يعرف بالتغير العصبي. وفي حالة وجود ضغوط عاطفية وكبت مستمر، فإن الدماغ لا يستطيع تشكيل نفسه ويفقد القدرة على التغيير والتكيف الإيجابي.
  2. يجب أن نعرف أن الهيبوكامبوس هو ما تحتاجه الذاكرة لكي تتكون وتؤدي دورها بفعالية. وفي حالات الضغط النفسي المستمر، قد تؤدي الإفرازات بشكل مرتفع إلى ضعف الهيبوكامبوس، وبالتالي تحدث مشاكل عديدة في الذاكرة.
  3. يؤدي الضغط المستمر وكبت المشاعر والعواطف إلى تأثيرات سلبية على قشرة الدماغ الأمامية ومركز الوظائف التنفيذية في الدماغ، كما يحدث خلل كبير في الناقلات العصبية نتيجة عمليات الكبت والضغط النفسي، وهو ما يظهر بعد ذلك في خلل الرسائل الكيميائية في الدماغ.
  4. كلما زادت الضغوط النفسية وكبت المشاعر واستمر الأمر مدة طويلة، فإن قدرة الجهاز العصبي على الاستشفاء والمرونة والعودة لأداء المهام بشكل طبيعي تقل كثيرًا، وربما ينتهي الأمر بمجموعة من الأمراض المزمنة.

كيف يمكن الوصول إلى نهج صحي متكامل؟

لا يكتفي الكاتب والطبيب الكندي جابور ماتيه بعرض الأمراض التي يمكن أن تنتج عن الضغوط النفسية وكبت المشاعر، وإنما يدعو إلى نهج صحي ومتكامل من خلال عدة نقاط هامة يمكنها أن تلخص خبرات الطبيب في سنوات طويلة من العمل مع الحالات السريرية التي استطاعت الوصول إلى الشفاء من خلال فهم العلاقة بين الحالة النفسية والبدنية:

النقطة الأساسية في العلاج هي فهم العلاقة القوية بين الحالة العاطفية والحالة الفسيولوجية والتي تظهر معها الأمراض الجسدية والاضطرابات المناعية نتيجة الضغوط المزمنة والصدمات المكبوتة والصراعات النفسية التي لا يتم التعامل معها وحلها كخطوة على طريق العلاج، ويؤكد أن تجاهل هذه العلاقة قد يؤدي إلى التراجع الجسدي رغم الرعاية الطبية والأدوية والراحة.

النقطة الأخرى يطلق عليها جابور ماتيه (وهم العزلة) وهو ما يحدث عندما يتم استخدام الممارسات الطبية التقليدية بمعزل عن بعضها، حيث يتم علاج كل مرض على حدة. وهذا ما يؤكد الكاتب أنه خطأ كبير، حيث يجب النظر إلى الأمراض بشكل مترابط باعتبارها ذات جذر واحد، كما تتكامل الحالة العاطفية والنفسية مع الحالة الجسدية في أسباب الأمراض والأعراض وطرق العلاج.

في النقطة الثالثة، يتحدث الكاتب عن تنوع العلاجات والتعامل مع المحفزات العاطفية، ودمج الاستشارة العلاجية، واستخدم ما أطلق عليه (ممارسات الوعي) وتدريب (الصمود العاطفي) وهو الأمر الذي يحتاج إلى خطة من المتخصصين أصحاب الوعي والإدراك من أجل علاج المريض الذي يعاني في الظاهر من أمراض جسدية، إلا أنها ترتبط بضغوط نفسية وعاطفية وصدمات لم يتم حلها.

ثم يتحدث الكاتب عن الإشارات العاطفية التي يطلقها الجسد قبل ظهور الأمراض مثل الإحساس بالتعب والاكتئاب والاحتراق الشعوري. فهذه الأمور تعد تحذيرات قوية من الجسد ويجب الانتباه إليها جيدًا والتعامل معها سريعًا قبل أن يتطور الأمر إلى أعراض جسدية أكثر حدة، وبالتالي تتفاقم المشكلة وقد تؤدي أيضًا إلى أمراض مزمنة إذا تم تجاهلها لوقت طويل.

وفي الأخير يؤكد الكاتب أهمية الوقاية من الضغط العاطفي، وهو ما يعد وقاية من الأمراض الجسدية المترتبة عليه بشكل مبكر، وذلك من خلال ما يطلق عليه الكاتب (الرفاهية العاطفية) حيث يهتم الإنسان بمشاعره ويقوم بتفريغها بطريقة سليمة ويتعامل مع متمتطلباته الشعورية والنفسية باهتمام كبير.

كما أن البيئة المحيطة لها دور كبير في تغذية المشاعر وتحقيق الرفاهية العاطفية سواء في أماكن العمل أو المنازل، حيث تعد البيئات المعادية والبيئات المجهدة داعمة لظهور الاضطرابات والضغوط النفسية والأمراض العاطفية التي تتطور بعد ذلك إلى أمراض جسدية.

وهكذا، فإن كتاب «عندما يقول الجسد لا» يعد من الكتب التي تطرح أفكارًا غير تقليدية فيما يخص الصحة الجسدية، ويدعو الكتاب إلى تعزيز الصحة النفسية والرفاهية العاطفية ليس كاختيار، وإنما كضرورة لتفادي كثير من الأعراض الجسدية والأمراض المزمنة.

وفي نهاية هذا المقال ندعوك لقراءة كتاب عندما يقول الجسد لا للطبيب الكندي جابور ماتيه من أجل مزيد من المتعة والاستفادة؛ فهو يفتح أعيننا على حقيقة أن أجسادنا تتحدث إلينا بوعي دائم، وأن المرض قد لا يكون سوى الملاذ الأخير لرفض الضغوط التي نتحملها فوق طاقتنا.

كما يسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك وتجربتك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل الاجتماعي لتعم الفائدة والوعي الصحي بين الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة