ملخص كتاب «حياتي» لعلي مبارك.. الجزء الأول

لماذا يتعيَّن علينا قراءة التاريخ؟ الموضوع كأنك ببساطة أتيت بشخص وطلبت منه أن يعيش حياة كاملة، ينجح ويفشل، يفرح ويغتم، يأكل أيامًا ويبيت ليالي طاويًا من الجوع، وبعد كل هذا يأتي لك بتقرير عما قام به، وذلك من أجل أن تتعلم من سيرته، تجتنب عثراته وأخطاؤه، وتكرر خطواته الجيدة، بالإضافة إلى المتعة وتوسيع مداركك.

وموضوع اليوم هو ملخص كتاب "حياتي" لعلي مبارك، نتعرَّف على تفاصيل حياة الرجل الذي غيَّر وجه التعليم المصري في القرن التاسع عشر، إذن ما قصة علي مبارك؟ ماذا فعل علي مبارك؟ هذا ما نعرفه الآن من ملخص كتاب "حياتي" الذي هو سيرته الذاتية ومذكراته، فتعالَ نبحر في بحار القرن التاسع عشر، تدفعنا رياح النجاح الطيبة حينًا وتعصف بنا أمواج تقلب الزمان حينًا آخر.

من علي باشا مبارك؟

طبقًا لمذكرات علي مبارك، هو علي بن مبارك بن مبارك بن سليمان بن إبراهيم الروجي، المولود في برنبال الجديدة عام 1239 هجرية، وذلك كما أخبره الحاج محمد أخوه الأكبر و"أبوه" بحد وصفه. وكان جده إبراهيم الروجي يعمل قاضيًا وإمامًا وخطيبًا وتوارث أبناؤه تلك المهنة حتى عُرفت العائلة بـ"عائلة المشايخ".

علي بن مبارك بن مبارك بن سليمان بن إبراهيم الروجي

وقد هاجرت الأسرة من برنبال إلى قرية "الحماديين" في الشرقية بسبب اشتداد الضرائب عليهم حتى إنهم باعوا المواشي وأثاث المنزل، ولكن لم يرتاحوا فيها، فهاجروا مرة أخرى إلى قرية "عرب السماعنة"، وهم من عرب الخيش (البدو الذين كانوا يسكنون الخيام). وهناك حظوا بمعاملة حسنة؛ ذلك لأن الأب كان فقيهًا ولم يكن في القرية فقهاء أو علماء، فأكرموه وبنوا له مسجدًا ليكون إمامًا عليه، واستقر الحال لوالد علي مبارك وأسرته.

بداية قصة علي مبارك مع العلم

وبعد ذلك قرر الأب أن يكمل رحلة تعليم ابنه الذي بدأها مع شيخ أعمى في برنبال اسمه "أبا عسر"، فأخذ يعلمه بنفسه، ثم ألحقه والده بشيخ اسمه "أحمد أبي خضر" ليذهب ويعيش عنده ويعود لمنزله كل جمعة، "فالتعليم قديمًا كان بإرسال الصبي للعيش مع شيخه مع إرسال الطعام أو الأجرة للشيخ والصبي".

وكان الشيخ قاسيًا دائمًا ما يضربه، ومن شدة رعب علي مبارك منه لم يكن ليذهب للشيخ ويده فارغة، حتى فاض الكيل بعلي مبارك وقرر الهرب منه بعد إقامته عنده نحو السنتين، حفظ فيهما القرآن كاملًا، وبعد ترك الشيخ أخذ الأب يتابع معه التعلم ولكن لم يستمر الوضع هكذا بسبب مشاغل الأب، فانطلق "علي" إلى اللعب ونسي ما حفظه.

بعدها قرر الأب عودة "علي" للشيخ "أحمد أبي خضر" ثانية، ولكن علي رفض بحسم وهدد بالهرب، وكان لعلي سبعة إخوة بنات من أمه وإخوة ذكور ولكن من غيرها، فأشفقوا على وضعه وسألوه كيف يريد أن يتربى، فأراد أن يكون كاتبًا؛ وذلك لما رآه من مكانة الكُتَّاب وهيبتهم وقربهم من الحكام.

مغامرات وزير التعليم المصري الشهير في طفولته

أرسل الأب "علي" ليتعلم على يد كاتب صديق له حسن المظهر والمقام، ولكن تأتي المفاجأة عندما ذهب علي للإقامة ببيته في قرية "الأخيوة" بالشرقية، فوجده عكس ما يظهر، فقد كان فقيرًا، ولم يكن مهتمًا بتعليم علي.

فبذكر علي باشا مبارك في مذكراته أن تعليمه على يد ذلك الكاتب -على الرغم من قلته- كان أمام أهله ونسائه، وإذا ما خرج للعمل اصطحب علي معه ليخدمه فقط، ولم ينل علي منه إلا الأذية، فيذكر علي مبارك أنهم كانوا في قرية "المناجاة"، وسأله الكاتب عن الواحد في واحد، فأجابه علي بـ"اثنين"، فضربه بمقلاة بن في رأسه ولام الحضور ذلك الكاتب.

