ملخص كتاب «الموجز في تاريخ القدس».. لعارف باشا العارف ج1

صَدَرَ هذا الكتاب عام 1951 م، ويتحدث كاتبه الذي ذكرناه بمقالنا السابق بشيء من التفصيل، عن تاريخ القدس باختصار منذ عهد اليَبوسِيّون في سنة 3000 ق.م حتى أواخر عهد الانتداب البريطاني عام 1947 م، وقد استقى كاتبنا بكتابة كتابه هذا عشرات الكتب والمراجع العربية والأجنبية.

القدس في زمن اليبوسيين (3000 ق.م)

اليَبوسِيّون هم من العرب الأوائل، وكانت نشأتهم بالجزيرة العربية، لكنهم ارتحلوا كغيرهم من القبائل الكنعانية، وبنوا مدينة (القدس)، وكان اسمها في عهدهم (يبوس)، وذلك على يد الملك (ملكيصادق)، وقد كان رجلًا صالحًا، لذلك أُطّلِقَ عليه لقب (ملك السلام)، ومن ذلك جاء اسم (سالم/ شالم)، كما إن (سالم اليبوسي) كان من ملوكهم أيضًا، ففي عهده شيد برجًا للدفاع عن المدينة على ما يُعرف بجبل "صهيون" حاليًا، و أصبح اسم المدينة بعد ذلك (أورو - سالم) أي مدينة السلام.

كان الكنعانيون متحدين فيما بينهم، فقد تمكنوا من صد المصريين والعبرانيين حينما أرادوا اجتياح بلادهم، و صار بينهم و بين المصريين حلفٌ قوي، لذلك حينما تداعى اليَبوسِيّون، استغل العبرانيون الفرصة وحاولوا غزوهم؛ لذلك استنجد (عبد حيبا) حاكم (يبوس) آنذاك بـ(تحتمس الأول) ليخلصه منهم، وذلك لأن العبرانيين كانوا كلما احتلوا مدينة اعملوا فيها السيف والنار، في حين كان المصريين يكتفون بالجزية.

كانت (يبوس) مدينة ذات أهمية من الناحية التجارية، لأنها كانت تقع على طريقٍ يربط البحر بالصحراء، وطريقٌ آخر يربط بين (حبرون/الخليل) و(بيت أيل) (بيت أيل / بيتين هو أحد أعمال رام الله)، ومن (بيت أيل) كان يوجد طريقان، إحداهما نحو (شكيم / نابلس)، و الآخر نحو (أريحا) وواد الأردن.

يعتقد المؤرخون أن معظم سكان قرى (القدس) من أصلٍ كنعاني، وقد كانوا يعبدون الأصنام، وعلى رأسها الصنم (بعل)، وكانت اللغة الكنعانية هي اللغة المنتشرة بذلك الوقت، وعند الفتح البابلي، أصبحت اللغة البابلية هي اللغة الرسمية حتى الفتح الفارسي.

القدس في زمن الفراعنة (1497 ق.م)

أوضحت ألواح تل العمارنة عن استنجاد (عبد حيبا) بـ(تحتمس الأول) ليخلصه من هجمات العبرانيين في عام 1550 ق.م، وبعد هذا التاريخ بواحدٍ وسبعين عامًا، أي عام 1497 ق.م، خضعت (يبوس) لـ(تحتمس الثالث) خضوعًا تامًا، فظلت بحكم الفراعنة أمثال (أمنحوتب الثالث) و(أخناتون) و(توت عنخ آمون) و(سيتي الأول)، وكانوا يطلقون عليها (يابيشي) وتارة (أورو - سالم)، وكان احتلالهم لها لحماية طريق التجارة، ثم إنهم كانوا يأخذون منها الحطب والأخشاب.

القدس وبنو إسرائيل (1049 ق.م)

بعهد (رعمسيس الثاني)، وتحديدًا عام 1250 ق. م خرج بنو إسرائيل من (مصر)، وبعد أن تاهوا بصحراء سيناء أربعين عامًا، حاولوا أن يدخلوا من الجنوب ما أسموه "أرض الميعاد"، لكنهم وجدوا قومًا جبارين، وعندما وصلوا لجبال موآب شرقي الأردن، تولى قيادتهم (يوشع بن نون)، فعبر بهم (الأردن) عام 1189 ق.م.

واحتل (أريحا) وقتل رجالها ونساءها وشيوخها وأطفالها، ولم تسلم منه جميع المدن الأخرى التي احتلها وهو بطريقه إلى (يبوس) مثل (عاي، وهي خربة الحيان الواقعة بالقرب من بيتين) و(الجلجال، وهي تليلة الجلجولة الواقعة بالقرب من أريحا) و(شيلوح، وهي تقع بالقرب من ترمسعيا)، لكنه مع ذلك لم يتمكن من تحصينات (يبوس).

بعدما مات (يشوع)، حاول بنو إسرائيل مجددًا احتلال (يبوس)، فنزحوا بقيادة (يهوذا)، وتمكنوا من احتلالها بعد أن قتلوا عشرة آلاف رجل من سكانها، لكنهم تقهقروا بفعل مقاومة اليَبوسِيّون لهم، وفي عام 1049 ق.م أصبح (داود) ملكًا عليهم، وزحف نحو (يبوس) على رأس جيشٍ قوامه ثلاثون ألف مقاتل، فاصطدم بمقاومة اليَبوسِيّون لجيشه، لكنه تمكن بالمرة التالية من احتلالها، وأخذها عاصمةٌ له، وذلك بعد أن حاصر نبع المياه الوحيد هناك، وهو (عين روجل، والمعروفة الآن بعين أم الدرج).

كانت (يبوس) بذلك الوقت ذات شأن، فقد قامت بها حضارة شملت سبل الراحة والرفاهية، وكان بها حكومة وصناعات وحركة تجارة، وحينما دخلها العبرانيون اقتبسوا منها كل ذلك، فغادروا خيامهم وسكنوا ببيوتٍ كبيوت الكنعانيين، وخلعوا عنهم الجلود التي كانوا يرتادونها، وارتدوا كالكنعانيين ثيابًا من الصوف.

بعد أن اعتلى (داود) العرش، ثار قومه عليه بتحريضٍ من ولده (أبشالوم)، لذلك هرب (داود) ولم يعد إلا بعد وفاة ولده، وبمساعدة نجله الأكبر (سليمان) تمكن من إحباط مؤامرة أخرى قام بها ابنه الرابع (آدونيا)، وبعد ذلك قرر بناء الهيكل، فابتاع أرض (إرنان) اليبوسي الواقعة على (تل موريا التي يقع عليها الآن الحرم القدسي)، لكنه مات عام 1015 ق.م قبل أن تتحقق أمنيته.

بعد ممات (داود)، أصبح ابنه (سليمان) ملكًا، وقد اتسعت (القدس) بعهده وازدهرت، واتسع ملكه، فأصبح من الفرات لتخوم (مصر)، وأكمل بناء الهيكل عام 1007 ق.م.

بعدما مات (سليمان) عام 975 ق.م، تولى ابنه (رحبعام) من زوجته العمونية الحكم، وقد اقتتل مع أخيه (يَربعام) من زوجة والده المصرية، وبذلك انقسمت المملكة لنصفين، وأصبحت (أورشليم) عاصمةً لـ(يهوذا)، وأضحت (شكيم/نابلس) عاصمةً لـ(إسرائيل).

وقد استغل (شيشاق) حاكم مصر تلك الفرصة، فاحتل (أورشليم) بعام 970 ق.م، لكن (أورشليم) ظلت بعد ذلك لأربع قرون يحكمها اليهود، ولم تخلو بتلك المدة من الثورات أو القتال، وقد تعاقب الملوك على عرشها ك (أبيا بن رحبعام) و(آسا) و(يهوشافاط) و(يهورام) و(آحازيا) و(يهوشع) و(أمصيا) و(عزيا) و(يوئام) و(آحاز) حتى جاء (حزقيا)، و لذي غزا الأشوريين (أورشليم) بعهده، وبعد (حزقيا) خلفه ولده (منسه) ثم (آمون) ثم (يوشيا) الذي قتله (نيخو) حاكم مصر هو و ولده (يوآحاز)، ونصّبَ مكانه أخاه (يهوياقيم) ملكًا.

القدس وآشور (730 ق.م)

في عام 730 ق.م غزا الأشوريون أورشليم بقيادة الملك (شلمنصر) فسبى سكانها، وحارب أهلها لتسعة أعوام، ومع ذلك لم يتمكن من توطيد سلطانه فيها، فقد رحل عنها، وأصبحت أورشليم والجزء الجنوبي من (فلسطين) راضخًا لسلطان حكام مصر، وظلت هكذا حتى أرسل الملك الأشوري (سنحريب) قائده (ربشاقي/ربساكس) عام 713 ق.م.

فَخيّمَ بالقرب من بركة (ماملا)، فقام (حزقيا) ملك بني إسرائيل بتصريف المياه من بركة (ماملا) لبركةٍ أخرى سُمَّيت بإسمه فيما بعد (والتي تقع الآن بحارة النصارى و تُسمَّى بركة حمام البطرك)، وعلى الرغم من أن الاستعدادات لمجابهة الآشوريين لم تكن كافية، فلحسن حظهم أن الآشوريين قد ألمَّ بهم الطاعون، وولوا لبلادهم مُدّبرين، لكنهم عادوا مرة أخرى واستولوا عليها عام 678 ق.م، وأرسلوا ملكها مُكبّلًا بالأصفاد إلى (بابل)، لكنهم أطلقوا سراحه بعد ذلك، فعاد إلى أورشليم وبنى سورها الثاني عام 644 ق.م.

القدس وبابل (599 ق.م)

عندما خَفُتَ سلطان الآشوريين في أورشليم، تنازع المصريون والبابليون على حكمها، وكان (يهوياقيم) على سدة الحكم في ذلك الوقت، وقد غزا البابليون (أورشليم) بعهده، وعلى رأسهم (نبوخذ نصر)، فخضع (يهوياقيم) لـ(نبوخذ نصر) وسلمه المدينة عام 599 ق.م، لكنه (يهوياقيم) تَمرّدَ عليه بعد ذلك، فأقاله (نبوخذ نصر) وعيّنَ ولده (يهوياكين) مكانه، ثم أقاله بعد ثلاثة أشهر.

وسبى (نبوخذ نصر) جميع من في (أورشليم) بملكهم، وأرسلهم إلى (بابل)، وعيّنَ (صدقيا) عم (يهوياكين) ملكًا على العرش، فأظهر له (صدقيا) فروض الولاء و الطاعة، لكنه حاول أن يتملص منه بعد ذلك، فأرسل (نبوخذ نصر) قائده (نبوزردان)، فحاصر (نبوزردان) أورشليم عام 587 ق.م، وهرب (صدقيا) كقومه، لكن الكلدانيين تمكنوا من أسره، وهكذا ذهبت مملكة (يهوذا) بلا رجعة، وذلك بعد أن نهبها (نبوخذ نصر) ودمر هيكل (سليمان)، وكان ذلك عام 586 ق.م.

القدس في عهد الفرس (538 ق.م)

حينما اعتلى كورش عرش الفرس عام 538 ق.م، وذلك بعد أن تغلب على البابليين عام 539 ق.م، سمح لليهود بالعودة إلى أورشليم، وذلك بناءً على رغبة زوجته اليهودية (إستير)، وهي أخت زربابيل بن شلائيل بن يهوياكين بن يهوياقيم، فعاد فريق منهم، وآثر الآخرون البقاء.

وعندما اعتلى (أرتحشستا) العرش عام 522 ق.م، حال بين عودة اليهود إلى أورو-سالم، وذلك تحت ضغط العرب والحوريين والعمونيين، لكن اليهود مع ذلك تمكنوا من العودة حينما اعتلى العرش (دارا) خال (كورش)، فأتاح لهم بناء الهيكل عام 519 ق.م، فأتموا بناء هيكلهم الثاني عام 515 ق.م.

في عام 445 ق.م عين (أرتاكسركس الأول) (نحاميا) حاكمًا على أورو-سالم، وسمح له بتكملة السور الذي حاول (صدقيا) تشيده قبل ذلك، لكن اليهود مع ذلك لم يستطيعوا استعادة كيانهم، فقد أصبحوا مجرد طائفة دينية هامشية.

تنويه : إن ما قرأتموه يعرض فقط بعض ملامح الكتاب ولا يغني إطلاقًا عن قراءة الكتاب.

إذا حاز ما كتبناه على إعجابكم فلا تنسوا الاشتراك حتى يتسنى لكم قراءة كل جديد.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة