قبل أن ينتهي كاتبنا من كتابة كتابه (تاريخ غزة) آثر أن يكتب لنا كتابًا آخر تحت عنوان (الموجز في تاريخ عسقلان)، وقد صَدَرَ هذا الكتاب في عام 1943 م.
(عسقلان) في زمن الفراعنة
وَرَدَ أول ذكرٍ لـ (عسقلان) بالقرن الثامن عشر قبل الميلاد، فقد كانت حينها محاطة بحاجزٍ من التراب، وذكرها قدماء المصريين، فقد كان حول تلك المدينة الكنعانية جدار منيع وبرج شُيِّدا بغية الدفاع عنها.
ووردت بألواح تل العمارنة سنة 1400 ق. م، فقد كاتبت (مصر) لحمايتها من الغزاة الطامعين بها، ويعتقد كاتبنا أن الملك المصري (رمسيس الثاني) قد استولى عليها سنة 1285 ق. م، وقد ثار أهلها حينها، فأرسل عليهم حليفه السوري (شمجر بن عناة)، فقام هذا بتخريبها.
ويرى كاتبنا أنها كانت بتلك الأثناء مسكنًا للحيثيين أو الكنعانيين، وأن الفلسطينيين -حسبما قال أ/ غارستنغ- قد أتوا إليها في آخر عهد (رمسيس الثاني)، وقد اتخذها الملك المصري (رمسيس الثالث) سنة 1225 ق. م ملجأً لصد هجمات الفلسطينيين؛ فقد كان الفلسطينيون حينها يعيشون بمدنٍ مُنظمة.
وفي عام 1223 ق. م فتحها الملك المصري (مرن بتاح)، لكن أهلها اتحدوا مع باقي المدن الفلسطينية الأخرى، وتمكنوا بنهاية المطاف من توطيد ركائز حكمهم وإخضاع بني إسرائيل وغيرهم لنفوذهم وقاموا بجباية الضرائب منهم.

(عسقلان) وبني إسرائيل
تكرر ذكر (عسقلان) بأسفار العهد القديم، وقد أطلق عليها اليهود اسم (أشقلان) و(أشقلون) و(عسقلون)، وكانت في عهد (داود) سوقًا تجارية، وعندما انقسم بنو إسرائيل كانت (عسقلان) من نصيب ملك الجنوب (يهوذا)، لكنه مع ذلك لم يتمكن من السيطرة عليها كليًّا.
وعلى الرغم من ذلك لم يتمكن اليهود من الاستيلاء على السهل، وكان الفلسطينيون إذا ما دبَّ الضعف فيهم لأقصى مداه، آثروا الخضوع لـ(مصر) عن بني إسرائيل.
وبعام 147 ق. م تمكن (يوناثان) قائد المكابيين من اجتياح (فلسطين) والسيطرة على مدينتي (عاقر) و(أسدود)، ووقَّع اتفاقًا مع (عسقلان)، وعندما قام (إسكندريانيوس) بتخريب (غزة)، خضعت له (عسقلان) كي تسلم من أذاه، لكنها سرعان ما اتحدت مع سائر المدن الفلسطينية الأخرى.
عسقلان الفلسطينية
كانت (عسقلان) أهم المدن الفلسطينية الخمس التي شكَّلت فيما بينها اتحادًا وهي (غزة) و(أسدود) و(عاقر) و(جات) بالإضافة إلى (عسقلان)، فقد أكسبها وقوعها على البحر أهمية حربية ببعض الأحيان.
وهناك من يرى أن هذا الاتحاد امتد من جنوب (عكا) حتى مدينة (العريش) المصرية. وعمومًا فقد أجمع الباحثون على أنها كانت بمكانها الحالي الواقع بالقرب من قرية (عراق المنشية) وهي من أعمال (غزة).
كان الخلاف والخصام مستمرًا بين الفلسطينيين وبني إسرائيل، وعلى الرغم من كثرة عددهم عن الفلسطينيين بذلك الوقت، فإن الفلسطينيين كانوا متحدين ومنظمين ومسلحين جيدًا، لذلك كان الانتصار حليفهم، ومع ذلك كان الفلسطينيون عادلين معهم. وقد اتسم حكامهم بالعدل ولم يبطشوا بهم على الرغم من قدرتهم.
(عسقلان) في زمن الآشوريين
حسبما وَرَدَ بالموسوعة البريطانية فقد تمكن (سنخريب) من إخضاعها في عام 701 ق. م.
(عسقلان) والفتح اليوناني
في عام 332 ق. م تمكن الإسكندر الأكبر من فتحها، وأطلق عليها بعهده اسم مدينة (هيلينية). وبعهد أحفاده البطالسة خضعت للسوريين. وقد أثقلوا حينها كاهل أهلها بالضرائب، وقد انتدب عليهم (بطليموس) لتولي تلك الأمور رجلًا يهوديًا يُدعى (يوسف بن طوبياس).
ببادئ الأمر التزم بجباية الضرائب -حسبما قال المؤرخ (يوسيفوس)- لكنه سرعان ما أخد يطالب بتوسيع سلطاته، وزاد معها ومعه عدد الجنود، فطغى وتجبر وذاق أهل البلاد من ظلمه ما لا يُقدَّر، حتى بلغ به الأمر أن قطع رقاب بعضهم.
(عسقلان) في عهد الرومان
امتلك (هيرودتس) المدينة التي وُلِدَ فيها ألا وهي مدينة (عسقلان)، واكتسبت في عهد الرومان حمايتهم وأصبحت مدينة حرة نوعًا ما لأربعة قرونٍ ونصف منذ عام 104 م، وازدهرت بها التجارة، ونبغ بها كثير من الفلاسفة وعلماء المنطق، وكان بها مجلسٌ للأعيان. وحول دار مجلس الأعيان بنى البيزنطيون سورًا على أنقاض السور الذي بُنِىَ بأواخر العصر البرونزي، وكان بها حصونٌ وأبراج، وقد عَثَرَ «مستر» (غارستنغ) هناك على أعمدة وتماثيل تعود لذلك العهد.
وفي عهد البيزنطيين خضعت (عسقلان) إلى (القسطنطينية). وعلى الرغم من أن البيزنطيين حينها كانوا يعبدون الأوثان، فإن المسيحية دخلت (عسقلان) ربما حتى قبل أن تدخل (غزة)، وقد تمكن أسقفها (برفيربوس) من هزيمة الوثنيين وهدم هياكلهم.
ففي عام 398 م أرسل الأسقف (برفيربوس) الشماس (مرقس) إلى (القسطنطينية) ليطلب منهم غلق معابد (غزة) الوثنية، وتنفيذًا لذلك تحرك من (عسقلان) القائد (هيلاريس)، لكنه لم ينفِّذ الأمر، وهناك من يقول إنه أخذ من الوثنيين كمًّا من الذهب كي يتساهل معهم، لكن الأسقف (برفيربوس) سافر بنفسه في عام 401 م إلى (القسطنطينية)، وهناك تمكن من استصدار أمر من الإمبراطورة (أفدوكسية) ليقضي به تمامًا على الوثنية في (غزة) و(عسقلان).
وقد أشار (عارف باشا العارف) قبل ذلك إلى أن (السنة العسقلانية) تتشابه مع ما يُعرف بـ (السنة الغزية) التي بدئ حسابها في عام 129 م/ 60 ق. م، أما (السنة العسقلانية) فقد بدئ حسابها عام 104 م، وهي تتشابه مع السنة الغزية في عدد الأيام والشهور وأسماء الشهور، لكنها بخلاف السنة الغزية تبدأ في اليوم الأول من شهر هيبربريتايوس الموافق 28 أيلول/ سبتمبر، أما السنة الغزية فتبدأ في اليوم الأول من شهر ديوس الموافق 28 تشرين الأول/ أكتوبر، وإليكم ما عُرِفَ بالتقويم العسقلاني:
- هيبربريتايوس/ أيلول/ سبتمبر.
- ديوس/ تشرين الأول/ أكتوبر.
- أبيللوس/ تشرين الثاني/ نوفمبر.
- أودينويس/ كانون الأول/ ديسمبر.
- بيريتيوس/ كانون الثاني/ يناير.
- ديستروس/ شباط/ فبراير.
- كسانتيكوس/ آذار/ مارس.
- أرتيميزيوس/ نيسان/ أبريل.
- ديسيوس/ أيار/ مايو.
- بانيموس/ حزيران/ يونيو.
- لوئوس/ تموز/ يوليو.
- غوربيوس/ آب/ أغسطس.
(عسقلان) والفتح الإسلامي
في عام 636 م تمكَّن العرب من (عسقلان)، وقد دلَّ على رمزيتها عند المسلمين حينما نُقِلت رأس الحسين رضي الله عنه عبرها، فقد تعددت الآراء حول ذلك، فهناك من قال إن حاملي الرأس تعمدوا المرور منها، وهناك من قال إن رأسه الشريف ظلت هناك بضع سنين لا سيما (ابن إياس)، إضافة إلى أنه كان هناك مقام لرأس الحسين يسميه الناس هناك مشهد الحسين، ومما قاله عنها (ابن بطوطة) بكتابه (غرائب الأسفار في عجائب الأمصار) إنه «قل بلد جمع من المحاسن ما جمعته عسقلان».
وقد برز بها كثير من الأدباء والعلماء، لا سيما قاضي السلطان (صلاح الدين الأيوبي) ألا وهو (عبد الرحيم بن علي اللخمي العسقلاني)، الذي قال عنه (ابن خلكان) إنه عَلِمَ من أحدهم أن «مسودات رسائله -في المجلدات والتعليقات في الأوراق- إذا جُمعت لا تقل عن المئة»، في حين قال عنه (عبد اللطيف البغدادي) إنه «كَتَبَ في الإنشاء ما لم يكتبه غيره».
(عسقلان) والحروب الصليبية
لوقوعها على شاطئ البحر مباشرة اعتُبِرت بذلك الوقت المفتاح الجنوبي الغربي لـ (فلسطين)، حتى إن أهميتها تخطت أهمية (غزة)؛ كون (غزة) عند شاطئ البحر بميلين، وكانت حائط الصد الأمامي للمسلمين، على عكس (الرملة) التي كانت حائط الصد الأمامي للصليببين، وحينما تمكنوا منها صارت لهم الحاجز المنيع مثلما كانت للمسلمين.
بعد تمكن الصليبيين من الاستيلاء على (القدس) من أيدي الخليفة الفاطمي (المستعلي) سنة 1099 م/ 492 ه، حاولوا التوجه صوب (عسقلان) مرةً تلو أخرى، إلى أن تمكن (بلدوين الثالث) من دخولها سنة 1155 م/ 548 ه.

حينما أفل نجم الدولة الفاطمية، اعتلى (صلاح الدين الأيوبي) عرش (مصر) و(سوريا)، وقد توجه في الرابع من جماد الأول سنة 573 ه صوب (عسقلان) ومن بعدها (الرملة) لكنه عاد إلى (مصر) منهزمًا بعد أن تمكن منه حاكم الكرك الأمير (أرناط)، ولم يستطع حتى أن يدخل تل الصافي.
لكنه زحف مجددًا سنة 583 ه، وانتصر عليهم بمعركة حطين، بعد أن تمكن من الاستيلاء على (طبرية) و(عكا) و(الناصرة) و(حيفا) و(صفورية) و(قيسارية) و(سبسطية) و(نابلس) و(يافا) و(صور) و(صيدا) و(جبيل) حتى وصل إلى (بيروت).
لكن الصليبيين حاولوا مجددًا استرداد ما خسروه، فتمكنوا من الاستيلاء على (عكا) مجددًا سنة 1191 م/ 587 ه، ومنها اتجهوا صوب (عسقلان) على رأس قائدها (ريتشارد قلب الأسد) وكان النصر ببادئ الأمر حليفهم، لكن (صلاح الدين الأيوبي) ظل صامدًا حتى جاءته النجدة، وقام بتخريب مباني (عسقلان) وأبراجها وأسوارها وحصونها لعجزه عن حمايتها، وقد لاقت (الرملة) هي الأخرى المصير نفسه.
حصَّن السلطان (صلاح الدين الأيوبي) بعد ذلك (القطرون) و(القدس)، وبعدما وافته المنية اختلف حفدته بتقسيم البلاد، فخسر المسلمون (عسقلان) و(القدس) و(طبريا)، فقد اتفق صاحب الكرك الناصر داود مع صاحب دمشق الصالح إسماعيل مع الفرنجة لمحاربة الملك الصالح نجم الدين أيوب، فتحالف الأخير مع الخوارزمية، وكان النصر حليفًا له.
أخذ الملك الصالح نجم الدين أيوب يفكر مليًا باستعادة (عسقلان)، فأرسل إليها الأمير (بيبرس)، لكنه لم يتمكن من دخولها؛ لأن الصليبيين وعلى رأسهم الأمير (ريكاردوس أوف كورنوال) كانوا قد أعادوا تحصينها، وعلى الرغم من أن الأمير (بيبرس) تمكَّن من استعادة (غزة) و(القدس) و(الخليل) و(بيت جبريل) و(نابلس) والأغوار سنة 1246 م/ 642، فإنه لم يتمكن من إعادة (عسقلان)، فسار إليها الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ سنة 1248 م، فتمكن من دخولها، وهدم حصونها، وهناك من يقول إن الملك الصالح نجم الدين أيوب هو الذي تمكن من استعادة (عسقلان) وكان ذلك في الثاني عشر من جماد الآخر سنة 645 ه.
وفي الثامن من ربيع الأول سنة 669 ه هدم السلطان (ركن الدين بيبرس البندقداري) ما تبقى من (عسقلان) خوفًا من مجيء الفرنجة إليها، فسوَّاها بالأرض وسد مرفأها/ ميناءها بالحجارة.
وفي الخامس من ربيع الأول سنة 682 ه - 3 يوليو/ تموز سنة 1283 م، وقَّعَ الملك المنصور (سيف الدين قلاوون) هدنة مع الفرنجة في (عكا) وعلى رأسهم ملكهم ملك صقلية الملك (شارل إنجوي)، وقد استعاد المسلمون (عسقلان) بموجبها.
(عسقلان) في عهد (الأتراك)
تمكن (الأتراك) في عهد سلطانهم (سليم الأول) من الاستيلاء على (عسقلان) من المماليك، وكان ذلك سنة 1501 م/ 922 ه، وقد أنشأوا بعهدهم قرية أطلقوا عليها اسم (الجورة)/ (جورة عسقلان)، وأصبحت (عسقلان) بعهدهم تابعة لـ (المجدل)، وبذلك فقدت أهميتها التاريخية والتجارية.
(عسقلان) والاحتلال الإنجليزي
تمكَّن الإنجليز من الاستيلاء على (عسقلان) بعد زحفهم إليها من جهات عدة، فقد توجهوا إليها من ناحية الشرق بالقرب من (برير) و(حليقات)، ومحاذاة لشاطئها من ناحية الجنوب، إضافة لأسطولهم المرابط ببحرها، وعلى الرغم من أن (الأتراك) انتصروا عليهم في أربع معارك بيومٍ واحد، فإن النصر كان حليفًا للإنجليز بسبب القوات التي أُرسِلت إليهم، وهكذا تمكن (البريجادير جنرال) (شارل فريدريك كوكس) مع قواته من دخولها في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917 م دون مقاومةٍ تُذكر، وذلك بعد اضطرار (الأتراك) لإخلائها.
(عسقلان) في يومنا هذا
وهنا نود بدايةً أن نوضح أن ذلك كان بزمن كاتبنا، وبكل أسفٍ وأسى ليس بزمننا هذا. فقد صارت في ذلك الوقت قريةٍ صغيرة تُدعى (الجورة) أو (جورة عسقلان)، وهي تقع على شاطئ البحر على بعد ثلاثة أميال من جنوب غربي (المجدل) واثني عشر ميلًا شمالي (غزة)، وتتميز بنقاء هوائها وعذوبة مياهها وخصوبة أرضها. ولمَ لا؟ فقد اشتهرت بعنبها في سائر أنحاء (فلسطين)، كعنب الزراقي والمراوي والشوباني. ولمَ لا؟
فمن أبرز خصائصه أنه يحتمل السفر لأمكنة بعيدة دونما أن يلم به عطب، وقد زُرِعَ على مساحة ثمانية آلاف دونم (والدونم لمن لا يعرفه هو ألف مترٍ مربع)، إضافة لوجود عدد كبير من الأشجار المثمرة وأشجار الزيتون، فضلصا على خضرها كالفاصولياء والفلفل والخيار والجزر والكوسا والبندورة/ الطماطم، ولا ننسى بالطبع البصل العسقلاني، فإن كان عنبها قد اشتُهِرَ بسائر أرجاء (فلسطين) فقد اشتُهِرَ بصلها بسائر أرجاء (أوروبا)، وقد أطلق عليه قدماء الرومان «Ascalonia Coepa» ومن هنا انتقل الاسم للإيطالية تحت اسم «Scalogna» وللفرنسية تحت اسم «échalotte».
أما عن حمضياتها، فبها ثلاثون بيارة مغروسة بالأشجار الحمضية منذ أكثر من مئة عام، وقد أُنشِئت أول بيارة هناك على يد رجلٍ مجدلي يُدعى (جراو)، وقد ابتاعها منه الشيخ حسن الأستاذ، ثم آلت ملكيتها لرجلٍ مقدسي يُسمى (سعيد تاج الدين الجاعوني).

وتعد (عسقلان) مركزًا مهمًا من مراكز الصيد، فهي تُعد ثاني مركزٍ من مراكز الصيد بـ (فلسطين) بعد (حيفا)، حتى إن أكثر من عُشر أهلها -البالغ عددهم قرابة الألفين ونصف- قد امتهنوا الصيد، وإن أردنا مقارنتها بـ(غزة)، فنجد أن بها ستين قاربًا، في حين لا يوجد بـ(غزة) أكثر من عشرين قاربًا، وذلك كون مياهها تحوي أنواعًا كثيرة من الأسماك كسمك الفنيار والموسقار واللقز والدهبان والسرغوس والفريدن والبوري.
ووفقًا لثروتها الحيوانية ففيها عدد كبير من الإبل تُستخدم لنقل أسماكها وخضرها للمدن والقرى المجاورة، ولا يوجد بها أعداد كبيرة من الخيول والأغنام.
وكان أهلها -وهم كلهم مسلمون مسالمون- يعيشون بذلك الوقت ببيوتٍ حجرية، وقد أنشأوا فيما بينهم جمعية تعاونية لتنشيط مشاريعهم الزراعية، وكان بها آنذاك آبار كُثر لا تقل برأي كاتبنا عن خمسمائة بئر، على الرغم من أنه لا توجد بها كتاتيب كجارتها (غزة)، فإنه كان بها مدرسة حكومية ابتدائية يُديرها مدرسان وكان بها يومئذ مئة وعشرين تلميذًا.
ويقع بالقرب من مقام الحسين وادٍ أُطلِقَ عليه اسم وادي النمل، وهنالك من أطلق عليه اسم وادي الدم نظرًا لأن المعركة التي نشبت بين الصليبيين و(صلاح الدين الأيوبي) كانت بذلك المكان حسبما يُقال، وبواد النمل هذا يوجد مقام لرجلٍ من المجاهدين والمشاركين بالحروب الصليبية يُسمى (محمد العسقلاني).
أما عن آثارها فحدِّث ولا حرج، وقبل أن نذكر ما وَرَدَ عن آثارها، آثرت أن أنقل لكم بالحرف الواحد ما كتبه (عارف باشا العارف) حزنًا على ما حل بحال آثارها: (وإنه لمما يؤسف له من وجهةٍ علمية وأخرى تاريخية، أن الحصون وإن كانت قد دُكت، والقلاع قد هجرت، والأعمدة الجميلة قد تبعثرت، فإنه كان يجب على الحكومات التي تعاقبت بعدئذ، أن تحتفظ بتلك الآثار، ليتمكن الأبناء من تتبع أنباء الآباء والأجداد، ولكن هو الجهل يفعل ما يشاء، فلم يكن ثمة أية رقابة من هذه الناحية، فراح السكان، وقد كانوا من الجهل بمكان، ينشرون الحجارة والعمدان، والبلاط المصنوع من الرخام ويبيعونها في أسواق غزة بالدرجة الأولى، وفي الرملة ويافا بالدرجة الثانية، وكثيرًا ما كانت السفن ترسو على شواطئ الجورة لتنقل منها آثار عسقلان، وعندما تغيب هذه كانوا يستخدمون الفُلك تارة والإبل أخرى، وإنك إذا ما غشيت منازل الوجوه والأعيان في هذه المدن وفي الجامع العمري الكبير بغزة، وجدت الشيء الكثير من البلاط والحجارة والأعمدة المتقدم ذكرها).
على الرغم من أن (الليدي) (هستر ستانهوب) لم يحالفها الحظ بالكشف عن آثار عسقلان سنة 1815 م، فإن بعثة البحث عن الآثار الفلسطينية سنة 1913 م والبعثة التي تلتها من سنة 1920 م - 1923 م تمكنت من الكشف عن أروقة هيرود الملك، بالإضافة إلى القصر الملكي الذي ذكره المؤرخ يوسيفوس، إضافةً لبقايا مسرحٍ بيزنطي اتضح بعد ذلك أنه كان مجلسًا للأعيان ثم تحول إلى قاعةٍ للتمثيل، فضلًا على عدد كبير من الفخار والتماثيل، وللحفاظ على آثار عسقلان، أسست مصلحة الآثار بحكومة فلسطين في وسط المدينة القديمة مُتحفًا وضعت به كل ما عُثِرَ عليه من آثار عسقلان.
وأينما حلَّت رحالك بـ(عسقلان) وجدت أطلالًا وخرائب وآثارًا، فهناك الحجارة الضخمة والأعمدة الكبيرة وبلاط مصنوع من رخام، ونصب وتماثيل لمن حكموها بيومٍ من الأيام، وتوابيت حجرية وتوابيت أخرى مصنوعة من الرصاص، وإذا تحدثت مع أحدٍ من أهلها عَلِمت منه ما كان بها من أحجارٍ كريمة وحلي وآثار.
حتى إنه كان هنالك جنوبي السور القديم كرم لرجل من الجورة يُسمى (محمد عايش قباجة) آلت ملكيته حينها لورثة (يوسف العلمي)، قد عثروا فيه على قبور وتوابيت صُنِعت من رصاص، وقد وجدوا بأحدها ميتًا عليه ثوب من ذهب، وبقبرٍ آخر وجدوا كمًا من الأقراط والحلي والخواتم الذهبية.
تنويه: إن ما قرأتموه يعرض فقط بعض ملامح الكتاب، ولا يغني إطلاقًا عن قراءة الكتاب. إذا حاز ما كتبناه على إعجابكم فلا تنسوا الاشتراك حتى يتسنى لكم قراءة كل جديد.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.