كتاب

فرجع علي إلى أبيه يشكو له، فلم ينل منه إلا الأذى، وكان ذلك اليوم مولد "سيدي أحمد البدوي"، فهرب علي في الزحام للمطرية (وهي مدينة بمحافظة الدقهلية غير الحي الموجود بالقاهرة) كي يلحق بخالة له تعيش هناك. وخلال طريقه لخالته، وبالتحديد في "صان الحجر"، أصابه مرض ذكره بـ"الريح الأصفر" وهو الكوليرا، وقد أخذه رجل من أهل تلك المدينة، ومكث عنده علي أربعين يومًا، وحين سأله الرجل عن أهله، أخبره علي أنه يتيم مقطوع.

وفي الوقت نفسه كان والد علي مبارك وأخوه يبحثان عنه، وقد عرفا أنه في صان الحجر، وذهبا إلى هناك فعلًا، وأول ما لمحهم علي فرَّ هاربًا، حتى نزل في قرية "منية طريف" عند رجل عربي، ولكن لم يقم عنده إلا أيامًا حتى هرب من عنده، وذهب علي لأخ له في بلدته "برنبال".

وبعدها جاء أخوه الذي كان يبحث عنه مع أبيه وأخذه بالحيلة لوالده، بعدها أصابتهم الحيرة ماذا يفعلون به، وأخذوا يعرضون على ذلك الفتى العنيد المشايخ والكُتَّاب، وهو يرفض، حتى عرض عليه أبوه أن يعمل مع كاتب صديق له كان من "كتبة المساحين" بحد ذكره، وأخيرًا استقر الحال مع علي مبارك... مؤقتًا.

أحب علي العمل مع ذلك الكاتب؛ لما كان يتحصل عليه من النقود التي يعطيه إياها الكاتب مما يأخذه من الأهالي، ولكن لصغر سن علي وعدم تفرقته بين الصواب والخطأ، فقد كان يفشي أسرار ذلك الكاتب وما يأخذه من الناس، فأدى ذلك لطرده بعد ثلاثة أشهر من العمل معه.

بعد ذلك لزم البيت، فكان يقرأ على والده ما كان يحفظه من القرآن، ويذهب معه حين يقبض الضرائب من العرب ويتولى الكتابة وبعض المعاملات الحسابية.

وبعد مرور عام ألحقه والده لكي يعمل برفقة كاتب بمأمورية "أبي كبير" بمرتب قدره خمسون قرشًا، ومكث عنده علي مدة ثلاثة أشهر، ولكن تأتي الخديعة بأن ذلك الكاتب أكل عليه حقه ولم يعطه سوى الأكل حتى قَدُمَتْ ملابسه، وفي يوم أمره ذلك الكاتب بأن يذهب ليقبض حاصل مدينة "أبو كبير"، فأخذ علي ماهيته (مرتبه) التي سلبها منه ذلك الكاتب، ووضع في كيس النقود ورقة مكتوب بها ما أخذه من كيس النقدية، فلما رآها الكاتب اغتاظ من علي ولكنه أسرَّها في نفسه.

قصة علي مبارك بين المحنة والمنحة

وفيما بعد اتفق ذلك الكاتب مع المأمور على ذلك الصبي المسكين، وأخبراه أن يذهب للسجن لكتابة المساجين، فذهب علي وأول ما وصل للسجن وضعوا غلًا (قيدًا) من الحديد في رقبته، وألقي في السجن بضعًا وعشرين يومًا "في أوساخ المسجونين وقاذوراتهم" بحد وصفه.

طابع يحمل اسم علي باشا مبارك

ورقَّ السجَّان لحال علي، ذلك الطفل الصغير، فقربه إلى الباب، كما أعطاه علي بعض النقود، وكان قد كتب علي إلى أبيه، فذهب أبوه إلى العزيز (غالبًا كان يقصد محمد علي باشا)، وكان وقتها في مدينة "منيا القمح" بالشرقية، كاتبًا له قصة ابنه. فأمر بإخلاء سبيله.

وبينما الوالد في الطريق إلى ابنه، أتى إلى السجان صديق له، وكان يحمل خبرًا مشرقًا كالشمس في حياة علي مبارك التي امتلأت بالغيوم والظلام - بالرغم من كونه طفلًا - وذلك ما سنعرفه في الجزء الثاني من ملخص كتاب "حياتي" لعلي مبارك، لذا فانتظر الجزء القادم، فالجزء الثاني من قصة علي مبارك بالمغامرات المشوقة في حياة ذلك الصبي الذي سيصبح أول وزير تعليم في مصر.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

قصته أليمة لكنها تعلمنا الكثير . المقالة رائعة جدا ومفيدة
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة